وكما للبناء عوامل ساعدت على تشييده وترشيده وتجديده، فإن معاول حاولت أن تهدمه أو تنال منه، ودلّ فشلها الذريع، رغم مكرها الفظيع على أن الجماعة قيادة ومنهاجا وصفّا في حصن منيع؛ ذلك أنّ البناء لم يُبْنَ بليل، بل بُنِي في واضحة النهار، ولم يُبْن بناء عشوائيا حتى يتداعى فينهار، ولم يُبْن بوسائل مغشوشة حتى يؤول إلى خراب ودمار، ولم تتظافر لتشييده جهود مأجورين مستأجرين، أو مقاولين متاجرين، بأموال مشبوهة، ولغاية غير نبيلة، وبضمائر معلولة، أو همم مغلولة؛ بل أقيم البناء وفق تصميم مُحكَم مِن مهندس معلّم، وبمساعدة عاملين أقوياء أمَناء، أتقياء خبراء، عَمِلوا بدون ارتجال، ولا استعجال، وفي غير ابتذال على أن يكون البِناء كما أراده الربّاني البَنّاء عُمرانا أخَويّا مؤسّسا على تقوى، ومؤسّسة يسودها الوحي ولا يسيطر عليها الهوى، وتنسج على منوال مَن لا ينطق عن الهوى، ليكون بناؤها أجمل وأكمل وأقوى. ومنذ مهد هذه الدعوة البانية وإلى لحْد أعدائها إن شاء الله، والمعاول تُحاول، وما منهم إلاّ مخذول محبط فاشل.

وأوّل هذه المعاول كان محاولة الوأد في المهد، حيث أراد السلطان الجائر الطاغية قتل مَن قام إليه وقال له كلمة الحقّ الآمرة الناهية، ورغِب ألاّ تبقى له باقية بعد سِجنه بغير محاكمة، وإدخاله مستشفى المجانين لإيهام الغالبية الصامتة، والأقلية المتواطئة الشّامتة، أنه لا يقدم على قولة الحق في سنين الرّصاص إلاّ مجنون، بل إنّ مَن قالها سيعيش ومَن معَه فريسة الظنون، وينتهي حصاد المنون؛ فأراد الله لهذا الخبال ألاّ يكون، وأخرج مِن السجن اليوسفيّ المبعوث المؤيّد المأذون، ليحصحص الحقّ وينصره الله ولو بعد حين، إذ لا عدوان إلاّ على الظالمين.

ومنذ صرخة الوجود: رسالة الإسلام أو الطّوفان)، والجماعة – في شخص مرشدها، والرّعيل الأول الذي ناصره وآزره- تعيش محاولات مِعْوَلية هادمة مستمرّة متكرّرة ومُبتكرة، سنحاول إن شاء الله، أن نستعرضها ذكرا لا حصرا، لا بحسب تراتبيتها الزمانية، ولا بحسب تراتبيتها التصعيدية، لنؤكّد على أن الابتلاء سنّة ربّانية جارية على الدّعوة النبويّة، وعلى المتأسّين بأسوتها من صحابة وتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدّين. يُبتلَون وتكون العاقبة لهم حقيقة مطرّدة أبَد الآبدين.

طالع أيضا  معاول حاولت عبثا هدم البناء 2/2

مِن هذه المعاول التي حاولت هدم بناء “العدل والإحسان”:

1. السجن والتغييب

وهو مِعول صاحب مسيرة هذه الجماعة الموفقة منذ رسالة الإسلام أو الطّوفان) وإلى الآن، ونسأل الله أن يحدّ البأس، ويكفينا الشرّ ما بقينا. فبعد عشر سنوات من الرّسالة الشّاهدة تكرّرت محاولة الوأد، أو فصل الرأس عن الجسد باعتقال الأستاذ عبد السلام ياسين، والزجّ به في السّجن بعد محاكمة صورية هذه المرّة. وكما خرج الأستاذ عبد السلام ياسين من السّجن أول العهد داعيا متحدّيا بانيا، خرج هذه المرّة أيضا بعد أن كتب في الغياهب، وعلى ضوء الشمع في ظلام سجن لعلو البهيم كُتُبا نشرها في ما بعد خروجه منارات لطريق لاحب، ومعالم وصوى يهتدي بها كلّ صاحب، وكلّ باحث عن الحقّ، للحقيقة طالب.

