تقديم

إن من علامات الاضطراب في أنظمتنا التعليمية، ذلك الغموض الذي يواجهنا عندما نطرح سؤال الغايات التي نرومها من خلال تعليمنا، وينضاف إلى هذا السؤال، سؤال آخر بنفس درجة الأهمية وهو سؤال المنهجية، وما هي أنجع الطرق الموصلة إلى الغايات المرسومة؟

إن ما هو واضح غياب أهداف وغايات واضحة ومحددة لنظامنا التعليمي، وإن حضرت في الوثائق والأدبيات والتشريعات ففي سياقات غامضة، وتتحدث عن نفسها بلغة “تقنية ركيكة” كما هو واضح مثلا في نص “الميثاق الوطني للتربية والتعليم” الذي هو وثيقة الارتكاز في تعليمنا، حيث نجد مثلا فيما يسميه بالغايات الكبرى يتحدث عن غايات:

– جعل المتعلم بوجه عام، والطفل على الأخص في قلب الاهتمام.

– تزويد المجتمع بالكفاءات من المؤهلين والعاملين الصالحين

– تزويد المجتمع بصفوة من العلماء وأطر التدبير،

– إفعام المدرسة بالحياة

إن المتأمل في هذه الغايات يقف على غموض تام، وعلى رؤية قاصرة محدودة الأفق، لا ترتفع بهمة المتعلم إلى معالي الأمور، وتمت صياغتها بلغة خشبية فارغة من كل روح ومعنى، وتم التركيز على “توجه سوقي” بحيث يصبح همنا تكوين تقنين وربط المدرسة بحاجيات السوق، عوض أن تكون أولا وقبل كل شيء مكانا للتربية على المبادئ العليا، وعلى حب العلم والعمل، واكتساب مقومات النجاح في الحياة ككل لا تسخير النشء لخدمة حاجيات الشركات والمقاولات وتسهيل إدماجهم ضمن ماكينة مصالح الرأسمالية المتوحشة.

إن نجاح أي نظام تعليمي يستوجب الوضوح التام في الهدف والغاية والمقصد، الذي يسعى إلى تشكيل فكر ووجدان النشء عليه، ويتطلب كذلك استشعار المسؤولية من طرف المعلم والمتعلم، وكذا الإحسان والإتقان في اختيار الوسائل الكفيلة بتحقيق الهدف والغاية المقصودة.

سؤال الغاية في تعليمنا

يفتح لنا الإسلام، الدين القويم الذي ارتضاه الله لنا، أفقا شاسعا لتفكيرنا وحياتنا، وذلك حينما يعتبر الإنسان السوي والقويم والنجيب، هو ذلك الذي يجمع في تفكيره وسلوكه همي الدنيا والآخرة، ويجمع هم مصيره الفردي، والمصير الجماعي لمجتمعه وأمته، وقبل ذلك أقرب الناس إليه والديه وأقاربه وأسرته، ولذلك فإن الغاية من التعلم تبعا لذلك تتحدد كما يلي:

أولا: الاستجابة للنداء الخالد: “اقرأ باسم ربك الذي خلق”

إن التعلم هو استجابة لنداء رباني خالد، افتتح الله تعالى به القرآن الكريم، وقال سبحانه: اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، وهذه الآية الكريمة الرائعة الجمال والبيان، الساطعة الأنوار، الكاشفة عن عظيم كرم الله تعالى ولطفه بالإنسان، دعوة بصيغة فعل الأمر إلى الشروع المباشر في القراءة والتعلم، وبعد هذه الدعوة وهذا الأمر الإلهي، يضيف الله تعالى العلم إلى ذاته العلية، فكل علم ومعرفة فهي منه سبحانه، ولذلك أضافها إلى إسمه، ثم يذكر الله تعالى الإنسان بأصله وخلقه، وكيف خلقه وأخرجه من عدم إلى وجود، ومن ضعف إلى قوة، ومن حقارة ومهانة إلى عزة وكرامة. في قصة الخلق الأول خلق آدم عليه السلام من طين لازب، وبعده خلقت ذريته من ماء مهين حقير، وكأني بالآية الكريمة تقول للإنسان: إذا رمت خروجا من وضع الذل والمهانة والاحتقار إلى مقام العزة والتكريم، فعليك بالتعلم، عليك بالقراءة، ولذلك قال سبحانه: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون وإن من أعظم كرم الله تعالى على الإطلاق على الإنسان، هو التوفيق إلى سبل التعلم واكتساب المعرفة، ولذلك على الإنسان أن يستحضر دوما هذا المقصد العظيم وهو كونه عندما يسعى في طلب العلم أنه يكون في معرض الاستجابة لنداء رباني عظيم.

