كثر اللغط حول أهمية ودور المجتمع المدني في خلق توازنات سوسيوسياسة وسوسيواجتماعية داخل المجتمعات الحديثة، وقد استقبل في الشارع العربي على أنه ذاك المفتاح السحري لإعادة هيكلة المنظومة المجتمعية للخروج من واقع الأزمة الخانقة فكريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا. وسال مداد كثير في محاولة بسط معالم هذا الكيان الجديد والذي لازال إلى حدود الساعة مبهما لدى شريحة عريضة من المجتمع والمجتمع المحلي خاصة، رغم وجود بعض مظاهره وتجلياته من مؤسسات جمعوية ونقابية وحقوقية. فماذا يقصد بالمجتمع المدني من الناحية السوسيولوجية؟ وما هي المهام المنوطة به؟ ثم ما هي أفاقه محليا في ظل حراك شعبي عربي؟

تعريف المجتمع المدني

يشير مفهوم المجتمع المدني حسب مجموعة من الدراسات السوسيولوجية إلى معنيين اثنين: معنى عام ومعنى خاص. أما الأول فيشير إلى الطبيعة المدنية للدولة والمجتمع، أي أنه يشير إلى دولة المؤسسات ذات الإطار التعاقدي والتي تقوم على أساس مبادئ عامة أهمها الديموقراطية والتعددية السياسة وتداول السلطة وسيادة الشعب واحترام حقوق الإنسان في إطار ما يسمى بالدولة المدنية. حيث أن هناك ارتباطا موضوعيا وتاريخيا بين الدولة المدنية وهذه المبادئ إذ لا حضور للدولة المدنية في غياب الديموقراطية والتعددية وسيادة الشعب… والعكس صحيح. أما المعنى الثاني فيشير إلى مجمل المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية غير الحكومية وغير الهادفة إلى تحقيق الربح، وهي تشكل الوسائط الاجتماعية بين الأفراد والدولة، والمتمثلة خاصة في المؤسسات الجمعوية والحقوقية والنقابية، حيث تستهدف تنظيم الفاعلين الاجتماعيين من خلال مؤسسات مدنية مستقلة عن الدولة لتمكين الأفراد من المشاركة في إدارة المجال العام بحس تشاركي وتضامني. ويمكن اعتبار، في تقديري، هذا التعريف الأخير خطوة أولى، لابد منها داخل الدولة السلطوية، لبلوغ التعريف الأول والمتمثل في الدولة المدنية. ففي جمهورية مصر مثلا، بعد ثورة 25 يناير، أصبح الحديث عن الدولة المدنية مشروعا بعد مخاض قادته الحركات الاجتماعية -مؤسسات المجتمع المدني- في إعادة برمجة الوعي الشعبي وتعريفه بحقوقه وواجباته تجاه قضاياه السياسية والاجتماعية.

مهمة المجتمع المدني

عرف المجتمع المدني تطورا مضطردا سواء على مستوى المضمون أو على مستوى أسلوب ممارسته العملية والعلمية في إطار مؤسساته الخاصة التي تسعى إلى توسيع الفضاء السياسي والاجتماعي والاقتصادي وتحريره من سيطرة الدولة، إلى أن تحددت معانيه في العمل التطوعي الحر والمبادرات الشعبية للأفراد والجماعات التي تهدف تحقيق التنمية في شتى مجالاتها خاصة بعد عجز الدولة عن تلبية الحاجيات الاجتماعية للمواطنين. والمجتمع المدني بهذا المعنى، لم يعد ذلك الكيان المجتمعي المهتم بتقديم الرعاية والمساعدة المحتشمة للأفراد، بل أصبح يستهدف التنمية بكل أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية. كما يستهدف وعي المواطنين وإعادة تربيتهم وتكوينهم وتهيئتهم لأداء وظيفتهم المدنية والسياسية بروح بناءة وفعالة ونقدية. وهنا يتجلى دوره الريادي في عملية تحرير الوعي الفردي وإعادة برمجة الوعي الجمعي انطلاقا من مفاهيم الأخوة والعدالة والحرية والتضامن. وهو بالمناسبة لم يعد حبيس السلطة السياسية، وإن كان لها بعض الأثر، بل أمسى سيد نفسه فاعلا ومنفعلا ومبادرا. أي أن المجال أصبح مفتوحا أمامه، بالإضافة إلى مراقبة السير العادي لمؤسسات الدولة، بأن يبحث ويخلق مشاريع تنموية مدرة للدخل تستهدف تنمية الأفراد أو المجموعات أو المناطق المتضررة بسبب أو بآخر. وهذا المستوى من الأداء لا يمكن ملاحظته وتحصيله إلا في دولة تحترم نفسها وشعبها وتؤمن، قولا وفعلا، بمبادئ الديموقراطية وحقوق الانسان وتسودها أخلاق أخوية وتضامنية بعيدا عن الانتهازية والاستغلال وتقديم المصلحة الخاصة عن المصلحة العامة.

