نعيش الزمن الكوكبي l’ère planétaire؛ توحدنا الطبيعة الإنسانية، والتقنية التواصلية المتطورة، والبيئة الإكولوجية الواحدة. قد أصبح الكل شركاء في المصير الإنساني؛ فإما متشاكسون؛ وإما رجل سلما لرجل.

في هذا المقال، أعرض لرسالة الأمة الواحدة، كيف تكون في هذا الزمن الكوكبي، زمن معاناة الإنسان ومأساة الحياة. وهي رسالة رحمة، تطلب العدل المفقود، والإحسان الضائع، وصلة الأرحام المقطعة. كيف يكون حمل هذه الرسالة، في سياق التعارف الإنساني المعتمد على السلم والحوار والتعاون.

1· معاناة الإنسان ومأساة الحياة

نعيش زمن الحديد والبأس الشديد؛ فقد ظهر البغي في الأرض بغير الحق، واستوقد نار الأحقاد القديمة والنعرات العرقية والإثنية والدينية، متلبسة بلبوس الحضارة الجديدة، تمدها الدول القطرية العالية فوق شعوبها قاهرة. 1

1-1. القهر السياسي

هذه الشعوب التي قاومت الاستعمار حتى ظنت أنها أخرجته، هي اليوم تسام سوء العذاب بواسطة وكلاء الاستعمار من بني جلدتها، الذين خالتهم وطنيين قاوموا الاستعمار، ومنهم من فعل ذلك، لكن وهن حب الدنيا أسكره، فنكص على عقبيه وانسلخ من آيات الدين والوطنية كما انسلخ باعوراء من آيات الله. أما الذين بشروا بجنة الشيوعية يدخلها العالمون والناس أجمعون، فقد تبين أن المبشر دجال إذا دخلت جنته وجدتها نارا، تذوق فيها زقوم النظام الشمولي ومهل الاستعباد الجديـد.

قهر سياسي يكاد يعم عالم المستضعفين، وللعالم الأول والثاني منه نصيب؛ ثم عدوان على أديان الشعوب وثقافاتها في طاحون التغريب، أوربةً أمسِ وأمركةً اليوم، حتى أثار هذا عُبِّية العصبيات المتطرفة.

2-1. العدوان الثقافي

قهر سياسي، وعدوان ثقافي عالمي بعث في الشعوب والدول داء الأمم البغي؛ فالحركات وطنيةً ومتطرفة وثورية وتوسعية تجمعت وتفرقت، وقتل بعضها بعضا، ولم يكد يجمعها إلا جامع العداوة والبغضاء والتناكر والاستجابة لداعي السلطان والتسلط والعلو في الأرض.

فكل في كبد، داخل الكبد العالمي؛ كبد في الاقتصاد والمجتمع والسياسة والدين والثقافة والأخلاق والفكر.

وكلما تقدمت العولمة خطوة في الميدان التقاني التواصلي؛ تقدمت خطوات في السيطرة وفرض نحلة الغالب وثقافته، وتأخرت بما لا يقاس في الميدان الإنساني، وعمهت غايةً في العهد البربري المتوحش.

كبد فيأس وهوان وذهاب الأمل في السياسة والثقافة جميعا.

3-1. أزمة التقنية والعلم والمجتمع الصناعي

ثم مشاكل عالمية مرتبطة بأزمة التقنية والعلم، والمجتمع الصناعي، وما يتلو ذلك من معاناة الإنسان ومأساة الحياة.

معاناة إنسان ضائع الحق والوجود؛ وإنسانية تصلى نار الوهن ضعفا، والهوان عجزا، وداء الأمم أحقادا، وتداعي الأمم عدوانا، والغثاء فتيتا وشتيتا، والبلاء جوعا وخوفا ومرضا وموتا.

ومأساة حياة تشكو إلى الله بثها وحزنها؛ وما فعله ويفعله بها السلاح النووي، وأسلحة الدمار الشامل، والتدهور البيئي، واللعب الوراثي.