ثانيا: السعي في طلب العلم عبادة عظمى

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع”، ولذلك فعلى متعلمينا، أن يستشعروا هذا المعنى الجليل، وهو أنهم في عبادة ما داموا يطلبون العلم، ويحسن بمن يقف في محراب العبادة أن ينزه نفسه عن الكسل واللهو واللامبالاة، بل إن فضل العلم والعلماء أعظم من فضل العبادة والعباد، وكان الجمع بين مقامي العلم والعبودية لله أرقى المقامات، وكيف يكون عالما من لا يتبعد الله تعالى بكل حركاته، وكيف يكون عابدا من يعبد ربه عن جهل، وفي هذه العبادة يجب أن يكون دعاء الإنسان، كدعاء رسول الله الذي كان يستعيذ بالله من علم لا ينفع، وفيما عداه يبتهل إلى الله تعالى وقل رب زدني علما.

ثالثا: البعد الاجتماعي في طلب العلم

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيى به الإسلام فبينه وبين النبيئين درجة واحدة في الجنة”، ولذلك فالعلم الحقيقي هو العلم الذي يحيي الأمة بالإيمان وينور المجتمع بنور العلم والمعرفة، وينشر قيم العدل والإنصاف، والتكافل الاجتماعي، ومقياس تقدم الأمم هو مستوى تعلم أبنائها، والأهم منه مستوى تخلقهم، إذ لا فائدة من علم بلا أخلاق، وهو العلم الذي أمرنا أن نستعيذ بالله منه، ولذلك فالمتعلم مدعو لرد الجميل لمجتمعه وخدمة أبناء وطنه، والاستعداد لأداء دور ايجابي فيه، يصونه ويدافع عنه إذا تهدده خطر من الخارج، ويحميه أيضا من تسلط المستبدين في الداخل، ويضرب بسلطان العلم على يد كل ظالم.

رابعا: إسعاد الوالدين وإدخال الفرح على قلبيهما

يتحمل آباؤنا عبء كبيرا جدا في سبيل تهييء الظروف الملائمة لتعليمنا، وإن من عقوق الأبناء لآبائهم، أن تكون لهم فرصة متاحة لإدخال الفرح على قلوب الآباء وإسعادهم ثم لا يفعلون ذلك، ويفوتون على أنفسهم فرصة النجاح وعلى والديهم فرصة الفرح بهم وبنجاحهم نظرا للامبالاة والكسل وقلة اهتمامهم، ويجب أن يعرف المتعلم أنه مهما بلغ اهتمامه بنسفه فلا يصل إلى درجة اهتمام والديه به وشفقتهما وعطفهما عليه.

خامسا: نجاح المشروع الشخصي كغاية للتعلم

قد ينتقدنا البعض عندما جعلنا المشروع الشخصي في الترتيب الأخير، ولكن أعتقد أن المشروع الشخصي لا قيمة له بدون التأسيس على الغايات السابقة، فما قيمتك أيها المهندس ويا أيها الطبيب، ويا حامل الشواهد العليا، إذا كان ما بينك وبين خالقك خراب، وكنت تغش الذين وكلت لخدمتهم، وتجعل همك جمع المال من حلاله وحرامه ولا تبالي، وتتقاضى العمولات والرشاوى، ولا تلتزم بمبدإ العدل والإنصاف في عملك، ما قيمة شواهدك إذا أخذتك العزة بالإثم وحشرت أباك وأمك في دار العجزة، وأهملتهما وهما اللذان افنيا عمرهما في خدمتك لكي تستقيم رجلا، وإذا بك من أجل ما تسميه “طموحا شخصيا” تجازيهما بالإهمال، لا قيمة للنجاح الشخصي إذا لم يؤسس على الغايات الكبرى التي ذكرناها.

سؤال منهجية التعلم والدراسة

إن وضوح الغاية من التعلم أمر مهم جدا، ولكنه يتعلق بأمر ثان، لا يقل عنه أهمية، وهو منهجية التعلم، وإن تقصي تفاصيل حياة الأشخاص الذين وفقوا للنجاح، يجعلنا نقف عند ثلاثة قواعد أساسية لاشك أنها عوامل حاسمة في النجاح ومعينة على الصمود إلى الغايات والأهداف التي نعمل من أجلها، وهذه القواعد هي:

التركيز والقصد

وتشير هذه القاعدة إلى معاني مهمة:

– الأول: عام ينصرف إلى تحديد الهدف بوضوح ودقة، والحرص على أن يكون هدفا واقعيا قابلا للانجاز، وهذا يفترض توافقا وتوازنا بين القدرات وبين الهدف.

– الثاني: يتعلق بالهدوء الذي يجب أن يكون سمة نفس المتعلم، ذلك أن النفس المضطربة لا تقوى على التعلم، وإن من الأسباب المحققة لهدوء النفس، استبعاد الأفكار والإيحاءات السلبية، وذلك بوضع برنامج واضح وحازم لا يترك مجالا لتصرم الأوقات، وإلا فإن المعرض أكثر للتأثيرات السلبية الخارجية هم من يشتغلون بدون برنامج ويكونون جزء من برامج الآخرين.

