1. تذكير: ضرورة خيار المقاومة والبناء من خارج قواعد اللعبة النظامية

تعد وثيقة جميعا من أجل الخلاص) التي صادق عليها المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته الثانية عشر بتاريخ 08/09/دجنبر2007، وثيقة هامة ومؤشرا واقعيا على مدى الحاجة إلى وعي سياسي واستراتيجي لاستيعاب مستقبل بدأ ترسم ملامحه الشعوب، وإذ نقف هنا على بعض مضامين هذه الوثيقة تلميحا، فإنما للتذكير على أن خيار بناء قواعد عمل سياسي من خارج اللعبة النظامية الرسمية يبقى خيارا وحيدا للخروج من نفق الأزمة الشاملة المعيشة، وللتذكير في نفس الوقت بمرجعية هامة في تأطير المرحلة، خاصة مع ما سمي بالربيع العربي وما كشفت عنه ثورات منجزة لم تكتمل بعد صورتها ولم تحقق أهدافها نظرا لعوامل عدة منها تأخر النخب والتنظيمات السياسية عن مواكبة الوعي الصامت الذي تتمتع به الشعوب، ومن تجليات هذا التخلف عدم دخولها الجدي في صياغة ميثاق أو مواثيق تدخل بها على مراحل البناء والإعداد، خاصة المراحل الصعبة التي تحتد فيها عوامل الاصطفاف السياسي والمجتمعي والمذهبي والطائفي والقبلي، أي بلغة القرآن المعنى الجاهلي في العمل السياسي والمجتمعي.

لقد كشفت الوثيقة عند صدورها عن درجة الوعي السياسي الذي يؤطر العمل السياسي لجماعة العدل والإحسان، فهل آن الآوان لاستثمار هذا الوعي الذي لا محالة يشق طريقه على وضوح وبقوة على أرض الواقع؟

2. ضرورة التفكير السياسي من خارج قبضة قواعد اللعبة النظامية

فقد تبين بالبحث ما يؤيده الواقع أن هناك عجزا وقصورا كبيرين في قدرة الفكر والتفكير السياسيين السائدين على اختراق بنية النظام السياسي في المغرب. وهو ما تجلى في النفق الحركي للعملية السياسية والمجتمعية التي تكرس ضعف قوى المجتمع بكل أصنافها وتحافظ على موقع الهيمنة المطلقة للنظام السياسي وقواعده التي تغطي كل المجالات، بل زادت من قوتها على مستوى إدراك كفاءتها في صياغة استراتيجية الدستور ومضامينه وتوقيت تعديله وتأهيل القوانين المنظمة للحياة في كل تفاصيلها بما يحقق ويخدم تلك الاستراتيجية.

كما تجلى ذلك العجز وذلك القصور في وضع كل خيارات العملية السياسية أمام خيار وحيد هو خيار المشاركة الانتخابية لتحقيق المشاركة السياسية في تدبير قضايا الشأن العام قطريا ومحليا، وهو ما يحكم على كل بالخضوع المطلق لنظام سياسي وقواعده دون إحداث أي تغيير جوهري فيه في بنيته.

فهل هذا هو قدر المغاربة السياسي النهائي، أم هناك إمكانية إنتاج وصناعة فكر وتفكير سياسيين قادرين على إقامة وضع سياسي يضمن كامل الحرية في الاختيار والبناء للمغاربة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال هي نفسها يجب أن تنطلق متخلصة من هيمنة تلك القواعد النظامية التي تحتاج إلى بحث جدي للكشف عنها وعن خطورتها على مستقبل المغاربة في كل المجالات. لذلك نحتاج إلى قدر كاف من الوضوح والصرامة المنهجية في السؤال عن الخيار الحقيقي الذي بإمكانه أن يخلص الشعب المغربي والمغاربة من قبضة استبدادية قرونية ويفتح له أفق الحرية الكاملة.

ولعل هذه الخاصية هي التي حكمت وثيقة “جميعا من أجل الخلاص”، إذ باشرت بكل وضوح وجرأة مسؤولية القول في تشخيص مصادر الوضع السلبي للمجتمع المغربي.

فالمقصود بقضية الاختراق هنا وجود الكفاءة العلمية والمفاهيمية القادرة على نقد بنية النظام السياسي بما يوفر كفاءة على تحليلها وتفكيكها كليا بما يؤدي إلى كفاءة وقدرة عملية على إعادة بناء جذرية وكلية لبنية أخرى تمكن من رد الاعتبار إلى دور الشعب المغربي في العملية السياسية وبناء قوته الحركية على قواعد الحرية.