2. رسالة الرحمة

في هذا المساق العالمي، يرجى بناء الوحدة، وحمل رسالة الرحمة في العدل المفقود، والإحسان الضائع، وصلة الأرحام المقطعة.

نسعى إلى الوحدة الإسلامية؛ لكن لا نستقيل من مسؤوليتنا تجاه الإنسانية المعذبة، فنحن أصحاب رسالة، وهي رسالة رحمة، وهي رحمة للعالمين.

ولكي نقوم لحمل هذه الرسالة، نحتاج إلى تحول مزدوج:

(الأول) إلى تكتل إقليمي إسلامي.

و(الثاني) إلى فاعل عالمي، يمد يد الأخوة والتعارف إلى العالم، حاديه قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) سورة الحجرات.

ثم نحمل رسالة الرحمة في أمرين:

(الأول) ثقافي؛ نحاور واقع الضياع والعبث والعدمية وفقدان المعنى والإشكال المعمم، من أجل حوار وتبليغ رسالة والتماس حكمة. تعارف.

و(الثاني) سياسي؛ نقوم في وجه الحديد الظالم وبأسه الشديد الغاشم، فننشر العدل الرفيق، ونبسط الإحسان الشفيق، ونخرج العباد من جور الأنانيات، ونحيي ونرعى ونحفظ معاني الأخوة والحرية والمساواة.

لا بد من دعوة رسالية في زمن البأس الشديد والعولمة الباغية؛ دعوة إلى السلم لا إلى الحرب، وإلى الرحمة الإنسانية لا إلى البربرية الوحشية؛ دعوة إلى البر لا إلى العدوان، وإلى التقوى لا إلى الإثم المضلل الذي أضاع الإنسان في عالم فقد معنى الحياة والوجود.

نتأصل في إسلامنا، ثم ننفتح على العالم نحمل إليه رحمته؛ وننفتح على العالم لنتأصل في إسلامنا ننهل من حكمته. أن ننفتح على العالم لا يعني أن نذوب في خيره وشره، وفي حكمته وجهالته؛ بل نكيف ما يأتي به العالم من حكمة وخير مع إسلامنا.

هذا، وإن اللقاء مع ثقافة أو حضارة أجنبية قوية، يقتضي أن نستوعبها وإلا أكلتنا؛ والقدرة على الاستيعاب تقتضي انفتاحا على الحكمة والمروءة والخير، ونحن قوة سياسية اقتصادية وثقافية اجتماعية؛ فبحق يقتضي أمر الانفتاح على العالم التأصيل الإسلامي وإعداد القوة.

3· رسالة التعارف

لا بد من دعوة رسالية؛ تعبر عن الهوية الإنسانية القائمة على أساس التعارف لا التناكر، وصلة الرحم الإنسانية لا التولي سعيا للإفساد في الأرض وتقطيع الأرحام.

وهكذا، وإن اختلفت الهويات فهي في الآخرة تتحد على قاعدة التعارف الإنساني. الهوية الصغرى للجماعة، القائمة على أساس عُرفها الخاص، لا تضار الهوية الوسطى للأمة، القائمة على أساس المعروف عندها دينا وعمرانا؛ وهاتان لا تضاران الهوية الكبرى للإنسانية، القائمة على أساس التعارف سلما وحوارا وتعاونا.

