أعرف مدى شوقك إلى الله، إلى مناجاته، إلى الطواف حول بيته، إلى زيارة النبي صلى الله عليه وسلم، إلى السلام عليه صلى الله عليه وسلم، وأشاهد في عينيك بريق الدموع تحن حباً له صلى الله عليه وسلم، وأسمع نبضات قلبك تتسارع حنيناً لرحمة الله ومغفرته.

أعلم مدى حرقة وارتعاش يدك لأن فريضة الحج فاتتك وربما لن تعود، ولكن قدر الله هو خير لك، فماذا تفعل لتقر عينك ويهدأ قلبك وتثبت يداك؟ لقد سافر من سافر وكتب الله لهم الفريضة.. وأنت…؟

إليك البشرى، قال صلى الله عليه وسلم: “”ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام”. (يعني 10 ذي الحجة) قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: “ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء”” 1 .

عشر أيام من العبادة تكون أفضل من الجهاد تخيّل، إلا رجل ضحّى بنفسه وماله في سبيل الله ولم يبق منهما شيء، فقط هو من يكافئك في الثواب، معادلة صعبة جداً، ولكنها في صالحك، فالله تعالى أراد ألا يحزن من لم يحج، فأهدانا هذه الهدية.. فهل تقبلها أم ستضيعها؟

يا خيل الله اركبي

كان خالد بن الوليد رضي الله عنه عندما يخرج إلى الجهاد يهتف ويقول: يا خيل الله اركبي) معلناً الجهاد والحماسة، وأنت تحتاج إلى هذه الصيحة الآن اهتف يا خيل الله اركبي)، وكن أنت فارس سباق العشر الأوائل الذي تخوضه الآن ولا تعد عيناك عن المركز الأول أبداً، ولا تركن إلى النوم والدعة.

نفسك حصانك، نعم أنت فارس تقود نفسك التي بين جنبيك، تمتطيها وتركض بها في السباق، لا تتركها تقودك، هل رأيت حصانا يقود فارسه؟ أبداً؟؟

قبل بدء السباق، اخلُ بنفسك، حدّثها واسألها: هل حقاً تحتاج إلى تلك الأيام العشر؟ هل تحتاجين إلى عفو الله، إلى مغفرة الله؟ أم إنها في غنى عن ذلك؟ روّضها إن كانت عاصية، وضع على ظهرها سرج الطاعة حتى تمتطيها؛ فقد حان الوقت، وإن أبت فامتطها عنوة، وقدها بكل قوة في الطريق الصحيح؛ فهذه الأيام هي طوق نجاتك فلا تدعها تمر وكن حاجّاً بقلبك. نعم.. استشعر كل فرائض وأركان الحج، واحي كأنك هناك: فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ولا خصام ولا كذب ولا ترك لصلاة ولا هجر قرآن ولا إطلاق بصر؛ أنت من عباد الله تحجّ إليه بروحك.. وكن محرما. نعم … واستشعر أن الإحرام ما هو إلا كفن، لا محالة قادم.. قادم.

اجتهد كأنك تسعى بين الصفا والمروة، واترك كل المحرمات رجما للشيطان، واعمل كأنك تحج البيت، فربما تنال الثواب بالنية الصادقة.

فرعون ذكر الله في شدته، ولكنه في الوقت الخطإ فجاءه النداء: آلآن وَقَدْ عَصَيْتَ أخشى أن تسمع هذا الرد عندما تطلب العون من الله في شدتك، وهي قادمة قادمة، وما من أحد منا إلا وتكون لـه شدة، فيكون الرد عليك: آلآن وَقَدْ عَصَيْتَ.

هناك قول رائع ذكره الطبري في تفسيره في قوله تعالى: فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِين قال: العمل الصالح يرفع فاعله إذا عثر، ويكون له متكأ فأكثر من متكآتك.


[1] رواه البخاري.\