4. مرتكزات خيار المقاومة والبناء من خارج قواعد اللعبة النظامية أو مقتضى الربيع العربي في المجال المغربي

المرتكز الأول: الرصيد الأخلاقي التربوي

من الأسس التي تقوم عليها حركة مشروع العدل والإحسان، بل هو أساس الأسس وأصل الأصول: الأصل التربوي الأخلاقي.

وهنا التبس الأمر على كثير من الباحثين والسياسيين وحتى العاملين في حقل الدعوة والحركة الإسلامية، فخلطوا الأمور وجعلوها صوفية مرة وخرافية مرات وتقديسا “للشيخ” أحيانا كثيرة، وما إلى ذلك مما راج ويروج له في الكتابات والاستجوابات والصحف والمؤلفات.

إننا هنا لسنا بصدد الرد على كل تلك المغالطات والشبهات، ولكن المراد الكشف عن الأفق الذي فتحته التربية على قواعد “علم المنهاج النبوي” لحركة مشروع العدل والإحسان. ذلك أن الصمود أمام شراسة القمع والحصار لا ترجع فقط إلى واقع التماسك التنظيمي والهيكلي لجماعة العدل والإحسان، وإنما مرد ذلك إلى القيم التربوية الإيمانية الإحسانية التي تحتضن كل الأعضاء وتكون شخصياتهم وفهمهم وترسم سلوكهم وتصنع إرادتهم.

وهنا بالضبط تنكشف علاقة التربوي بالسياسي، إذ الموقف السياسي التصوري والميداني في أية لحظة إنما عمقه تربوي.

فالسؤال مثلا: أين تقف التربية ومن أين تبدأ السياسة سؤال في غير محله، وهو دليل على سوء فهم كبير لجوهر حركة مشروع العدل والإحسان. لذلك كانت الوثيقة موفقة في الربط الجميل بين كل ما هو قيم جميلة وعظيمة وبين البناء الحقيقي، فأشارت بكل جرأة ومسؤولية إلى علاقة قيم الفساد بكل أصنافه والنظام السياسي القائم.

إن التربية الإيمانية الإحسانية تخترق كليا تفاصيل الحركة وتعيد بناءها لتصبح وضوحا ونورا كاشفين لأفق هذه الحركة في بعدها الفردي والجماعي. وهو ما يؤسس لطبيعة الموقف السياسي الذي سنتحدث عن مصدره في المرتكز الثالث.

ولاشك أن هذا الاختراق الطبيعي والتلقائي لتفاصيل الحركة سيعطيها معنى جديدا يوفر لها عناصر المقاومة والممانعة من أن تُخترق من خلال مفاهيم قوية التأثير ومتعارضة كليا أو جزئيا مع مضمون هذه الحركة ومقاصدها والغاية منها مهما كان حجم الضغط وحجم المعاناة وحجم الحصار وحجم القمع وشراسته.

طالع أيضا  الربيع العربي ودرس "جميعا من أجل الخلاص" في المغرب 2/1

إن اللحظات الصعبة ويوميات الشدة هي التي تكشف حتما عن مدى هيمنة هذه المعاني الكبيرة على عناصر الحركة البشرية والمؤسساتية. وحينما تصبح لهذه المعاني السيادة والحكم على الحركة في كل تفاصيلها تصبح لها قوة التأثير على الواقع الفردي والجماعي الذي يستشعره البعض وقد لايستشعره البعض الأخر.

لانريد هنا أن يُفهم من هذا الكلام تسخير التربوي للسياسي، فذلك انحراف ذات الشمال خطير وخطير جدا، لكن نريد أن نكشف بعضا من مدلولات مفهوم “الدعوة والدولة” حيث من نتائج التربية على “قواعد علم المنهاج النبوي” حصول الاستقامة في مزاولة الحركة السياسية بكل تفاصيلها بالحفاظ عليها من الانحراف والطغيان والتسلط والفساد والاستبداد والمكر والخداع والدسيسة. ولذلك لا بد من قيم القوة والأمانة في الشخصيات والمؤسسات المتصدية لقضايا الشأن العام ومواجهة طغيان الدولة والفئة المناهضة للحق والحرية. فما يقاوم مغريات الجاه والسلطان والطغيان والمال والشهرة والترف والثروة غير قم التربية على البذل والعطاء بلا حدود؛ يموت الفرد لتحيى الأمة عزيزة كريمة ولتبنى المؤسسة الحرة والقوية والمستقلة والمحتضِنة لهموم الأمة والمحتضَنة كليا من طرف هذه الأمة.

فما قيمة قواعد اللعبة السياسية النظامية السائدة اليوم أمام هذه القيم النبيلة والعظيمة؟

ليس هذا نوع خلط بين التربية والسياسة وبين الأخلاق وبين السياسة، وبين الغيب وبين السياسة، لأننا نتحدث من خارج قواعد الخيار الوحيد، ونبحث عن مدرسة جديدة وفيها لنكتشف فكرا وتفكيرا سياسيين ينتجان فقها سياسيا يؤسس لعملية سياسية مبنية على قطيعة منهجية وكلية مع التجربة السائدة وتخوض ضدها معركة قوية وهادئة ومتئدة من خلال رجال ونساء ومؤسسات بنيت على أسس جديدة ومفاهيم جديدة وإن في ميدان تسود فيه حيثيات الخيار الوحيد وأصحاب الخيار الوحيد. وهنا تظهر قيمة المرتكز الثاني.