كيف التعارف في عالم باغ بعضه على بعض؛ الحضارة على الحضارة، والدولة على الدولة، والدولة الكبرى على ما دونها، والأنا على الآخر، والفوضى على النظام؟

كيف الوحدة في عالم الاقتتال، يرجو السلام والانسجام والتعارف؟ كيف تكون سياستنا الخارجية نحن المسلمين لما نصبح قوة يسمع صوتها؟

1-3. العلو الأمريكي

إن سياسة أمريكا الخارجية قد تولت وسعت في الأرض فسادا؛ فسلاحها القهر السياسي فهي تتبع سياسة العصا والجزر؛ ومذهبها الإكراه الحضاري فهي تعمل ب”الآية”: من ليس معنا فهو ضدنا)؛ وخلقها الحيف الاقتصادي، فهي من المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون؛ يحدوها في كل أولئك توهم انتقاض بنيانها، وخوف زوال النعمة عنها، فهي في حمى الحرب الاستباقية.

حرب استباقية، وسياسة العصا والجزر، و”من ليس معنا فهو ضدنا”، والاقتصاد المطفف؛ كل هذا أوردها نار سوء القالة فيها فسمعتها منهوكة، والكراهية لها فهي في عزلة. فبحق ذهبت أوهام الأبهة الأمريكية، فهي عرضة لكل ناقد وناقض.

وعاقبة سياستها هذه خسر. هذا ما يقدره كثير من فقهاء العلاقات الدولية.

2-3. السلم والحوار والتعاون

كيف نفعل نحن المسلمين؟ يأمرنا الله في محكم تنـزيله بالتعارف فيقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) سورة الحجرات.

فالتعارف هو أساس ما يجب أن يجمع بين الشعوب والقبائل والدول.

وهو إنما يقوم على أسس ثلاث وهي:

(الأول) السلم في قوله تعالى: وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) سورة الأنفال.

و(الثاني) الحوار في قوله تعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) سورة النحل.

و(الثالث) التعاون في قوله تعالى: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (2) سورة المائدة.

3-3. هل يجنح العالم اليوم إلى السلم؟

نعم. ساقه إلى ذلك قدر الحروب العالمية وقدر الحروب الأهلية. ذاق بأس الحديد، فجنح إلى السلم واختار الطريق الديمقراطي.

ومن مقتضيات السلم الحوار والتعاون.

فالحوار الحضاري فرْض علينا؛ كي تضع الحرب أوزارها ويُجنح إلى السلم، ويكون التعاون على البر والتقوى. ومالنا لا ندعو إلى سبيل الله اللطيف بعباده، وهذا الإنسان يستغيث أين المفر من لظى اللاييكية اللادينية المتطرفة التي هضمت حقه وأضلته عن حقيقته.

هذه الصحوة الدينية اليوم تستجيب لهذا الدعاء، وتحاول تلبي حاجة الفطرة الإنسانية إلى معرفة فاطرها ومعنى وجودها؛ فههنا كلمة سواء يكلم فيها الدين الدين؛ حوار أديان ثم ثقافات فحضارات؛ إلا نفعله، تكن فتنة في الأرض وفساد كبير؛ فالأديان أصل الثقافات، والثقافات أصل الحضارات؛ فبحق لايكون سلام بدون حوار أديان.

أما التعاون فالحاجة إليه ماسة؛ وبخاصة في زمن العولمة، التي جعلت الدول والشعوب مرتبطا بعضها ببعض، ويكمل بعضها بعضا، كما يكمل أهل القطر الواحد بعضهم بعضا.

فكلما أمكن التواصل، أمكن التعاون؛ وكلما كان التعاون كانت الحاجة إليه في ازدياد؛ والسبب في ذلك، أن الناس يقسمون الأعمال بينهم، ويتبادلون المصالح بما يكمل بعضهم بعضا، حتى إذا استحكمت في ذلك عوائدهم، صعب عليهم أن يستغني بعضهم عن بعض.

وهكذا، ومع ثورة الإلكترون في الاتصال والتواصل والمعلوميات، وتقسيم العمل وخاصة في مجال الاقتصاد، فثمة دول رؤوس رائدة في اقتصاد الخدمات، وأخرى أجساد رائدة في اقتصاد الصناعة، وثالثة تمد بالمواد الخام؛ كل أولئك جعل التعاون الاقتصادي أمرا واقعا لا مندوحة عنه.

