يشهد الجميع لطلبة العدل والإحسان الإثني عشر، المعتقلون ظلما وعدوانا لمدة 18 سنة ما بين 1991 و2009، أنهم لم يغيروا ولم يبدلوا، بل كانوا برهان الصدق والثبات.

بمناسبة الذكرى السنوية الـ21 لاعتقالهم، والتي تحل يومه الخميس 1 نونبر 2012، ننشر رسالتين تكشفان المعدن النفيس لهؤلاء الرجال، واحدة بعثوا بها من وراء أسوار السجن إلى الملتقى الوطني الطلابي السابع، والثانية دونوها يوم أفرج عنهم:

فيما يلي نص الرسالتين:

كلمة المعتقلين بعدما انكسر القيد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين

الحمد لله الذي كفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي

وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ

أيها الإخوة الكرام والأخوات الكريمات: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

ها هي ذي سفينة التمحيص والبلاء قد استوت على جودي التخليص والوفاء، بعد أن وقانا اللطيف بالعباد سيئات ما مكر الماكرون.

ودفع عنا الحكيم العليم زور وبهتان ما جاء به الأفاكون الخراصون.

فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الكَاذِبُونَ

لما يئسوا أن تخضع جماعة “العدل والإحسان” لمساوماتهم السخية صبوا علينا سوط حكمهم الجائر عشرين سنة. حسبوه شرا مستطيرا نزل بساحتنا، بل هو الخير العميم انقلبنا منه بعفو من الملك القدير وعافية وفضل، لم يمسسنا سوء ولا رهق ولا ذلة، والله ذو فضل عظيم.

أيها الأحباب الكرام: لقد خضنا وإياكم غمار الأسر ونحن لعهد الصحبة راعون، وبرداء بَركتها متدثرون، وفي ظل كنفها محفوظون، فما كان من اللطيف الخبير إلا أن أعاد علينا شوك السنين ريحاناً، وتخويف المخزن أماناً، ووحشة الزنازن أنساً بالقرآن والعلم النافع استعداداَ وتثبيتاَ.

وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً

وذاقت عائلاتنا من البلاء أشده، فمنهم الملتحق بالحَكَم العدل وقد أغصَّهُ شَجَى الفراق، ومنهم المُكابد وعثاء الوحشة وعناء السقم، غير أنهم كانوا بجميل الصبر متقلِّدين، وبنصر الله مستيقنين، غير شاكِين بتهم وحُزنهم إلا إلى الحفيظ العليم، متمثلين بقول القائل:

إذا ما تمنى الناسُ روْحاً وراحة *** تمنَّيتُ أن أشكو إليكَ فتسمعا

ولما جاءنا بشير الحرية والانعتاق، طار بنا جناح الاشتياق والتلاق لنحط بأعتابكم البهية شاكرين لكم حسن الوفادة، وسابغ الدعاء، ومُقرين لكم بمدد التثبيت ودفء الوداد.

إخواننا وأخواتنا الأعزاء، داخل غياهب سجون بلدنا الكئيبة كان خَلاقنا من ضيافة العهد القديم والجديد التضييق والحرمان وهدر الكرامة والاستثناءات المتكررة من فتات موائد المنح العفوية والعطايا المذلة في سنوات 94 و98 و2004. أما خارج الأسوار فإن تهشيم الرؤوس، ورضخ العظام، والاعتداء على الحرمات، واستدامة الحظر والحصار، كان نصيب جماعتنا المباركة بكل قطاعاتها وبخاصة فصيلها الطلابي الصامد الذي ذاق من ظلامات المكر المخزني الموغلة في القسوة والانتقام.

إن توالي مسلسل القمع والإقصاء على جماعة العدل والإحسان، والإصرار المستميت على إسكات كل الأصوات الأبية المنادية بالحرية والكرامة والعدل، لمما يكرس معاناة وتقهقر الشعب المغربي المستضعف المكلوم، ويبين بجلاء زيف ما يرفعه المسؤولون من شعارات هي التدجيل والخبال: الإنصاف والمصالحة وطي صفحة الماضي الأليم ودولة الحق والقانون.ونحن إذ يُمضّنا انصرام زهرة شبابنا خلف القضبان، فقلوبنا لا تأسى على ما أصابها من ضراء، ولا تتحسر على ما فاتها من نعماء، فالدعوة إلى الله حرفتنا المثلى، ومستقبل دولة الإسلام مرمى حركاتنا وسكناتنا. وما عند الله خير وأبقى وأنقى. وما هي إلا ومضة الدنيا الخاطفة، فإذا نحن في القبور أجسادا، وفي البرزخ أرواحا، وعند الله عز وجل في مقعد صدق مطمحا. والظالمون مهما اشتدت سطوتهم في الدنيا، واتسع تقلبهم في البلاد، فصَولتهم ساعة، ثم مثواهم يوم القيامة هوانا، ومقامهم صغارا.