ولذلك فليس المقصود هنا بالاختراق ما هو جزء من صورة المشاركة الانتخابية التي توفر عناصر موالية من داخل بنية النظام السياسي؛ سواء من جهة التصورات والقناعات والأفكار، أو من جهة العناصر البشرية، لأن هذه صورة جزئية وتُبين حيثيات العلاقات داخل بنية النظام السياسي أنها غير ذات جدوى ولا ترقى إلى إنجاز التحول التاريخي المطلوب.

فقد كشف الربيع العربي عن ثلاثة معطيات، بغض النظر عمن وراء هذه الانتفاضة العربية: هل المخرابات الغربية والصهيونية أم غير ذلك، إذ المهم أن إرادة الشعوب حينما تصبح قوة جامعة لا يمكن تزويرها وتحريف وجهتها وسرقة مستقبلها.

المعطى الأول: أن امتداد أنظمة استبدادية في الزمن والمكان خول لها قدرة على احتكار مواقع هامة في بناء وتوجيه حركة المجتمعات ومؤسساتها، خاصة مواقع السلطة والثروة والمعلومة. وهو ما شكل عوامل مقاومة شرسة لانتفاضة الشعوب ومكن من امتلاك عناصر قوة في الثورة المضادة.

المعطى الثاني: أن النخبة السياسية التقليدية لم تكن مؤهلة بشكل كبير من حيث امتلاك زمام المبادرة ومن حيث امتلاك الوعي الضروري والكفاءة التنظيمية الممكنة من الاستيعاب السريع لكل تفاصيل انتفاضة شاملة لشعوب عرفت بالصمت المفروض قهرا والذي تشكل من ورائه وعي صامت فجر كل قنوات الاتصال والتواصل واخترق وسائلها ومصادرها لينجز لحظة تاريخية ظهر أنها تحتاج إلى وجود مستمر لقيادة مجتمعية كاملة لها قضية وجودية واضحة تبني عليها كل تفاصيل حركة الشعوب وتتوفر على عامل الثقة.

طالع أيضا  الربيع العربي ودرس "جميعا من أجل الخلاص" في المغرب 2/2

المعطى الثالث: أن غياب الوعي السياسي المصيري لدى النخبة فوت على الشعوب فرصة التوفر على عقد اجتماعي سياسي فكري مرجعي يهيأ قبلا ويمكنها من تجنب لحظات التمزق والصراع الهامشي والفتنوي، ولا شك أن مهمة إنجاز هذه المواثيق على عاتق كل من يتصدى لقضية الإصلاح والتغيير. ومن هنا تظهر قيمة الميثاق الذي دعت إليه جماعة العدل والإحسان منذ أكثر من ثلاثة عقود، وعكسته كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين ونداءات الجماعة ومنها وثيقة “جميعا من أجل الخلاص”. ومن هنا يجب الانتباه إلى ضرورة نقد خيار المشاركة الانتخابية في المغرب بما هو أداة نظامية ممزقة للعملية والواقع السياسيين.

3. نقد خيار المشاركة الانتخابية في المغرب

هناك خلط فظيع في كثير من المفاهيم السياسية، وهو ما ترتب عليه ارتباك دلالي وعملي حين التعاطي مع قضايا دقيقة تحتاج إلى كبير عناء عند معالجتها، بل تجلب كثيرا من المعاناة. ومن المعلوم أن الأمر يزداد صعوبة وخطورة حين تُقترح هذه المفاهيم لتعالج منعرجات ولحظات صعبة في عملية سياسية معقدة إلى أبعد الحدود وتحتفظ لنفسها بهامش كبير من الغموض حيث تحتاجه كاحتياطي للتدخل في الوقت المناسب لحسم المعادلة في لحظة حاسمة لصالحها.

هنا بالضبط تكون السطحية في التفكير والقزمية في الفكر بابا مفتوحا يدخل من خلاله كل سلبي ليصبح عنصرا محوريا وحاسما في مستقبل تلك المعادلة، وهو ما يكرس الواقع المعيش بكل سلبياته ويضيف إليه سلبيات جديدة.