فبحق صار السلم والحوار والتعاون فرضا علينا في مطلع الموجة الديمقراطية الثالثة، وهزيمة الاستبداد، وسقوط النظام الشمولي، وأن ذقنا بأس الحروب الأهلية والدولية والعالمية. فرض علينا، سيما في زمن الصحوة الدينية ونكوص اللاييكية اللادينية المتطرفة، وزمن العولمة الاقتصادية وأزمة الدولة القطرية.

من أجل ذلك، كان التعارف سلما وحوارا وتعاونا، أساسا في العلاقات الدولية؛ يجمع بين الحضارات والدول والاقتصادات، فيعم العدل والفضيلة والأخوة.

أذلك خير، أم العلو؛ تقهر فيه الدولة الدولة، وتكره الحضارة الحضارة، ويحتجن المال المال؟!

أم التشاكس؛ تشاكس فيه الدولة الدولة، وتشاق الحضارة الحضارة، ويكاثر المال المال؟!

أم الهوان؛ تدين فيه الدولة للدولة، وتنتحل الحضارة نحلة الحضارة الغالبة، ويضيع المال القليل يأكله المال الكثير؟!

وهكذا، إما غالب عال، أو مغلوب مهين، أو شريك مشاكس؛ والمطلوب تعارف بين العالمين، لا تناكر هو العلو والتشاكس والهوان؛ تعارف هو السلم الديمقراطي ملاكه العدل، وهو الحوار روحه الدين، وهو التعاون الاقتصادي يكون بداية الأمة الإنسانية الواحدة.

فأجدر بالحوار الديني والسلم العالمي والتعاون الاقتصادي، عُمُدا أساسية في السياسة العالمية.

4-3. وما أحوج العالم

ما أحوج العالم اليوم لقيم التعارف والتعاون فـي زمن معاناة الإنسان ومأساة الحياة.

ما أصبرنا على نار وقودها بؤس الإنسان ومأساة الحياة، وخزنتها الدولة الفاشلة والدعوة الفاسدة.

وما لنا لا نعمل صالحا، يدخلنا جنة التعارف، عرضها السلم والحوار والتعاون، فيها الأمن والأخوة والرخاء؛ وما لنا لا نعمل صالحا، أقوياء أمنـاء، مبشرين ببشرى التعارف، ومنذرين مغبة التناكر.

يا ليتنا نعلم أنه لا وزر، إلا أن نتبع سبيل الله الرؤوف الرحيم، اللطيف بعباده؛ فنعبده جميعا، نحبه ويحبنا؛ حتى يؤمننا من خوف العداوة والبغضاء، ويطعمنا من جوع الفقر والخصاصة.

نحن الفقراء إلى السلم والحوار والتعاون، في زمن التهديد النووي، ونذير الإرهاب والجريمة المنظمة، ومكر الوراثيات، وسموم المخدرات، والسلطة الغاشمة، والدولة الفاشلة، والحروب الأهلية، والانفلات الأمني، والدوس على حقوق الإنسان، والمرض المعدي، والهجرة السرية، والفقر، والتدهور البيئي…

نحن الفقراء إلى التعارف؛ فلتكن الموجة الديمقراطية والعولمة الاقتصادية والصحوة الدينية وثورة التقانة، أبوابا ندخل منها إلى عالم يغمره السلام نفشي فيه السلام بيننا، اتقاء نار الحروب الأهلية والحروب الدولية والحروب العالمية.

لنحن الفقراء إلى الله الآمر بالتعارف والسلام، في زمن الصحوة الدينية الإسلامية والبروتستانتية والأرثودوكسية والكونفوشسية و… ما أحوجنا إلـى حوار الأديان والحضارات، وإلا كان الصراع كما نبوءة هنتنكتون.