– الثالث: ونقصد به هدوء يجب أن يميز مكان التعلم، والذي يجب الحرص على تنظيمه والعناية الفائقة بنظافته، حتى يكون مجالا هادئا مريحا، ويجب أن يكون مضيئا، وهناك مكانين مهمين في التعلم وهما البيت والقسم، فعلى المتعلم أن يكون له فضاء هادئ للتعلم في بيته يعينه أبواه ويحرصان على توفيره، لأن من ألف الهدوء والسكينة في بيته، حري أن تنتقل معه هذه الصفة إلى المجالات التي يلجها فيما بعد، والمكان الثاني هو القسم، وهو فضاء للتعلم يجب أن نحقق فيه الهدوء ونستحضر دائما أن الفضاء فضاء مشترك بيني وبين غيري من الأصدقاء والأحباء والأقران، ومرفق عام يجب أن أصونه كما أصون بيت الله، وأصون بيتي ومسكني.

– الرابع: راحة البال ولا تأتي إلا بالصدق، وقد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: “الصدق طمأنينة”، ومن أكبر مراتب الصدق، الصدق مع الذات ومصارحتها وهي التي تميل إلى الدعة والكسل، بجهلها وحاجتها الماسة إلى العلم والمعرفة، واحتياجها إلى العمل بما تعلمته، ولذلك فإن الغش في الامتحانات والغش في انجاز الواجبات الدراسية المنزلية، نوع من خداع الذات والكذب عليها، يستحيل لمن درج على هذه الصفات الذميمة أن يحس براحة الضمير ويجد لذة التعلم، ويصل إلى المراتب العلية.

تنظيم الوقت

إن رأسمال الإنسان في الحياة هو وقته، فما عمره إلا هذه الأوقات التي يجب أن يشغل نفسه فيها بما يفيد، وإن المغبون، من حرم التوفيق إلى العمل الصالح في أوقاته، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ”. وقد كان العلماء العاملون يراقبون الله في أوقاتهم، وينظرون ماذا عملوا في كل نفس من الأنفاس يصعد، أما نحن فحالنا أن معظم أوقاتنا إذا لم تضيع فيما لا ينفع تبخرت فيما لا ينفع ولا يضر، والحق أننا يجب أن نفكر في إدارة أوقاتنا بعقلية التاجر، فلا نصرف وقتنا إلا فيما يدر علينا ربحا ويعود علينا بنفع، ويجب أن نعرف أن حسن تنظيم واستثمار الوقت يوفر لنا نصف الوقت ونصف الجهد، ولذلك فيحسن بمتعلمينا ضبط أوقاتهم فلا تضيع مثلا بمتابعة مبارايات كرة القدم خاصة بحضور الواجبات وتراكمها، وعليهم الحذر من تضييع أوقاتهم في المواقع الاجتماعية التي تمارس تأثيرا عليهم وتأكل أوقاتهم كما تأكل النار الحطب، وعلى المتعلمات أن يحذرن أن يصبحن فريسة لهذا الوباء المسمى مسلسلات وعلى تلميذاتنا أن يطرحن على أعناقهن هذه السلاسل والأغلال التي تنقل إليهن قيما سلبية ومظاهر سلوكية مشينة ليست من ديننا ولا من قيمنا، وعلى الآباء مراقبة أبنائهم وحمايتهم من وسائل التدمير المعاصرة، والحرص على استفادتهم منها بأقل الأضرار، وعلى الآباء كذلك أن يحرضوا على استفادة أبناءهم من الوقت من أول النهار، ويحسن بهم إيقاظ أبنائهم لحضور صلاة الصبح وتوجيهم لاستثمار وقت ما بعدها في دراستهم، ومن أجل ذلك وجب الحرص على نومهم المبكر.

ترتيب الأولويات

إن من أهم الرزايا التي رزئنا بها الفشل في تحديد الأولويات في الحياة وترتيبها الترتيب الصحيح، وإن مما استقر عليه العقلاء أن الأعمال في الأوقات أربع أصناف تتدرج حسب أهميتها من:

– المهم المستعجل – المهم غير المستعجل – المستعجل غير المهم – غير مستعجل وغير مهم.

وعلى متعليمنا وتلامذتنا أن يعرفوا أن لهم دورا ورسالة، فهم طلاب علم، وطلاب آخرة، فـأعلم أنه لابد لك من نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فابدأ بنصيبك من الآخرة فيمر بنصيبك من الدنيا، فينظمه لك نظما)، فابحث عن أولوياتك ورتبها، ومن خلالها تحدد أهدافا محصورة في الزمان، وترتبها حسب درجة الأهمية ثم تقوم بالأعمال المحققة لأهدافك، (مثال: لديك وعاء فارغ وتريد أن تملأه بأربعة عناصر من المواد: الأحجار، الرمل، الماء، الحصى، فيجب أن تسبق الأحجار الكبيرة التي هي بمثابة الأهداف الكبرى، ثم بعدها الحصى، فالرمل ثم الماء)، ولابد لطلابنا وهم الطامحون إلى النجاح في الدنيا والآخرة، أن يأخذوا أنفسهم بالعزائم والصرامة، ويحذروا التراخي والاستسلام للواقع وللتأثيرات السلبية، وأفضل الناس من يتحرى صفوة الأوقات لصفوة الأعمال.