السور الخامس

لأن طاقة الإنسان وعمره محدودان، ولأنه خلق لغاية عظيمة، كان القصد في الدنيا وتسخير كل الطاقات فيما ينفع من أهم أسباب نجاح العبور إلى الآخرة. وفي تصنيف شعب الإيمان للأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله جعل الاقتصاد بمعناه الواسع خصلة تنضوي تحتها ثلاث شعب. ومعنى الاقتصاد أن يجعل الإنسان كل مواهبه وحواسه وممتلكاته وسائل لبناء عمر يقدم بعد الموت قربة إلى الله عز وجل، أن يسعى إلى ألا َيضيع شيءٌ من متاع الدنيا ومواهبها فيما لا فائدة منه. والحواس من جملة هذه المواهب، ينبغي أن لا يضيع السمع والبصر في ما لا ينفع، في تتبع عورات الناس، في التجسس على ما لا حق لأحد في الاطلاع عليه من الخصوصيات: ولا تجسسوا. في تفسير الإمام الطبري رحمه الله: وقوله: {ولا تجسسوا} يقول: ولا يتتبع بعضكم عورة بعض، ولا يبحث عن سرائره).

ذلك حتى يتسنى لك تسخير طاقاتك في معرفة عيوبك ونقائصك وفي معرفة ما تستطيع أن تتعاون فيه مع الناس على البر والتقوى.

لكن: كيف أحمي نفسي من مكر الخبثاء ونفاق الذئاب البشرية المرتدية ثياب الاستقامة والصلاح؟ كيف أحمي نفسي إن لم أنقب عن حقائق من أتعامل معهم وعلى ما يخفون من أعمالهم؟

يغنينا القرآن الكريم وهدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تضييع وقتنا وديننا في التجسس بوسائل أكثر نجاعة وفعالية نذكر منها ثلاثا اقتصادا للوقت:

– وسيلة أولى: أن يحيط الإنسان معاملاته المادية والاجتماعية – حتى مع ذوي القربى – بسياج الشريعة والقانون. من ذلك مثلا كتابة الدين والإشهاد عليه مهما كان قدره، من ذلك أيضا كتابة العقود بوضوح مع توضيح كل الشروط في كل معاملة ذات بال.

– وسيلة ثانية: عرض الناس على مرآة النبوة. فمن الغباء مثلا الثقة في شخص رأيت من أحواله عهودا لا يفي بها وأمانات لا يؤديها وأقوالا يكذب فيها، فمرآة النبوة تظهر بوضوح علامات النفاق على مثل هذا الشخص، لا أحكم عليه بالنفاق لأني لم أشق على قلبه، لكن أيضا لا آمن له ولا أتخذ بطانة من أمثاله.

طالع أيضا  في البناء الأسري: حتى لا تتسطح الرؤية (3)

– وسيلة ثالثة: شرع الله سبحانه لنا وسيلة امتحان الناس قبل التعامل معهم، وبتعبير أدق أن نتعامل معهم بالتدرج حتى نخبرهم بعمق، ومن أمثلة ذلك الأمر باختبار من نكفل من الأيتام حتى نأنس منهم الرشد ثم بعد ذلك نوليهم أموالهم يتصرفون فيها بإرادتهم: وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ 1 .

أما التجسس وتتبع العورات فلا يزيد العلاقات بين الناس والأسر إلا توترا وتكهربا….

ولا تجسسوا.

السور الأخير

وصف الشاعر الأندلسي بن اللبانة رحمه الله جزيرة مايوركة – وكانت تسمى ميورقة قبل سقوط الأندلس – كالتالي:

بلدٌ أعارته الحمامةُ طوقها *** وكساه حلةَ ريشهِ الطاووسُ
فكأنما الأنـهارُ فيه مدامةٌ *** وكأنما عرصات الديار كؤوسُ
التشبيه أسلوب بياني عجيب له جمالية ساحرة ويسمح بتذوق المعاني وتقريبها…

وغالبا ما يكون في التشبيه مبالغة وهوة بين المشبه والمشبه به، لكن كلام الله عز وجل منزه عن كل النقائص والمبالغات، فإذا شبه الله عز وجل شيئا بشيء فلا مكان للمبالغة إنما هي الدقة الكاملة في علة التشبيه… نقرأ قوله سبحانه: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ 2 لا مبالغة في شيء من القرآن الكريم، فالحقائق كما ننطقها لا زيادة ولا نقصان.

أذكر أن قناة عربية شهيرة قدمت صورا لطفل خطفته عصابات الأسد في سوريا وعذبته حتى الموت ثم مثلت بجسده وعبثت بأعضائه وتركوه حتى انتفخ الجسم وتعفن وبعد ذلك أسلموه إلى أهله، معظم الناس لم يقدروا على الاستمرار في المشاهدة ومعظم المشاهدين تقززت واشمأزت قلوبهم ولم يجدوا في قواميسهم ما ينعتون به وحشية وعفن وخسة أزلام النظام السوري عجل الله بهلاكه…

لنتخيل أن أحدا ممن عذبوا الطفل انقض بأسنانه على ذلك الجسد الميت المشوه المنتفخ وشرع يأكل لحمه الطافح بدمه المتعفن، قمة الخسة والنذالة أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ 3 يخبر القرآن الكريم أن من يغتاب أخاه لا فرق بينه وبين من يأكل لحوم الموتى، ونذكر ثانية ألا مبالغة في كلام الله عز وجل وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُۚ 4 . قال الإمام بن كثير رحمه الله في تفسيره: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، قلت من هؤلاء يا جبرائيل؟ قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم”.