5-3. صنفان من الناس

هذا، وإن التعارف لا يكون طريقا إلى حماية حقوق الإنسان، بما فيها حقوقه الروحية في معرفة معناه وسر وجوده ومعرفة خالقه والطريق إلى محبته؛ ولا يكون طريقا إلى كف العدوان على الإنسان والحياة التي تحيط به؛ إلا بمعالجة أزمة الدولة الفاشلة والدعوة الفاسدة، وإقامة الدولة العادلة والدعوة الإحسانية.

مدخلان أساسيان للإصلاح وبناء عالم يسوده السلام، هما: إصلاح الحكم، وإصلاح التعليم.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: “صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء”. رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس.

إن فتنة الدولة الفاشلة failed state لا تصيبها خاصة؛ وإنما تتعداها إلى غيرها من الدول من طريق الإرهاب، والجريمة العابرة للحدود، والمرض المعدي، والهجرة غير القانونية، والمخدرات، والدعارة، وتهريب الأسلحة، وما إلى ذلك.

نحن في هذا العالم، كما لو نسير في سفينة واحدة؛ ولقد صوره نبينا عليه السلام في قوله: “مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا”. هذه رواية البخاري النعمان بن بشير رضي الله عنه، وللترمذي نحوها.

لا غنى لنا عن التعارف والتعاون، سفينا يمخر بنا عباب الحياة حتى تستوي بنا على جودي السعادة، حيث ترتع الحكمة والعدالة والفضيلة؛ إلا نفعل، غرقنا جميعا.

وإن الطريق لهو بناء الدولة العادلة والدعوة الإحسانية.

6-3. القائم للقيم الجامعة: صفاته وسبيله

لا بد أولا من قوة تسهر على سيادة هذه القيم؛ روحها سيادة الدولة العادلة، وصلاح الدعوة الهادية، ووحدة الأمة الرسالية؛ وجسدها القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية؛ وعقلها الحكمة والثقافة والعلوم.

لكن هذه القوة، إن لم تكن قدوة، فهي لا تنفع؛ كما هو حال السياسة الأمريكية؛ قدوة قوامها الاستقامة على الحق، والإنابة إلى الصواب، والنصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم؛ هذا الذي يورثها الذكر الحسن عند الله وعند الناس.

ثم لا بد من دعوة إلى قيم التعارف الإنساني، دعوة أصيلة ربانية واضحة شاملة، متخلصة إلى حبات القلوب بالرحمة والحكمة والموعظة الحسنة والجدل بالتي هي أحسن.

ثم يكون التأليف بين الناس؛ ولا يكون، إلا بالإنفاق في سبيل الله والمستضعفين، وإشراك الناس فيما ينفعهم، على أساس ميثاق تعارفي، قائم على السلم والحوار والتعاون.

ألا إنه لا يستأمن على مستقبل الإنسانية إلا من كانت هذه صفاته: القوة الحضارية والأمانة الأخلاقية؛ وكان هذاسبيله: الدعوة إلى التعارف، والتأليف بين الناس؛، فبحق ينبغي أن يكون الساهر على السياسة الخارجية، قويا أمينا، رؤوفا رحيما، حفيظا عليما.

أمريكا اليوم قوية؛ لكن سياستها ليست قدوة، فهي تكيل بالمكيالين؛ وتتبع أمر العصا والجزر، لا الدعوة والتأليف.

إن فعل الدعوة والتأليف في ترسيخ معاني التعارف، لهو أقوى وأجدى وأنفع من سياسة العصا والجزر. وازع القرآن الداعي إلى التعارف، أنفع من وازع السلطان. القوة الرفيقة soft power 2 أجدى من القوة العنيفة hard power.