نذكر أنفسنا وإياكم أيها الأحباب بهذا النبإ العظيم، لئلا تصرفنا صوارف مدافعة الباطل، وزهو النصر والكرامة عن الإقبال على الله تعالى وانتظار لقائه، والرجاء لمغفرته ورضوانه. فمُسكة الإيمان بالغيب هي التي عليها مدار اهتدائنا ومحور فلاحنا في الدنيا والأخرى.

إن تنكب طريق الهداية والفلاح سلك بأمتنا مهاوي الشتات والضياع، فكان من عاقبته النقض الجبري المتوارث والاستكبار العالمي المستنزف لخيرات البلاد والعباد على طول خارطة العالم الإسلامي (فلسطين، العراق، الشيشان، أفغانستان…). والأمة الغثائية جثة هامدة لن تنبعث من رقاد، وتتجمع من فرقة، وتحيى من موات، لتقوى على حمل الرسالة للعالمين إن لم تعد إليها الروح بعودة الشورى والعدل والإحسان. وما ذلك على الله بعزيز.

أيها الإخوة الكرام، والأخوات الكريمات: اليوم وقد أظلتنا معكم سماء حرية منقوصة، فقد خلفنا وراءنا رجلا مقداما صابرا محتسبا تضمه سراديب سجن ظالم، ذلكم هو أخونا الحبيب بلقاسم التنوري الذي نقرئكم سلامه ونحكي لكم ثباته واستبشاره، والله نسأل أن يفك أسره وأن يجمعه بأمه وبأهله وإخوانه في أوان قريب.

كما خلفنا وراءنا ثلة من المعتقلين الإسلاميين يتجرعون مرارة الظلم وقهر السجن والسجان.

إخواننا وأخواتنا الأعزاء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لم يشكر الناس لم يشكر الله” 1 .

ولقد استرقّنا جميل نصرتكم، وجزيل بذلكم، وحسن مواساتكم، فلا نملك إلا أن نتقدم بالشكر العميم إلى كل من دعا لنا بظهر الغيب، وناصر قضيتنا، وآزرنا في محنتنا، وفي مقدمتهم:

– الرجل الذي أصفينا له المحبة، فرفعنا في درجات الحب لله ولرسوله الكريم، وأفاض علينا من جزيل أدبه وفيض تلطفه وجميل إحسانه ما يليق برفق الوالد المعلم الرحيم. حبيبنا المرشد حفظه الله.

– وأعضاءُ مجلس الإرشاد والمسؤولون القياديون في جماعة العدل والإحسان الذين تعهدونا بالنصح والتوجيه والرعاية.

– وكافة المؤمنين والمؤمنات الذين كانوا في مباشرة خدمتنا، ومواساة عائلاتنا.

نسأله سبحانه الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وشكر نعمه وآلائه. رب أدخلني مُدخل صدق وأخرجني مُخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا.

فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الأحد 01/11/2009.

رسالة إلى الملتقى الوطني السابع للاتحاد الوطني لطلبة المغرب

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه

إخواننا الطلبة، أخواتنا الطالبات:

أيتها الجماهير الطلابية الصامدة المصابرة:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تمر الحركة الطلابية اليوم بظروف دقيقة وأيام عصيبة بالنظر إلى ما تواجهه من هجمات مخزنية قمعية شرسة تعرض خلالها الطلبة لمجازر رهيبة: تهشيم للمرافق، تكسير للكرب، خلع للأكتاف، خرق للصدور … باختصار، يلقن الطلبة درسا في الديمقراطية المرفوقة بأعمال تطبيقية، ناهيك عن اعتقال عشرات الطلبة والطالبات من فصيل طلبة العدل والإحسان، وتقديمهم لمحاكمات صورية،ثم الزج بهم في معتقلات “العهد الجديد” الكئيبة، ليبقى ملف الاعتقال السياسي الذي زعموا غلقه مفتوحا يشهد على زيف شعارات طي الصفحة ودولة الحق والقانون في خرق سافر لحرية العمل النقابي والسياسي، لم يقتصر هذا القمع الممنهج على الحركة الطلابية، بل امتد إلى قطاعات واسعة من الشعب المغربي المكلوم (قمع اعتصام الخريجين المعطلين، قمع تظاهرة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان يوم 9 دجنبر 2000، وتظاهرات اليوم العالمي لحقوق الإنسان التي دعت لها جماعة العدل والإحسان، قمع الصحفيين، ومنع الصحف …) إنها الحرب الشاملة تشنها حكومة التناوب الممنوح بتواطئ سافر مع نظام المخزن العتيق على أهم دفاعات شعبنا ضد الظلم والطغيان.