ثم طال السّجن مجلس الإرشاد في بداية التسعينيات من القرن الماضي، بعد أن حوصر الأستاذ المرشد، وهل الحصر إلاّ نوع من أنواع السجن؟ ربّما يكون أمكر، وأدهى وأمرّ، لأنّ المحصور مسجون بتعاطف محدود، ومظلومية أيسر في نظر الآخر على الأقل.

وكان سجن مجلس الإرشاد محاولة جسورة لهدم البناء الذي فصَلوا رأسه عن جسده زعما، وانتزعوا منه صدره وهْما، فإذا بمعول الهدم يصبح عامل بناء يُمَتّن علاقة القيادة بعضها ببعض، ويقوّي علاقة القيادة بالقاعدة، ويجعل البِناء هرَما تنكسر أمام رسوخه وشموخه ضربات لا تقصِم الظَّهر، بل تُقوّيه، وتزيده مناعة ليواصل المفرَج عنهم مِشوار البناء، ويخيب كيد الأعداء. وقد تكرّر إعمال هذا المعول في محاولة الهدم مرّات متعدّدة من خلال سجن قياديين وأعضاء مِن رجال ونساء، تأكّد بعدها أن السّجن، وتغييب الرّجال لا يزيد الجماعة إلا قوّة ومَضاء، إيمانا وارتقاء، لتنكسِر المعاول فوق ظهر العامل، وعلى حيطان الأبنية المعامل، ويُخزى المُحاول وتتابع الجماعة مسيرة البناء وتواصل.

2. الاختطاف والتّعذيب

معول آخر حاول مِن خلاله النظام/الفوضى أن يُسقِط البناء أرضا، ذلك أنّه عمد مرّات ومرّات، ولسنوات، وبطرق ملتوية إلى اختطاف رجال الجماعة الأشاوس، ونسائها الطاهرات، ليتمّ استنطاقهم وتعذيبهم، وتلفيق التّهم لهم، وفبركة الملفات المزوّرة في محاولة لكسر أعمدتها القويّة، وسواريها القائمة الشّاهدة الصّامدة المتحدّية، فردّ الله الذين اختطفوا بغَيْظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين مكر الماكرين، وزور الكاذبين، واندملت جراح المُعَذّبين، وانكسرت معاول المعذِّبين، وكان الله قويا عزيزا.

طالع أيضا  معاول حاولت عبثا هدم البناء 2/2

3. الاستدراج والترغيب

طُرق الهدم كثيرة، منها الجَزَر إن لم تنفع العصا، والمستدرِج واهم أن يتحوّل القطار عن سكّته بنفخ مِن فيه، أو ترغيب مَن فيه، لينزلوا قبل محطة الوصول، بعد أن يثيروا في أنفسهم الفُضول في أنّ هُنا الهَنا قبل هناك حيث الهلاك، بعد طريق طويل، وعذاب وبيل، وقالٍ وقيل. لكنّ المطمئنّ إلى الربّان الربّاني، والقطار العدلي الإحساني، وسكّة الحق والصواب، واليقين في الوصول إلى الرِّحاب، لا يرغبه في النزول مستدرِج، ولا يستميله إلى القناعة بالقليل ترغيب في أعشار الحلول، ومن هُدي إلى سواء السبيل لا يُغمَز غمز التين، ولا يُقَعقع له بالطّبول.

4. القمع والترهيب

وتتناوب العصا مع الجزرة في محاولة هدم بناء البررة، ويستفزّ صمود البانين وثباتهم، ومَضاؤهم وصبرهم ويقينهم الهادمين المحاوِلين، حينما يزهد البانون فيما يُعرَض عليهم، فيُعرِضون عما يُستدرَجون إليه، ويُرغَّبون فيه، فتُغلِق ‘امرأة العزيز’ عليهم الأبواب، وتقول للمُنيب الأوّاب: هيت لك، وتَقُضّ القميص مِن دبُر فلا يكون مِن الربّاني الباني وكل بان معه إلاّ أن يقولوا معاذ الله، إنه ربي أحسن مثواي، إنّه لا يُفلح الظالمون. فلا يُفلح الظّالمون. ويبقى المثوى دار إقامة شاهدة على أنّ القمع لا يُثني البانين، وأنّ الترهيب لا يُخيفهم ولا يُلهيهم عمّا يَعنيهم، فَيَعِنّ للهادم المحاول أن يُجرّب غيره مِن المعاول.