فلا يخفى على أحد أن القبضة الاستبدادية القرونية من خلال قواعدها في المغرب راكمت تجربة هائلة وأسست لسيادة مفاهيم ودلالات ورموز معنوية ومادية وبشرية ومؤسساتية بحكم ضمانها لواقع الاستمرارية خلافا للقوى السياسية والمجتمعية التي تمر من لحظات مؤثرة في استقرارها، وغالبا في وجودها، الأمر الذي جعل هذه القبضة في موقع القوة المستمر وجعل باقي القوى في موقع الضعف المنتشر، بحيث لم تصبح هذه القوى قادرة على الصمود أمام خيار وحيد هو خيار المشاركة الانتخابية وإن أُجمع على فسادها وعدم جدواها بالمعايير السياسية الحقيقية.

إن خيار المشاركة الانتخابية ليس نتاج تحليل سياسي فكري صاف ومتحرر من آثار قواعد اللعبة السياسية القرونية في المغرب؛ فهو ثمرة تجربة عريقة استغرقت قرونا لتروض المجتمع وكل فئاته على التسليم المطلق بهذا الخيار الوحيد وبرموزه الدينية والسياسية.

ولعل الانتباه إلى الأسلوب الذي تعالج به علاقة المعارضة مع النظام السياسي طيلة تاريخ المغرب الحديث تكشف عن هذه الحقيقة التاريخية الممتدة في عمق العلمية السياسية في المغرب مما افقدها أي معنى إيجابي.

وهو ما يعني أن اختزال العملية السياسية في المشاركة الانتخابية الفاسدة بشهادة الجميع دليل قاطع على فساد الوضع برمته، ودليل على هيمنة العجز والقصور المشار إليهما أعلاه. لذلك، فالخوض في تبرير المشاركة الانتخابية كخيار وحيد هو عامل هام في تكريس واقع الاستبداد والهيمنة من خلال قواعد أخذت الصبغة التاريخية بحكم تجربتها التي استطاعت عبرها بناء واقع مجمع على فساده، وهو ما كشفت عنه ثورة تونس ومصر وليبيا وهكذا…

ولذلك فالمغاربة اليوم أمام عملية سياسية معقدة، لكنها فاعلة في الاتجاه المرسوم لها، وهو ما يعني أنهم ليسوا في حاجة إلى مزيد من ضياع الوقت، بل هم أمام ضرورة إحداث رجة عميقة تحدث تخلخلا في بنية التفكير السياسي وفي أصوله لينفتح الجميع على معنى جديد للعمل السياسي بكل قواعده وتفاصيله على الرغم من الضيق الشديد والضغط الكبير أمام واقع لم يعد مستساغا ولا مقبولا بحكم ما يعيشه المواطن العادي من معاناة شديدة وآلام كبيرة. ولعل الوثيقة حرصت على هذا من خلال بحثها في معاقل الفساد والاستبداد.

فكيف ننتج عملية سياسية لا تتخلى عن خدمة المطالب المادية اليومية الملحة للشعب المغربي وفي نفس الوقت نتحرك بقوة وهدوء في اتجاه إنجاز فضاء الحرية الحقيقية لهذا الشعب دون السقوط في آخر المطاف في فخ قبضة القواعد النظامية أو فخ العنف المدمر؟

نعم، إنها معادلة صعبة التحقيق أمام ما تمت الإشارة إليه من وضع كل المغاربة أمام الخيار الوحيد، وللأسف هو خيار سلبي لأنه لن يخلصهم ولن يحميهم ولن يضمن لهم مستقبلا كريما ولا ديمقوقراطية حقيقية، بل قد يهدد وجودهم لما ترتب عليه من اختناق حاد لحركة المجتمع، وهو ما يفرض ضرورة ميثاق حيث اتضح أنه إما ينجز في فضاء تواصلي إيجابي أو ستفرضه اللحظة التاريخية فرضا لكن بعد تضحيات كبيرة جدا.

فتكريس كل الجهد لتبرير نتائج عملية سياسية فاسدة بفساد القواعد الكلية المتحكمة في صياغتها مضيعة للوقت مع حسن نية وتزوير فظيع مع سوئها وتحجير على العقلية المغربية وتحكم عليها لمنعها من اختبار كفاءتها في صياغة وبلورة تصور تجديدي ينتج فكرا وفقها سياسيين كفيلين بإدخال الشعب المغربي في عملية سياسية ومجتمعية تؤهله لمستقبل القوة والحرية والاستقلال الكامل.