المرتكز الثاني: العمق الفكري والسياسي الحركي

إن المدرسة الجديدة حين استندت على عمق تربوي أخلاقي مكنها من عمق فكري هائل قرأ الماضي التراثي قراءة نقدية متكاملة وغطى اللحظة المعيشة إيجابيا واخترقها بنائيا لينسج مستقبلا من خلال البحث الدقيق في نظام العلاقات الدولية ونظام دولي بديل عن السائد اليوم. ولذلك لم تغفل وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” هذا البعد عند تشخيصها ومعالجتها للوضع السائد.

طالع أيضا  الربيع العربي ودرس "جميعا من أجل الخلاص" في المغرب 2/1

ولما كانت هذه القدرة على الاختراق الهائلة والمتئدة والقوية على قاعدة الأساس التربوي الأخلاقي، كان الأفق السياسي واسعا وعريضا ومتخلصا من قبضة قرونية استبدادية هيمنت على الفكر والنفس والحركة في المجتمع المغربي.

ولما انفتح العقل والإرادة على هذا الأفق السياسي استنادا إلى عمق فكري مستند إلى أساس تربوي أخلاقي امتد إلى مفهوم الخلافة وأعاد بناء مدلولاتها فتوفر على كفاءة علمية ومنهجية في نقد بنية النظام السياسي وتفكيك منظومة الخيار الوحيد، خيار الاستسلام الكبير، ليرسم خط خيار المقاومة والممانعة والبناء من خارج قواعد اللعبة الرسمية وفق قواعد تجديدية توفر الإجابة العلمية والعملية على الإشكالات والسؤالات الكبرى والفرعية التي ترهق كاهل الإنسان والمجتمع المغربيين بناء على مقاربة جماعية ميثاقية قاطعة مع الفساد والاستبداد.

وقد حصل ذلك لأن الموقف الميداني واللحظي تأسس بوعي كامل على طبيعة الموقع الذي تنطلق منه حركة مشروع العدل والإحسان في جيمع الاتجاهات والأصعدة وفق مشروع تحرير واضح.

المرتكز الثالث: جدارة الموقع وقوة الموقف

إن الوعي بأن اللحظة التي يعيشها المجتمع المغربي في بعدها التاريخي والمعيشي جعل حركة مشروع العدل والإحسان تنظر من خلال عقلية المشروع، لأن هذه اللحظة ليست في حاجة إلى سيادة لغة وعقلية البرنامج بما لا يمنع من العمل على واجهات ومجالات الإعداد بما تطلبه المرحلة من تفصيل، حيث هذه اللغة وهذه العقلية مع مرور الزمن تصبح جزء لا يتجزأ من بنية الخيار الوحيد حيث حركة النظام السياسي واقعة من خلال كليات تصنع جزئياتها، ولن تقاوم إلا من خلال مشروع متكامل يؤسس لكليات تصنع جزئياتها في عملية تدافع مستمرة وعنيدة، وهو ما يعني كامل الاشتغال من خارج قواعد اللعبة النظامية السائدة.

ولذلك سنقوم هنا بتنزيل مقتضيات نظرية “الموقع والموقف”، التي سنرجع إليها، بإذن الله تعالى، في مناسبة أخرى لبيانها، لنكشف على أن الموقف السياسي الصادر عن جماعة العدل والإحسان بكل تفاصيله وأبعاده إنما هو ناتج عن الوعي الدقيق بالموقع الذي كان لزاما على هذه الجماعة أن تتحرك من خلاله للجواب عن سؤالات اللحظة ومطالبها والنظر إلى المستقبل وتفاصيله ونقد الماضي للكشف عن أصوله الإيجابية وإبعاد تراثياته السلبية على جميع المستويات والمجالات.

طالع أيضا  الربيع العربي ودرس "جميعا من أجل الخلاص" في المغرب 2/1

إن امتلاك قواعد “علم المنهاج النبوي” وصناعتها لنظام التفكير في مدرسة المنهاج النبوي جعلها، حتما، في موقع “الدعوة المعارضة”، وهي مرحلة بنائية تقتضي التأسيس الكامل لقوة الدعوة في التربية والفكر والسياسة وبناء الشخصية والمؤسسة المجتمعية، ثم توفير ظروف اختراق هذه القوة لكل المجالات وفق استراتيجية سياسية تقوم على قاعدة المقاربة الجماعية الميثاقية التي تعيد بكل كفاءة الشعب المغربي إلى قلب العملية السياسية والمجتمعية بمايليق وحجم تضحياته من أجل الاستقلال وبما يليق وحجم ما قدمه لأجل استكمال حريته وإن قمع بشراسة وخذل بمكر تاريخي، وهذه الاستراتيجية مؤطرة بمفهوم القومة الذي تستمد منه وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” قيمتها السياسية والحركية.

إننا أمام حركة لا تريد إنجاز عملية ترقيع وتلفيق تاريخية مزورة في حق الشعب المغربي، لكنها تؤسس للظروف المناسبة التي يستعيد فيها هذا الشعب وقواه الحية والصادقة موقعه الطبيعي في اختيار مستقبله بكامل الحرية واليقين. وتلك معركة طويلة وتحتاج إلى نفس طويل وبذل دائم، وهي ميزة خيار المقاومة والممانعة والبناء من خارج قواعد اللعبة النظامية خلاف ميزات الخيار الوحيد؛ خيار الاستسلام الكبير. ولعل ذلك ما أثبته الربيع العربي لما أعاد الاعتبار إلى إرادة الشعوب وذكر أنه بإمكانها أن تفرض على الجميع خيار القوة والوحدة والعمل الجماعي، ودونه التشرذم والتقاتل لا قدر الله.