هذا وما يزال نظام التربية والتعليم، العمود الفقري للدولة، يعاني من الفوضى ومن اختلالات كثيرة لا شك ستتفاقم مع مشروع “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” الخالي من أي بعد تربوي ولا ينطلق من واقع المغاربة، كما نزل ثقيلا يحمل في طياته إلغاء المجانية وضرب اللغة العربية ويشجع على النخبوية من خلال الخصخصة…

أي مستقبل لبلد يعد سياسة العنف لضرب العناصر النشطة في الأمة؟ من أي جهة ينبع العنف؟ من طلبة مسالمين يدافعون عن حقوقهم، أم من سلطات تحول الأحياء الجامعية إلى ثكنات، والمدرجات إلى مسالخ؟ إنها مخططات استكبارية رهيبة استهدفت كسر شوكتكم فتهشمت -بإذن الله تعالى- على صخرة صمودكم وإبائكم والتفافكم حول المخلصين من مجاهدي الحركة الطلابية الصابرة الذين باعوا أنفسهم لله مقابل ما أعده الله للمجاهدين في سبيله والمستضعفين، ليظهر بذلك الوجه الكالح البشع للفئة الحاكمة المستكبرة المتمالئة، فئة أقزام الفكر، فئة الخفافيش المعشعشة في الظلام الذين نسوا بأن الكهنة والمتزلفين لا يجنون غير ضياع جهودهم عندما تتحقق إرادة الطلاب.

إخواننا الطلبة، أخواتنا الطالبات:

نحييكم ونحيي اجتماعكم في هذا الملتقى السابع الذي جعله فصيل طلبة العدل والإحسان تقليدا يؤسس من خلاله لممارسة نقابية رشيدة قوامها الوضوح والمسؤولية والبذل، وإشاعة ثقافة الحوار والتواصل بعيدا عن المطامع الشخصية الأنانية، والمصالح النقابية الضيقة، ممارسة تتغيى توحيد الفعل الطلابي وإكسابه قوة ومنعة ضد كل أشكال التشتيت والتفتيت التي تظهر من حين لآخر بعد أن استنكف حاملو وزرها أن يحتكموا إلى خيار الجماهير الطلابية التي اختارت هياكلها وممثليها بحرية وطواعية مخالفين أدنى قواعد التعامل الديمقراطي، وفي هذا السياق شكل فرز لجنة التنسيق الوطنية تحولا حاسما في مسار أ.و.ط.م حيث تمكنت هذه اللجنة من تفعيل التنسيق الطلابي ونشر الوعي النقابي بين الطلبة، والإنجاز الكبير هو الإعداد الحثيث لعقد المؤتمر الاستثنائي لأ.و.ط.م. كما كان لمشاركة الأخت الطالبة بجانب أخيها الطالب دورا بارزا ومشهودا ساهم في تفعيل عمل الهياكل، وإنجاح مبادراتها في انسجام مع رسالتها في العلم والعمل والجهاد والاجتهاد الجامع المجدد.

إخواننا الطلبة، أخواتنا الطالبات:

إنكم معقد آمال هذه الأمة التواقة لغد الحرية والكرامة والعدل، غد تكونون فيه القادة بعد أن تعبروا بكيانكم الصادق المؤمن زعازع الحاضر وبأساءه وبؤسه دون انكفاء على الذات، أو تضخيم للمأساة، بل باعتبار الأمر جزءا غير منفصل من عنت الأمة الشديد التي تعرف قضيتها الأولى تطورات خطيرة، إنها القضية الفلسطينية التي تفجرت انتفاضتها المباركة الثانية ضد الاحتلال اليهودي الصهيوني ومن خانوا وباعوا القضية مترامين على موائد المفاوضات الذليلة التي فشلت في تحرير الأرض وانتزاع حق شعبنا الفلسطيني في الحرية والانعتاق، فرحمة الله على شهداء أمتنا الأبرار، ونسأل لهم من الله جنة رضوان.

كما لا ننسى محنة شعب العراق المسلم الذي يعاني من الحصار الأمريكي الصهيوني المضروب عليه وعلى كل الشعوب التي تجاهد من أجل التحرر من أغلال التبعية والوصاية الأمريكية المستعبدة.

إنكم اليوم تساهمون بجهادكم في صنع مستقبل مشرق بما تجددونه من دين تآكل مع الأيام بفعل غزو ثقافي وإعلام كارثة، وفساد وفقر مذقع يلعن الثراء الحرام الفاحش.

مسؤولياتكم، أيها الإخوة والأخوات، كبيرة وكثيرة لن تفلحوا في تحملها إن لم ترسوا شعوركم بها على دعائم الإيمان بالله سبحانه والخوف منه والصدق معه والشوق إلى لقائه بصفحة ناصعة طاهرة بعد حياة جافت السفاسف والتفاهات، وعمرها الجهاد في سبيل الله واليقين بموعوده الذي لا يخلف.

قال الله عز وجل: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين.

ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم.

إخوانكم المعتقلون السياسيون الإسلاميون -طلبة العدل والإحسان-

السجن المركزي بالقنيطرة.

وحرر بتاريخ 3 ذو القعدة 1421 الموافق 18 فبراير 2001.


[1] أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.\