طالع أيضا  الربيع العربي ودرس "جميعا من أجل الخلاص" في المغرب 2/2

وقبل أن نشير إلى بعض معالم الخيار الجديد، التي ذكرت بها وثيقة “جميعا من أجل الخلاص”، والكفيلة بإنتاج عملية سياسية نشيطة وحيوية وجدية، لا بد من التنبيه إلى أن أخطر ما يهدد بعثة وفعالية هذا الخيار هو المنطق التبريري الذي يستند على ترسانة قواعدية مقاصدية تتكئ على مبرر المصلحة الشرعية لتبرر تحكم نظام سياسي في مصير أجيال الشعب المغربي القادمة، كما يبرر الدخول في عملية انتخابية رهينة بسياق عام معين ومضبوط ومتحكم فيه عن بعد فضلا عن التحكم التاريخي بقواعد تاريخية كثيرة؛ منها ما هو مسطر في الدستور والقوانين ومنها ما هو غير ذلك، لكنها تشكل روحها ونظامها وثمرتها المتجلية في سيادة تفكير وفكر وفقه سياسي وقانوني يرهن كل المغاربة أمام خيار وحيد في آخر المطاف هو خيار الاستسلام الكلي مع سيادة نظام التعليمات.

4. التأسيس لخيار المقاومة والبناء من خارج قواعد اللعبة النظامية

هنا لابد من الكشف عن مدلولات المفاهيم، إذ المقاومة ليست منحصرة في صورة العراك الجسدي الميداني؛ بل أساسا هي معركة صناعة الوعي والإرادة والانتفاضة الشاملة من خلال عملية مستغرقة للزمن ومستوعبة للمعطيات الواقعية تهدف إلى تحرير العقل من أن يفكر بشروط الأزمة، خاصة إذا كانت أزمة مزمنة، وتحرير الإرادة من أن تبقى رهينة الخيار الوحيد (خيار الاستسلام) الذي جعل المجتمع المغربي مشكلا من طرفين:

الطرف الغالب القوي المتحكم في السلطة والدولة والثروة: هو النظام السياسي من خلال شبكاته ومنظوماته، والطرف المغلوب على أمره الممزق بضعفه المكون من كل الألوان التي عند جمعها عبر عملية “كيميائية” من فعل المخزن تعطي لونا مزركشا مبهرا لكنه مزور ومحكوم بقاعدة نظامية هامة: لكل الحق في الوجود لكن لا أحد قوي ولا يمكن أن يصنع هذا الكل مُجتمِعا أية قوة.

ومن نتائج تفعيل هذه القاعدة وما يندرج تحتها من قواعد: أن الطبخة الحزبية في المغرب الحديث تكون سريعة الإعداد وكاسحة المجال. لذلك، مثلا، لا تسطيع أحزاب صورت نفسها عتيدة وتاريخية أن تصمد أمام ما يفعله اكتساح حزب خارج من صلب تفاعل النظام السياسي مع الواقع المغربي في كل أبعاده، ولذلك نكون دوما أمام واقع توازنات مصنوع بخبرة المخزن يسمح بتمريض المراحل بناء على منطقه وأهدافه لا على قاعدة مصلحة الشعب المغربي وتفاعل قواه الحية.

وعليه، فلا نستغرب أن يكتسح، حزب ولد حديثا المقاعد البرلمانية والبلدية والجماعية في الانتخابات، وقد يصبح رئيسا لحكومة، مما يجعلنا نلاحظ عراكا سياسيا ومجتمعيا في غير محله ولا ينسجم مهما كانت حدته وضراوته ومصداقيته مع التطلعات الحقيقية للشعب المغربي، لأنه نتيجة حتمية لتزوير حاصل عبر هيمنة القواعد النظامية الفاعلة في الحياة المغربية في كل مجالاتها. إنها قواعد صناعة الوهم وترويجه، ومن ثمة فهو صراع وهمي.

ولذلك تقتضي هذه الوضعية البحث في شكل قادر على البناء ذي النفس الطويل من خارج لعبة لا تفضي إلى أي معنى جدي في العمل السياسي بدليل أنها قهرت وروضت أعتى المعارضات وهمشت أقوى فعاليات المجتمع، ومثاله الأستاذ المرحوم عبد الله إبراهيم الذي خبر باكرا، بفضل روحه الوطنية، فساد أصول العمل السياسي فخرج مكرها تحت شعار: “لا نشارك ولا نعرقل” إلى أن وافته المنية وهو حامل لهذا الشعار مع آلام وحسرة وطن يضيع بين يدي أبنائه، وسيغادر كثير من أمثاله الدنيا وكلهم حسرة وألم وأنينن.