5. التشميع والتخريب

في دور ومقرّات بنَت الجماعة، وتبَنَّت مشاريع بناء استقطبَت الاهتمام، وأسهمت في دعم البناء الأساس بمَرافق جديدة، وتجهيزات عديدة، وأنشطة سديدة ورشيدة، ممتعة ومفيدة، فاستشاط غيظ المُناوِئين، واستَعدَوا أجهزتهم الأمنية/’الرُّعْبية’ غير عابِئين بحُرمة من في الدار، وبأن المقر قد أصبح ينوب عن المسجد في كثير من وظائف بيت الله، عندما يصبح المسجد مسجد ضِرار، فسعَوا إلى تخريب دور ومقرّات، وعمَدوا إلى تشميع أخرى؛ خرّبوا إذ منعوا بيوت الله أن يُذكَر فيها اسمه، وشمَّعوا إذ غلَّقوا الأبواب، ومنعوا المؤمنين مِن أن يدخلوا الرّحاب بدعوى أن البناء غير مُرخَّص لأهله أن يذكُروا الله فيه دارا كان أو مقَرّا، وإن شئت أن تكون الدّار دار عهارة وبِغاء، وإن شئت أن يكون المقرّ مقرّ لهو وغناء، فلك الترخيص بلا تمحيص، وخلا لك الجوّ فبيضي واصفري، وقرقري ما شئت أن تُقَرقري يا أجندة إبليس، فلن يمنع من دخول فِنائك مانع، ولن يسعى لإفنائِك قامع أو رادع، ولن يُشمّع الأبواب دون وصلِك قاطع.

طالع أيضا  معاول حاولت عبثا هدم البناء 2/2

6. الحصر والتتبيب

معول سادس مراده أن لا تبقى بين الباني وأعوانه صلة، حيث كانت زياراته لهم، وزيارتهم له أقوى عامل بناء في تثبيت الصفّ، وشحذ العزائم، ورفع الهِمم، والتذكير بالأصول، والتفقيه في الدّين إسلاما وإيمانا وإحسانا، وتقوية العمران الأخوي أرضا وسقفا وجدرانا؛ فمن رأى الأستاذ عبد السلام ياسين لا يملك إلا أن يشهد بأنّ ما يراه جمال في جلال في كمال، ومن سمِعه لا يملك إلا أن يتلو من المؤمنين رجال، صدقوا ويصدقون الله على كل حال، ومن عايَن ما عليه الرّجل مِن زهد في الدنيا، وفي ما عند الناس، وإقبال على ذي الجلال، وذكر لهادم اللذات، وتذكير بالمآل، عَلِم أن الرجل فعّال غير قَوّال، وسَلْ عن كرمه وأدبه وحدَبِه، ولُطْف معشَره ولين جانبه، وحسن اهتمامه بمزوره وزائره وأصحابه وأقاربه، لتسمَع خبر هذا المبتدأ المرفوع، والمُقَدَّر له أن يكون المحبوب المتبوع، المرغوب في مجالسته، المُبرَّر حصره ممّن لا يريدون للنّور أن ينتشر، ولدعوة الحقّ أن تستمر وتُؤطِّر وتُغَيّر، ولكلمة الحق أن تُنْذِر وتبَشّر، وللخلُق الحسن أن يشيع ويَشِعّ ويؤَثّر، وللقلب الواسع النيِّر أن يُنير ويُمَرّر.

حصَروا هذا النّور، وهذا الخير، وهذا الفكر، أو ظنّوا ذلك وهيهات هيهات، والله مُتمّ نورَه ولو كره الكارهون، ومُطفئ نارهم التي بها يحاربون.

أرادوا التَّباب لهذه الجماعة كما عمِلوا على تتبيب الأمّة فأنّى يُفلحون. ومن حصَر الماء جمَعه لطوفان هادر، وحصْر النّور كذِب وزور، وللمحاصِرين الثبور، وللمُحاصَرين البعث والنشور، ومكر أولئك هو يبور، ولله عاقبة الأمور.