وفي الحديث: “يا عائشةُ! إنَّ اللهَ رفيقٌ يحبُّ الرِّفقَ. ويُعطي على الرِّفقِ ما لا يُعطي على العنفِ. وما لا يُعطِي على ما سواه”. 3

وازع القرآن المكرم للإنسانية أنفع في زمن المعلومة، والعولمة، والموجة الديمقراطية، والصحوة الدينية. القرآن أهدى في زمن الحرية والتواصل، وحاجة الروح الإنساني إلى الله خالقا ورازقا وهاديا.

4· من التعارف إلى التعاون

قال تعالى: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (2) سورة المائدة.

البر عدل وشورى؛ والعدوان استبداد وفساد؛ والتقوى كلمة المعنى، وكلمة الأمل الذي يبعثه نور الإيمان بالله، وبشرى الحياة بعد الموت؛ كلمة التقوى هي الواقية من كلمة الإثم، التي قالتها اللاييكية اللادينية، فضيعت معنى الإنسان، وأذهبت أمله في خالق يرعاه، و أيأسته من سعادة أبدية مرتجاة، فهو يائس من خلود أخروي، عابث في متاع زائل، غير مسؤول عن نفسه وأسرته وأمته والإنسانية التي هو منها.

كيف يكون التعاون على البر والتقوى؟

1-4. البر

البر عدل وشورى، والعدوان استبداد وفساد.

وأول البر أن نرفع قواعد الدولة الشورية العادلة المتمثلة في الدستور الديمقراطي، والانتخاب الحر النـزيه، والحكامة الراشدة، وحماية حقوق الإنسان الدينية والمدنية والسياسية.

1-1-4. إغاثة الدولة الفاشلة

و من البر أن نتعاون، حتى لا يكون الفقر والجوع والمرض والجهل؛ كما هو الشأن في الدولة الفاشلة، القاعدة بكل صراط توعد وتصد عن سبيل التوبة والإصلاح والعمل والإبداع.

ونتأتى إلى مداواة داء الدولة الفاشلة من طريق الإدارة الانتقالية transitional administration، أو الدعم الحكامي governance assistance، أو السيادة المشتركة shaired sovereignty في القطاعات الحيوية كالموارد الطبيعية والمالية والقضاء. هذه اختيارات تكون بحسب خصوصية الدولة المعنية بضرورة الإصلاح 4 .

2-1-4. كف يد الدولة الباغية

ثم من أبر البر أن نتعاون وندعم العمل المؤسساتي، والنهج التشاركي التوافقي، وأن نكبح جماح الاستبداد.

ومن البر كف العدوان، أنى كان، بدءا من عدوان الدولة على الدولة.

ومن البر أن نكون في عون الدولة العادلة، وأن نقاتل التي تبغي عليها حتى تفيء إلى أمر الله في العدل والشورى.

ولقد كان البر سبيل الذين أنابوا إلى الله من الذين سبقونا بالإيمان.

فها هو قدوة الكرام البررة، صلى الله عليه وسلم، يضرب لنا المثل الحي، في البر والجنوح إلى السلم والتعاون والحوار، في صحيفة المدينة وصلح الحديبية وفتح مكة؛ فدخل الناس بفضله عليه السلام جنة السلام، ووقاهم نارالحروب الأهلية والقبلية، فحقن دماءهم.

ولم يكن القتال في عهده، صلى الله عليه وسلم؛ إلا لصد عدوان من عدا على المسلمين يقاتلهم، أو نقض عهد السلم معهم،، أو داس حقوق المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين استغاثوا بهم؛ أما غاية الرسالة، فأن يسمع الناس أحرارا، كلمة الله حرة، مبشرة بجنة الأرض والسماء، ولا إكراه في الدين. قال الصحابي ربعي بن عامر ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعتها). من شاء. لاإكراه.

وهذا مما لا ينكره المعروف الجامع بين بني الإنسان.

فحق رد العدوان، والدفاع عن حقوق الإنسان وزجر كل خرق للمواثيق الدولية والقانون الدولي، يُأخذ به في دين المجتمع الدولي، وفي ميثاق الأمم المتحدة، وفي القوانين والمواثيق الدولية. إن أعيت الحيلة السلم في تحقيق السلام أسعفت الحرب في ذلك، وكانت العقوبات الاقتصادية والتدخل العسكري.

