الصحبة مفتاح القلوب المنكسرة والعقول التائهة والأجساد الحائرة والنفوس الضعيفة والإرادات المترهلة.

الصحبة مدرسة الأجيال المؤسسة، ثم الأجيال البانية.

يُتعلم في مدرسة الصحبة: المحبة، والوفاء بالعهد، والصفاء، ونكران الذات… وكل الخصال التي تزين الرجال وتجملهم بالجمال المحمدي وترفع قدرهم عند الله بما بذلوا من علم وحلم في سبيله عز وجل.

يمكن ألا يدرك غافل هذه المعاني، لأنها ذوق. يصعب على من يفقد حاسته ألا يشم رائحته أو يبصر لونه أو يسمع صوته أو يتذوق حلاوته. إنه عطاء إلهي يمكن أن يفقده المرء إذا طغى وتجبر واستكبر. اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء.

الصحبة باب:

– يدخل سالكه في طريق الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان، ليرقى بقلبه من الغفلة إلى الحضور، وبعقله من الظلمات إلى النور.

– يوصل طارقه إلى غاية العلم وحقيقة الوجود، باكتساب آليات علم المنهاج النبوي.

بهذه الأبعاد تنتقل الصحبة من دائرة ضيقة، صحبة التبرك والانزواء، إلى دائرة أوسع وأرحب، صحبة البناء والجهاد. من أجل ذلك جعلت للمفاهيم المنهاجية ثلاث مجالات: التربية والتنظيم والزحف، لضبط المنطلق وتحديد الغايات.

علم المنهاج بني على أسس متينة ترقى بمكتسبه ومن يدور في فلكه، في مدارج العلماء العارفين بعلم الحقيقة وعلم الشريعة، والعلماء الحاضرين الفاعلين في زمنهم بأحوالهم وأقوالهم.

من أجل ذلك بني المنهاج النبوي على خصال عشر لاكتساب شعب الإيمان -البضع والسبعين أو البضع والستين- وتجديد الدين في جميع مستوياته، مصداقا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام البيهقي عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة: فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان”. متفق عليه.

المنهاج النبوي، الذي هو اليوم بين أيدينا، ثمرة اجتهاد خرجت من رحم تجربة عقود كتبها الأستاذ الجليل عبد السلام ياسين، بل طورها من الاهتمام بتغيير الإنسان في كتاب “الإسلام بين الدعوة والدولة” إلى بناء المجتمع في كتاب “دولة القرآن”.

خصال عشر إذن، ثلاث منها خصال أمهات:

1. الصحبة والجماعة.

2. الذكر.

3. الصدق.

تعتبر هذه الخصال الثلاث، ركائز وهيكل بناء الفرد في الجماعة حاملة مشروع بناء مجتمع العمران الأخوي، أما الخصال السبع الأخرى، فهي كسوة البناء وجسده:

1. البذل.

2. العلم.

3. العمل.

4. السمت.

5. التؤدة.

6. الاقتصاد.

7. الجهاد.

لا يمكن لجسد أن يعيش بدون روح، فالروح أصل ينمو في الدنيا لينتقل بعد حين إلى لآخرة، بينما الجسد فرع يعيش في الدنيا لأجل مسمى. لا يكون لهذا الجسد معنى إذا كان باطنه خواء، إنما يكتسب ذاك المعنى إذا كانت لباطنه روح طاهرة، ولقلبه مذكور بصدق الطلب والهمة في عالم الفتنة ليخرج بقلب سليم من قفص جسد فان.

المنهاج النبوي وضع أولويات مشروع التغيير، ومنطلقات البناء السليم على قاعدة الصحبة، لبلوغ مقاصد الجهاد بمستوياته الأحد عشر.

فالعلم مثلا لا يكتسب نوره إذا وضع في عقل صاحب غافل. ولا يمكن أن يحصل المرء على حضور إذا كان في عزلة وبعد عن صحبة صادقة. لذلك نجد المنهاج النبوي يميز بين العالم الغافل والعالم الحاضر. حضور يبدأ بالتخلي عن الدوابية والسقوط في فخاخ الأرض، ثم التحلي بخصال الرجال ذوي الهمم العالية، المتشوفة لما عند الله، والمتشوقة إلى النظر إلى وجهه الكريم يوم العرض عليه مع إخوان الآخرة الذين كتب الله لهم اللقاء في الدنيا الفانية ولقاء الدار الآخرة.

رجال الصحبة يقربون البعيد ويطوون المسافات وييسرون العسير. رجال الصحبة رجال البناء، يحملون أدوات البناء من أجل اقتحام عقبة النفس الأمارة بالسوء والرقي بها إلى درجة النفس اللوامة ثم النفس المطمئنة، تاركين معاول الهدم الشيطانية المشيطنة والموسوسة كاشفة العورات وهاتكة الأعراض…

قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق…

قل أعوذ برب الناس، ملك الناس…

ونحن من الناس، خلقنا الله للعبادة، حق العبادة، لنكون أكيس الناس وأطهر الناس، محققين قول رب الناس: كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.

رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث منا وفينا، عاش مع صحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم معلما ومربيا، تركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فحملوا المشعل بكل أمانة وصدق. أشع نور قلوبهم على من أعقبهم من التابعين وتابعي التابعين، إلى أن وصل مدى بياض المحجة البيضاء من بعد صحابة رسول الله إلى إخوان رسول الله عليه أفضل الصلاة والتسليم: جيل الخلافة الثانية على منهاج النبوة كما بشر بذلك الصادق المصدوق.

جند الله المتصاحبون في الله وبالله وعلى بركة الله يسيرون شوقا إلى ما عند الله، يركبون سفينة الجماعة المتحاب أعضاؤها، المتعاونين على البر والتقوى، المبحرين نحو شاطئ النجاة، تحت إمرة مرشد رباني وقيادة راشدة توجه البوصلة نحو قبلة الفلاح وتطلق أشرعتها لاقتحام طوفان الزمان والمكان.

كل من القائد والراكب يعمل على توفير بيئة الدفء وسكينة الوجدان ونكران الذات، من أجل بلوغ الغايتين المنشودتين في الدنيا والآخرة: الغاية الإحسانية والغاية الاستخلافية.

تلك إذن شجرة مباركة، أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بأمر ربها.

مدرسة الصحبة، كوكبة نورانية تستمد ضياءها من منبع أصيل، من جيل التأسيس إلى جيل بناء الخلافة على منهاج النبوة التي بشرنا بها البشير النذير، عليه أفضل الصلاة والسلام.