إنه أفضل موقع سياسي احتلته معارضة نظيفة في العملية السياسية فيما بعد الاستقلال، وعلى خط الخروج يمكن قراءة وضعية كل غيور قضت على قوته وفعاليته العفونة السياسية وحاصرته زبانيتها بكل أشكال الترهيب والتفقير والترغيب والاحتواء والابتزاز والمساومة، دون أن نغفل حجم الترويض الذي أصاب أغلب الأحزاب والفعاليات فسلمت بالخيار الوحيد كل على طريقته وشاكلته.

وتسليما بأن المعنى المقصود من هذه الفكرة قد بان سنتجنب ذكر كثير من الأسماء والهيئات، لنشير إلى أن الوثيقة موضوع العرض عملت بكل وضوح على التأسيس لخيار المقاومة والبناء وفق مقاربة جماعية بما هي المدخل الوحيد لإنتاج عمل سياسي جدي وحقيقي، ولذلك لم ترهن نفسها بين يدي مبررات ظرفية بقدر ما فتحت نقاشا جديا حول إماكانية صناعة واقع سياسي تدافعي يقطع مع الاستبداد والفساد، ويجمع الكلمة على وضوح تام.

ولذلك كانت المدرسة الجديدة التي تقودها تجربة جماعة العدل والإحسان تأسيسا لمعنى جديد للمعارضة السياسية، ومن ثمة فهي تتحرك من موقع حدد سلفا تصوريا وعمليا من خلال كثافة تحليلها للوضع السياسي في المغرب على مستوى كل مجالاته وأبعاده وتفاصيله، وهوم ما عكسته الوثيقة على مستوى عال من التفصيل والتحليل والاقتراح.

وإذا كان المقصود هنا ليس عرض هذه الكثافة، فإن المراد الكشف عن بعض مضامين خيارها الجديد الذي ما زال يحتاج من طرف الباحثين المنصفين إلى كبير اهتمام وكثير من التدقيق والدراسة.

يُتحدث في الإعلام عن الشروط التي تطالب بها الجماعة لتصبح جزء من الخيار الانتخابي الخيار الوحيد، وهذا تحليل إعلامي أفضى إلى تضليل تصوري وسياسي فكري.

طالع أيضا  الربيع العربي ودرس "جميعا من أجل الخلاص" في المغرب 2/2

فالحديث ليس عن الشروط التي تأخذ هذه الصفة في فن أو علم التفاوض، لكنها تعني الظروف أو الفضاء الذي يسمح بتحقيق الحرية الحقيقية للشعب المغربي لتخليصه من قبضة المخزن والاستبداد القرونية ليختار بكل حرية وجدية.

وهذه مسألة هامة في فهم خطاب جماعة العدل والإحسان في الباب، فهي لا تتفاوض ولا تتحرك و”تناضل” الآن على لائحة مطالب لتدخل بها في عالم التنازلات من عدمها أو تتفاوض مباشرة أو عبر الوسيط، ولا ينبغي أن يقيم موقفها الباحثون والسياسيون على هذه القاعدة، لأن فيه سوء فهم ومغالطة كبيرة، إذ إن نتيجة التحليل، بناء على فكر وتفكير سياسيين، عكستهما وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” هما اللذان أفضيا إلى تحديد موقع معين لتبني الجماعة موقفا معينا من خلال هذا الموقع.

وعليه، فإن المدخل في فهم موقف جماعة العدل والإحسان من العملية السياسية ونظامها السياسي ككل رهين بفهم الموقع الذي حددته لنفسها باعتبارها حركة تحمل مشروعا مجتمعيا متكاملا لم تأل جهدا في الكشف عن مضامينه من خلال غزارة فكرية وخطابية وتواصلية كبيرة على الرغم من الحصار الذي تعيشه.

فهي ليست حزبا سياسيا، وليست حركة فكرية ستتحول إلى حركة سياسية (حزب مثلا)، وليست حركة ثقافية في مرحلة تنتظر “إنضاج” الشروط لتتحول إلى حركة سياسية (حزب مثلا) وليست حركة دعوية ستتحول إلى حركة سياسية بعد أن يتضخم في خطابها وحركتها كل ما هو سياسي أو حركي على ماهو استراتيجي ومصيري..