لقد كانت حيلة السلم في تاريخ المسلمين، أن تخير الدولة الباغية العادية على حقوق الإنسان، أو العادية على من جاورها من البلدان؛ تخير:

‌أ. أن تسلم، فيكون دينها العدل والإحسان وصلة الأرحام؛ وأن تترك سيرة البغي والفحشاء وقطيعة الأرحام؛ وهذه لعمري مكارم الأخلاق، التي تقر بها الفطرة اللإنسانية.

‌ب. وإن لم تجب الدولة الباغية داعي الإسلام، دعاها داعي السلم والأمن المشترك، أن تدخل في دينه وتسهم فيه بنصيب من مال وعلم وجهاد.

‌ج. وإن هي لم تجب إسلاما ولا سلما، فقد اختارت آخر الدواء، وهو كي القتال. وما جزاء من يهدد الأمن الدولي في دين الأمم المتحدة والمجتمع الدولي؟ أليس إن أعيت الحيلة السلم أسعفت الحرب؟

2-4. كلمة التقوى

كشجرة طيبة، تنبت في رحاب الإيمان بالله واليوم الآخر، والتفكر في خلق السموات والأرض، وذكر الله وعبادته، ومخالقة الناس بالخلق الحسن. هي الواقية. تقي كلمة الإثم الموردة أثام الضياع، وذهاب الأمل في جنة الأرض وجنة السماء؛ فلا رجاء في مستقبل، ولا طمأنينة بحق اليقين؛ وإنما هو اليأس والشك والخوف والإعراض عن ذكر الله؛ وما يعقب ذلك من معيشة ضنك، في دار ذهبت العدمية nihilism بنور معناها، وقوضت العبثية مبناها، وأضلت اللاأدرية scepticisme مسعاها؛ فالنفس الإنسانية في إياس ممزقة القلب، حيرى تخبط خبط عشواء؛ احتوشتها شياطين الكفر والشرك والشك، فتفرقت بها عن سبيل الله، ونفثت في روعها كلمة الإثم، وعقدت عليها عقدة التحزين، تعدها الفقر وتأمرها بالفحشاء؛ فياحسرة عليها!

1-2-4. إن الإنسان خلق هلوعا

إذا مسه خير الرفاه والترف؛ أعرض عن ربه، ونآى بجانب فردانيته عن أخيه، وبخل عنه بالمواساة، وقطع أرحام الأخوة والتسامح والوفاق والرحمة؛ فأدخله ذلك نار الوحدة والفراغ الداخلي، والهم والحزن، والشقاق والنفاق؛ فلا محبة ولا أخوة ولا تواصل؛ له فيها زقوم القلق والاضطراب والخوف، مغلولا في سلسلة الانحراف والجبن والبخل. فما أصبره على نار العذاب النفسي، التي ينفخ في كيرها تعب العمل الكسبي؛ ونصب الحياة اليومية؛ ولغو الحياة الحضرية؛ وتأثيم البربرية التقنية، التي لاترقب في الإنسان رحمة ولا ودا، فهي تفرق وتجزئ وتسطح وتسرع بكل شيء، سادرة في غي الاستهلاك النهم، والبروقراطية القاسية، والحساب والتوقيت الحديدين الغافلين عن الشعور الإنساني.

وإذا مسه شر البؤس وزوال النعمة والاستعباد والحرب؛ إنه ليؤوس، في عجز وكسل؛ كفور في هم وحزن؛ جزوع، غلبه الدين وقهره الرجال.

مسكين هذا الإنسان! في عذاب بين منطق الحديد والبأس الشديد، في عالم مادي أفقده الأمل في دخول جنة الآخرة، ووعده جنة الدنيا، فخاب أمله في الوعد الرأسمالي والشيوعي.