آفاق المجتمع المدني في ظل الحراك الشعبي

لن أناقش في هذه الفقرة إشكالية وجود أو عدم وجود مجتمع مدني بالمجتمعات العربية والإسلامية ولا إشكالية علاقة المجتمع المدني بالمجتمع الأهلي. فالظاهر في الوقت الحالي هو وجود بعض مؤشرات وتجليات المجتمع المدني بالمنطقة. تكونت سواء عبر مخاض تاريخي أو عبر تقليد ساهم فيه مثقفون محليون. لكن ما يهم في هذه اللحظة هو الدور الذي يمكن للمجتمع المدني أن يلعبه خاصة في زمن تعاد فيه صياغة المنظومة السياسية والثقافية للمجتمع في ظل ما سمي بالربيع العربي. ربيع مكن -وهذا يعتبر من أبرز تجلياته- من إزاحة ستار الخوف الذي عمر كثيرا وتملك عقول وقلوب الناس ردحا من الزمن. وهذا يعتبر انتصارا عظيما على العقلية السلطوية التي حالت دون تشكل مجتمع مدني حر يمتهن دوره باحترافية وفعالية. وفي هذه اللحظة التاريخية بالذات يحق لنا الحديث عن مجتمع مدني محلي ومستقل. فكيف ذلك؟

لاشك أن سيرورة أي مجتمع مدني سواء في الغرب أو غيره من المجتمعات تكون سيرورة نضالية لإثبات الذات أولا ثم لتحقيق أدواره الريادية ثانيا. والمجتمع المحلي لن يكون استثناء عن هذا الخط التاريخي ولن ينتظر أن تعطا له مفاتيح العمل ببساطة. بل هو محتاج في سيره وتشكله إلى نضال مستميت. وفي سيره هذا فهو بالضرورة ملزم بالعمل في اتجاهين قد يكونا متكاملين وقد يكونا منفصلين: اتجاه عمودي؛ يحاور أو يطالب فيه السلطات السياسية بقبول مبادئ المجتمع المدني والمتمثلة أساسا في التعددية وقبول الآخر والديموقراطية وحكم الشعب عبر عملية انتخابية نزيهة يكون فيها فاعلا أساسيا تنظيما ومراقبة، وهذا مطلب لن يتحقق بالتمني بل يحتاج إلى مجتمع يناضل بكل مكوناته وفي مقدمتهم أهل الثقافة والفكر. أما الاتجاه الثاني فهو اتجاه أفقي حيث المجتمع المدني والمجتمع السياسي في توافق وتناغم، فليست هناك هيمنة لقوة على أخرى إلا بما أفرزته صناديق الاقتراع. في هذه الحالة بالذات تنتقل مهمة المجتمع المدني وبقوة إلى إحداث التنمية في كل ميادينها وإلى تقديم المساعدة والرعاية للمحتاجين وإلى مناصرة القضايا المحلية.

لن يكون بالطبع الطريق مفروشا بالورود والمجتمع المدني يتحرك في هذين الاتجاهين بل سيجد مقاومة شرسة وأيادي كابحة، لكن بالإيمان بعدالة وتاريخية القضية والمطلب ستنهار كل المعوقات بسرعة غير متوقعة، ولسان التاريخ والحاضر كذلك يؤكد هذا حيث انهارت قوى، اعتبرت ممتنعة وميتافيزيقية أحيانا، فانهارت بسرعة البرق.

وفي الختام

أظن أن الطريق أصبح أكثر تعبيدا أمام هذا الكيان الذي قيل عنه، بهتانا وترويجا لأطروحتهم وهيمنتهم، أنه غريب عنا وأنه لن يستنبت في أرضنا. فعلى الفاعلين استغلال هذه الفرصة التاريخية مع العلم أن الفرصة قد تتفلت وتنفلت إن لم يحسن استغلالها في الزمان والمكان المناسبين.