فقد أنشأت جماعة العدل والإحسان مؤسسة الدائرة السياسية لتباشر تفاصيل تدبير قضايا الشأن العام حينما دعت الضرورة إلى ذلك بعد حوالي ثلاثة عقود من بداية حركة مشروعها في الواقع المغربي، وهي على كامل الاستعداد لتنشئ أي شكل هيكلي وتنظيمي دعت الضرورة إليه، دون أن نغفل أن حجم الجماعة التنظيمي والهيكلي والبشري يؤهلها لتؤسس من الهياكل ما تعبت في طلبه أحزاب عتيدة وأخرى وليدة حديثة، لكنها ليست هاوية لهذا النوع من المؤسسات حيث لها فلسفتها وتصورها في قضية بناء المؤسسة المجتمعية ومتى تصبح هذه المؤسسة ذات معنى وجدوى، إذ الجماعة ليست جزء من الخيار الوحيد المشار إليه أعلاه ولن تكون؛ أي خيار المشاركة الانتخابية في ظروفها الحالية، لتبحث عن أساليب الاستعراض الانتخابوي، بل هي حركة بناء متخلصة جملة وتفصيلا من كل آثار قواعد اللعبة السائدة في الفهم والفكر والسلوك.

ولا يعني هذا أنها تغرد خارج السرب كما يدعي البعض، بل هي جزء من الشعب المغربي وتتحرك وسط الشعب المغربي وأعضاؤها رجال ونساء مغاربة يتحركون وسط الشعب المغربي على كامل الوضوح والمعرفة.

لذلك، فالجماعة لا تتحرك على قاعدة لائحة مطالب مرتبة بالمنطق السياسي السائد (سيادة العقلية البرنامجية)، بل هي تقترح وتنفذ على أرض الواقع عملية مشروع كبير لتوفير الظرف المناسب الذي ينتزع من خلاله الشعب المغربي حريته فيختار ويصوت بكل حرية. وهنا تكمن مركزية الميثاق الذي عكسته وثيقة “جميعا من أجل الخلاص”.

ولا يعني هذا أنها تتحرك على قاعدة الغموض، إذ الواقع يخالف هذا، حيث تعلن الجماعة موقفا واضحا من طبيعة النظام السياسي وتؤدي ثمنا باهضا لأجل ذلك، كما تعلن موقفها ومن كل تفاصيل اللعبة السياسية السائدة وقواعدها الظاهرة والباطنة، وهو ما جسدته بدقة وثيقة “جميعا من أجل الخلاص”، وفي نفس الوقت تقترح مخرج الميثاق الجامع الذي يقطع مع الفساد وأهله والاستبداد وأصوله ويؤسس لمقاربة جماعية تنتج الظروف النفسية والفكرية والتنظيمية والهيكلية والاجتماعية والسياسية لتمريض مرحلة انتقالية واضحة المضمون والوسائل للدخول على مرحلة البناء الذي يكون فيه الشعب محور العملية وراعيها ومراقبها والمحاسب فيها لأن الميثاق أُسس على مسمع ومشاركة منه ومتابعة.

كما لا يعني هذا الاقتراح الكبير أن الجماعة جالسة على صفاء أريكتها “النضالية” وتخاطب من عليائها، بل ما يشهد به الواقع أن رجالها ونساءها ومؤسساتها (على الرغم من القمع والحصار الذي تتعرض له) موجودون بين كل فئات المجتمع المغربي في حركة دائبة وصابرة وصامدة وواضحة، إذ هم في عملية صناعة الوعي والإرادة والمؤسسة القادرة على تحقيق مطالب الشعب المغربي لتوفير مطالب المقاومة البانية من خارج اللعبة الرسمية الفاسدة.

إنه خيار صعب ويحتاج إلى نفس طويل، لكنه غير مستحيل وهو الطريق الوحيد، في الظروف الحالية، لخوض معركة التحرير والبناء الحقيقية قبل أن يصبح الجميع أمام خطر الطوفان.

ولذلك هناك فرق كبير بين من يُقدِّر الموقف من خلال نظر سقفه سياسي محدود وبين من يمارس السياسة من خلال تفكير يفتح أفقا واسعا للعمل في الميدان على الرغم من المضايقة والضيق الشديدين، كما يفتح أفقا واسعا يسمح بإنتاج وتوليد الاقتراحات الكبيرة والهامة والعملية بفاعلية وجدوى في الحال والمآل.

إننا أمام تجربة جديدة في العمل السياسي والبناء الشخصي والمجتمعي.