في البلاد التي تحترم نفسها ومواطنيها يكون الدخول السياسي مناسبة لمواصلة البناء المجتمعي المنطلق، أو وضع الخطط الاقتصادية والسياسية والمشاريع الاستراتيجية الكبرى، أو مكاشفة المجتمع بحجم التحديات ورفع مستوى جاهزيته لمواجهة الصعوبات المنتظرة… الأساس أنك ترى وتلمس من خلال الخطاب والأرقام والمؤشرات والوقائع أن الدولة تراكم الخبرة والبناء والتنمية بقدر ما يتسم سلوكها السياسي بالوضوح والشفافية والحكامة.

في المغرب، الموسوم رسميا بأنه اختار “خطا ثالثا” متوهما “الاستثناء”، لا يختلف دخوله سنة سياسية عن أختها ولا تدشينه ولاية تشريعية عن نظيرتها، حتى إنك لتشعر أن البلد، ومنذ استقلالها المنقوص، تدور في حلقة مفرغة، فلا تكاد تلك الخطب الطنانة الرنانة تُبين حين تسألها عن التنمية والحكامة والمأسسة والديمقراطية.

انطلق الدخول السياسي لموسم 2012-2013 على إيقاع نفس الأشكال والمضامين المستنسخة، خطاب للملك في قبة البرلمان في الجمعة الثانية من أكتوبر، يلتئم حوله البرلمانيون في حشد لا يتكرر إلا في هذه المناسبة، وتصفيق متكرر وانبهار إعلامي من “الخطاب التاريخي” و”الخطة الاستراتيجية” و”الأولويات المرحلية” و”المشاريع الكبرى”، ثم روتين قاتل بعد ذلك يخترق الزمن السياسي وينعكس على واقع المغاربة الذي لا يرتفع في القوت “الحار” والأجر الهزيل والشغل المفقود والصحة “المريضة” والبنية التحتية المهترئة…

يتميز دخول هذا العام السياسي باستمرار قبضة النظام المستحكمة على مفاصل السلطة والحكم، فالملك ومحيطه ما زال يتمتع بوضع “فوق دستوري”، ليستحوذ على حقيقة السلطة وإدارة الملفات الكبرى، مقابل منح هامش ضيق للحكومة مليء بألغام التحالفات الهشة والصلاحيات المحدودة والمواجهة المباشرة مع المجتمع.

ويتميز كذلك بأزمة اقتصادية متفاقمة، من تجلياتها ارتفاع العجز التجاري إلى 144.2 مليار درهم، بنسبة 5 % خلال الشهور التسعة الأولى من العام الجاري مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، ناهيك عن نقص حاد في محصول الحبوب لم يشهد له المغرب مثيلا منذ 30 عاما.

ويتميز أيضا بواقع اجتماعي صعب زاد من صعوبته التداعيات المستمرة لإجراءات تروم سد اختلالات المالية العمومية من جيوب المواطن البسيط (الزيادة في أسعار المحروقات ومشتقاتها). واقع اجتماعي يزداد فيه عزل وتهميش “المغرب غير النافع” لصالح صرف الأموال العمومية على مشاريع نخبوية ومحدودة النفع (مشروع التيجيفي مثلا). وهو واقع ما زال في ظله المعطلون وأصحاب الشواهد يحتجون في شوارع الرباط طلبا للشغل دون جدوى. وما زالت الأجور زهيدة لا تكفي لتلبية احتياجات الأسر المغربية في السكن والأكل والتمدرس والتطبيب (فـ64 % في المدن و74 % في القرى غير راضين على مستوى دخلهم)، وهو ما جعل أغلب المغاربة تعساء (فالمغرب احتل المرتبة 115 من بين 156 دولة شملها “تقرير السعادة العالمي”). وهو واقع اجتماعي تزداد فيه نسبة الجريمة والتسيب الأمني باضطراد مخيف أمام شلل السلطة وتثاقلها.

يزيد من قتامة الوضع المغربي أن السلطة لم تكتف بدسترة الاستبداد وتوطين الأزمة الاقتصادية وتعميم الأزمة الاجتماعية، بل أضافت إليها سعيها الحثيث لتكميم أفواه الرافضين لهذا الواقع المأساوي، فتراها تسحل المعطلين في الشوارع، وتقتحم على كتاب الضبط ساحة المحكمة وتكسر العصي على رؤوسهم، وتحاكم مناضلي الحراك الشعبي (آخرها 12 سنة سجنا في حق الناشط في الحراك الشعبي بآيت بوعياش البشير بنشعيب)، وتعتقل الشرفاء ليقضوا السنين الطوال وراء القضبان (10 سنوات لعمر محب عضو جماعة العدل والإحسان بفاس)، وتقتل المواطنين لتفرغهم من محل سكنهم (أزمة أرض الدولة بطنجة)، وتحاصر الحركات والتنظيمات الجادة المعارضة لاختيارات النظام الحاكم.

قد يتوهم أصحاب السلطة في المغرب أنهم تجاوزوا منطقة الخطر، التي وضعهم فيها الربيع العربي المستمر رغم آلامه في حصد رؤوس المستبدين، فارتدوا من استبدادهم الناعم إلى استبدادهم المباشر، مما ينذر بالمزيد من الاحتقان الاجتماعي والسياسي، وهذا ما تؤكده الأزمة المستفحلة التي تطبع الدخول السياسي الجديد.