غرق، ويحدوه الأمل في النجاة؛ يعذبه الحاضر، ويخيفه المستقبل؛ هو الإحساس بالضياع؛ هو الافتقار، أنه تحت كلكل دنيا الوهن والطغيان داء الأمم، والهوان والبلاء والغثاء، وتداعي الأمم بعضها على بعض.

2-2-4. التفكر الفطري والتفكير المنهاجي

نحتاج إلى التفكر، لإدراك معنى الإنسان والحياة، واكتشاف حقيقة الدار الآخرة.

ونحتاج إلى التفكير المنهاجي الشامل، للوقوف على عمق الداء في الحياة الإنسانية، واكتشاف الدواء الكامل الشامل.

ونحتاج إلى الخلق ورحمة الأخوة، وسط حضارة البأس الشديد ومنطق الحديد، بأس البربرية الإنسانية، ومنطق البربرية التقنية.

نحتاج إلى ذكر الله، ليهدي قلوبنا؛ قال تعالى: ومن يتق الله يهد قلبه؛ وقال تعالى: اتقوا الله ويعملكم الله.

العلم ثمرة التقوى؛ ومن التقوى يكون الذكر، والتفكر، والتفكير؛ ومن البر يكون الحب، والبر، وحسن الخلق؛ ومن البر والتقوى، يكون التعاون والتعارف.

كلمة التقوى تجدد الإيمان بالله واليوم الآخر؛ هذا المعنى الحاضر الضامر في الفطرة الإنسانية؛ تجدد الأمل في رحمة الله، وفضله، وعظيم عطائه، ودخول جنته؛ تبشر الإنسان أنه مخلوق مكرم، لا سليل القرد والصدفة والعبث، وثمرة لهو الكيمياء ولعب التطور.

كلمة التقوى دعوة لذكر الله، والتفكر في آلائه وفي خلق السموات والأرض؛ هذا الهادي من ضلالات الشرك والشك، الجامع للأمر الفرط في عالم الأفكار وعالم الناس؛ هذا الكاشف عن داء الكبر والوهن والطغيان داء الأمم، الواصف له دواء البر والتقوى والعدل والإحسان وصلة الأرحام.

قال تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ (11) سورة الرعد.

لا يغير الله ما بالعالمين من مأساة الحياة؛ فيؤمنهم من خوف التهديد النووي، والتدهور البيئي، والمرض، والحروب، والجريمة، والإرهاب، والمخدرات؛ ويطعمهم من جوع الفقر والبطالة وغلبة الدين؛ لا يغير الله هذا، حتى يغيروا ما بأنفسهم من الكبر، والوهن الهلع، والبغي داء الأمم.

3-2-4. الدولة العادلة والدعوة الإحسانية

البر دولة عادلة، والتقوى دعوة إحسانية؛ كلمتان هما الدواء، لداء الدولة الفاشلة والدعوة الفاسدة؛ كلمة البر تبشر بجنة الأرض، التي أذهبت الأمل فيها الدولة الفاشلة، وقد أصابها داء الأمم البغي، فكانت مأساة الحياة. وكلمة التقوى تبشر بجنة السماء؛ التي أذهبت الأمل فيها الدعوة الفاسدة، وقد أصابها داء الوهن حب الدنيا، فكان بؤس الإنسان.

اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.


[1] انظر أزمة الحضارة والإنسان المعاصر في كتاب la voie par edgard morin.\
[2] انظر في دور القوة الرفيقة في العلاقات الدولية كتاب soft power and higher education by joseph nye.\
[3] الراوي: عائشة – المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – الصفحة أو الرقم: 2593 – خلاصة حكم المحدث: صحيح.\
[4] انظر تفصيل هذه الخيارات في: FAILED STATES AND SHARED SOVEREIGNTY By STEPHEN D. KRASNER.\