وما الغيبة إلا ذكرك أخاك – وهو غائب – بما فيه مما يكره…

طالع أيضا  في البناء الأسري: حتى لا تتسطح الرؤية (1)

ميزان بسيط ودقيق: إذا عرف الغائب ما قلت عنه هل يغضب؟

إذا كان الجواب “نعم” فقد اغتبته…

والتحذير الرباني واضح: وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.

فمن الضحك على النفس أن يقول آكلو لحوم الناس إننا نتحدث عن الناس في غيابهم لكن ذلك يبقى محصورا فقط بيننا نحن أفراد الأسرة ولا نطلع عليه أحدا من الأغراب…

ومن الضحك على النفس أيضا تبرير الغيبة بكوننا نريد الخير لمن نغتاب وبكوننا قريبين منه: أصدقاءه أو أقاربه أو أصهاره أو جيرانه. عجبت لأرباب الأسر يتشددون مع أنفسهم وأبنائهم في إتقان اللباس وتحضير الطعام وفي اختيار المدرسة المناسبة وفي اختيار الاختصاص المناسب وفي احترام شكليات الأكل والجلوس والكلام يتشددون في كل هذا، وانتهاك حرمات الناس في حضورهم وغيابهم أمر مألوف تتشربه الناشئة وتتعلمه، بل تتلقاه كمهارة اجتماعية لا مفر منها لمن يروم تحقيق ذاته… نسأل الله العافية…

كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عطوفا، لينا مع أزواجه دائم التبسم رفيقا، لكنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يسمح بأن تنتهك في حضوره حرمات المسلمين حتى من أحب الناس إليه. فقد أورد الإمام أبو داوود رحمه الله في كتاب الأدب من سننه عن سيدتنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا – تعني قصيرة – فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته.

انظر رعاك الله كيف لم يسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو عين الحكمة والأناة – ولم يتريث في استنكار اغتياب الناس في حضوره… أين ما ذكرت السيدة عائشة رضي الله عنها مما يذكر به عباد الله وإيماؤه في مجالس أسر المسلمين وتجمعاتهم؟؟؟

طالع أيضا  في البناء الأسري: حتى لا تتسطح الرؤية (2)

لتعارفوا

تقدم أن تحصين الأسرة والعشيرة بهذه الأسوار الستة لا بد منه للاستقرار ولتفادي الشحناء والبغضاء وما يتبعهما من دمار وخسائر، وتقدم أيضا أن القرآن الكريم لا يقدم لنا هذه الأخلاق مسطحة شكلية فقط، بل يربينا دائما على أن للسلوكات كلها أسسا قلبية إيمانية إحسانية…

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل يتعداه إلى ما هو أرقى وأعظم…

لا مكان لأمتنا بين الأمم ولا حديث عن دعوة الأمم الأخرى إلى الخير ولا حضور فاعلا لنا في الأرض إن لم تحصن حجراتنا بهذه الأسوار الست، ذلك أنه بمجرد انتهاء الكتاب المبين من تزويد الأمة بتلك الأصول الأخلاقية الرفيعة، يتوجه الله عز وجل سبحانه بخطاب إلى الناس فلا نجد يا أيها الذين آمنوا بل نقرأ: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا… الآن فقط يدعو الله سبحانه عز وجل الناس إلى التعارف لأن النموذج الذي يريد من العالمين التعرف عليه قد تحقق، نموذج بشري يخطئ ويصيب لكنه ببشريته تلك خير أمة أخرجت للناس… بتعبير آخر متداول سمعته مرارا: لا دعوة لأمة فقيرة للأخلاق…

الآن فقط وقد تحصنت الحجرات وتنورت يصبح القرآن الكريم عالميا بما هو نموذج معيش ملموس فيقبل الناس على الدين طامعين في بلوغ ما يرون في مجتمع المسلمين من سعادة وتآلف وتعاون. وتصبح الدولة بحجراتها أساسا دولة قرآن، تسري فيها أخلاق القرآن أي أخلاق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كان خلقه القرآن كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها. ألا فليَعرض كل منا أفرادا وأسرا نفسه على أخلاق القرآن وليكن في ذلك ناصحا لا يغش نفسه وكتابه إذ “الدين النصيحة”“لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم”.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] الآية 6 من سورة النساء.\
[2] الآية 23 من سورة الذاريات.\
[3] الآية 12 من سورة الحجرات.\
[4] الآية 12 من سورة الحجرات.\