سبق لموقع الجماعة نت أن أجرى حوارا مع الدكتور عبد الصمد الرضى، عضو مجلس شورى جماعة العدل والإحسان، حول موسم الحج ومناسكه وحكمه وأسراره… نعيد نشره لتعميم الفائدة:

الحج موسم عظيم للطاعة يجمع عبادات كثيرة في عبادة واحدة، فكيف يستعد المومن قلبيا لهذه العبادة العظيمة حتى يجنى منها أعظم الثمرات؟

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المخلوقين وعلى آله وصحبه أجمعين. بادئ ذي بدء نبارك للأمة الإسلامية هذا الموسم العظيم، ونسأله سبحانه أن يجعله فاتحة خير عليها، وخاصة على المظلومين منها. صنف الفقهاء عبادة الحج ضمن العبادات القلبية والمالية والبدنية، والإنسان يتقرب إلى ربه دوما إلى ربه بهذه الجوارح الثلاث، إلا أن العمدة في كل ذلك على العمل القلبي، وعليه، فالمومن حريص دوما على بوصلة قلبه لا تصدها الصواد، فإذا عزم العبد على الحج فقد اختار أن يستأنف حياة جديدة إذ سيرجع نقيا من ذنوبه كما ولدته أمه، فيستحسن في حقه التوبة النصوح، خاصة رد المظالم لأصحابها، وأن يستحضر في دعائه هموم أمة المسلمين وحاجاتهم، وأن يستحضر في دعائه هموم أمة المسلمين وحاجاتهم، ويكثر من الإنفاق، ويستحضر قصص من كان سببا في سن هذه المناسك العظيمة، سيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، والسيدة هاجر وما تعرضت له من ابتلاءات، كما يستحضر ما بذله الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من تضحيات ليصلنا هذا الدين نقيا طاهرا.

ما هي الحِكم التي من أجلها شرع الحج؟

الحج موسم سنوي للأمة الإسلامية، وتجمع عالمي للمسلمين من كل أقطار العالم، إظهار وحدة المسلمين على ما في الأمة من نواقص، ومن حكمه بيان ما تحتاجه الأمة من مداواة لأمراضها، إذ تتجلى مظاهر الأمراض المتفشية فيها من جهل وخرافة وتخلف.

الحج رمز لشد الرحال إلى المولى عز وجل وترك الدنيا، وتجريد قصد القلب له سبحانه، الحج امتحان لضبط النفس وترويضها على التحمل والثبات في المواقف.

الحج تجل لرحمة المولى عز وجل إذ يعتق فيه كثيرا من الرقاب من النار، فيجعلهم من الناجين من عذابه.

الحج تعميم لمغفرة الله ورحمته إذ يغفر للحاج ولمن يستغفر له الحاج.

هل لمناسك الحج من طواف وسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة… دلالات مقصودة؟

كما أن لكل العبادات مقصد وغايات، كذلك أعمال الحج، نذكر بهذه المناسبة بعضها. لباس الإحرام ونيته إشارة للتجرد الكلي من الدنيا، وتذكرة بالدار الآخرة ونقلة الجسم للقبر حين يصير فارغا من الروح سبب الحياة فيه.

الدخول إلى الحرم لجوء لحرمة الله تعالى وطلب الحماية منه من كل شر وكيد وسوء.

شرب ماء زمزم تلهف لطلب الشفاء من الحق سبحانه فماء زمزم لما شرب له. والطواف تشبه بملائكة الرحمن الطوافين بالعرش، وفيه حط للذنوب وطهرة للأرواح والقلوب.

المبيت بمنى ومزدلفة تصوير مصغر للحشر يوم القيامة، الناس كلهم في لباس أبيض ينهضون في الليل ومنهم من يحيي الليل كله طلبا لرضى الحق عز وجل. رمي الجمرات إرغام للشيطان ونصرة لدين الرحمن، فما رأي الشيطان أصغر وأدحر من مثل هذا اليوم لما يرى من رحمة الله تعالى بأمة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ما سرّ هذا الشوق الذي يعتري كل من حج البيت كلما آن أوان الحج؟

الأمة الإسلامية خميرة الحق في هذه الأرض، ولا تزال فيها خيرات كثيرة، ومحور وجودها بيت الله الحرام وسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام لذلك لن يخلو زمان من قلوب مليئة بالشوق العميق لذاك المقام، والذي حج مرة ازداد شوقه كل سنة لما يوقظ في قلبه من حنين إلى البقاع المقدسة والمناسك المشرفة، فالفطرة دائما تتشوق لما يحييها، والمسلمون في أمس الحاجة لما ولمن يحيي فيها معاني المحبة والتآلف والتآزر، ومن ذاق بعض ذلك في الحج ازداد شوقه كلما ذكرته بعض المذكرات بذاك الصفاء.

هل يحقق الحج بما هو عليه الآن الأهداف التي شرع من أجلها على المستوى الفردي للحاج وعلى المستوى الجماعي للأمة؟

المفروض في هذا الموسم أن يكون مناسبة لتقويم مسار الأمة ككل والبحث في سبل إنقاذ البشرية مما تعانيه من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، لكن مع الأسف لا يهتم الآن إلا بالشأن التدبيري للحج. هذه الجيوش من المسلمين لو وجدوا التأطير الجيد والتنسيق المحكم لرجعوا إلى بلدانهم مجددين للدين في الناس، ولعل إنشاء هيئة عالمية للنظر في شؤون الحج واستثماره في نهوض الأمة أضحى من الأمور الملحة اليوم.

ماذا بعد الحج؟

رجوع الحاج من أداء المناسك استئناف لحياة جديدة، وإعادة ترتيب للحياة، فالمحافظة على مجالس العلم والذكر وغشيان المساجد، ونشر الخير بين الناس، والسعي للنهوض بمركز الأمة في الأمم، كل ذلك مما ينبغي السعي فيه ما بعد الحج.

والموضوع يحتاج إلى حوارات ومناقشات واجتهادات جماعية متواصلة.

نسأل الله أن يتقبل من حجاجنا آمين والحمد لله رب العالمين.