التقييم القانوني للمتابعة

أنجزت هيئة دفاع عمر محب، عضو جماعة العدل والإحسان وأحد رموز فصيل العدل والإحسان الطلابي خلال تسعينيات القرن الماضي، في متابعته بالمشاركة في قتل الطالب محمد أيت الجيد في خضم الصراع الإيديولوجي الذي عرفته الساحة الجامعية في مجموعة من المواقع الجامعية، تقييما قانونيا 1 محكما للخروقات التي صاحبت هذا الملف.

ويعود الحادث موضوع المتابعة إلى 25 فبراير1993 حيث كان عمر محب يومها يشارك في تأطير أسبوع طلابي بالدار البيضاء، كما أفاد بذلك مجموعة من الشهود ويؤكده توثيق النشاط الطلابي بالصوت والصورة.

وحسب تقييم هيئة الدفاع فإن المسطرة التي توبع بناء عليها السيد عمر محب شابتها مجموعة من الخروقات الشكلية سواء فيما يتعلق بالبحث التمهيدي أو بالمتابعة الواردة في صك الاتهام أي الأمر بالإحالة).

وتجدر الإشارة إلى أن المتهم لم يضبط إلا بتاريخ 15 أكتوبر 2006 أي بعد مرور ما يزيد عن 13 سنة على ارتكاب الفعل، علما أن العارض يقيم بمدينة فاس وواصل دراسته بعد وقوع الأحداث بالكلية وحصل على الإجازة في الفيزياء سنة 1995 وتزوج واستقر بنفس المدينة وظل ينظم معارض للكتاب سنويا).

وإذا ما خلصنا إلى أن التكييف القانوني السليم للوقائع موضوع المتابعة هو المشاركة في مشاجرة أدت إلى وفاة على فرض صحة الوقائع لأن العارض لم يكن بمكان الجريمة بحكم مشاركته في ملتقى طلابي بمدينة الدار البيضاء في نفس التاريخ، فإن هذه الجريمة يكون قد طالها التقادم الخمسي بحكم أنها مجرد جنحة على اعتبار أن الوقائع حدثت بتاريخ 25 فبراير 1993 في حين أن إلقاء القبض لم يتم إلا بتاريخ 15 أكتوبر 2006.)

ورغم أن المتابعة بجناية القتل العمد لا تتوفر فيها العناصر التكوينية ولا تسعفها الوقائع والأفعال موضوع المتابعة)، أدين السيد عمر محب بصفته شريكا في أعمال عنف أفضت إلى قتل، بعد مسلسل من الشد والجذب بين محكمة الاستئناف والمجلس الأعلى بعشر سنوات حبس نافذة، قضى منها سنتين، دون أن تكلف النيابة العامة نفسها عناء البحث عن “بقية الشركاء”. وإذا ظهر السبب فلا عجب.

في السياق

يعتبر فهم السياق لأي حادث أحد مفاتيح فك طلاسمه ولغزه، والنازلة موضوع النقاش جاءت في سياقين: عام وخاص. أما العام فيتلخص في المخاض الذي عرفته الساحة الجامعية عموما وفاس خصوصا خلال العقد الأخير من القرن الماضي بين التيارين اليساري والإسلامي تطور إلى صراع دموي حركته أياد خفية ضربا للحركة الطلابية وفتحا لمعارك جانبية تصرف الطلبة عموما عن المطالب الحقيقية للإصلاح السياسي.

وأما السياق الخاص فيتعلق بموقف النظام من جماعة العدل والإحسان التي استعصت عن الترويض وامتنعت عن ولوج بيت الطاعة المخزنية؛ وحيث إن ملف طلبة وجدة الإثني عشر الذين زج بهم في السجن سنة 1991 بعد تلفيق تهمة قتل طالب قاعدي لم يثن الجماعة عن خطها تليينا لمواقفها وقبولا بالانخراط في لعبة النظام السياسية، بل إن إشعاعها تنامى في المجتمع، وغدا تغلغلها بين فئات الشعب مزعجا للنظام غداة تنظيم الأبواب المفتوحة ربيع 2006، بات لزاما وفق العرف المخزني توجيه ضربة للجماعة تشويشا على حيويتها وتشكيكا في نهجها التربوي وسلمية أسلوبها، فجاء تحريك ملف قتل الطالب محمد أيت الجيد المتقادم أصلا، ناهيك عن كون اتهام الأخ عمر محب عار من أي سند أو دليل.

ويتجدد السياق

ومثلما انتظرت النيابة العامة فتح ملف مقتل الطالب محمد أيت الجيد 13 سنة بعد وقوع الحادث تصفية لحساب سياسي مع العدل والإحسان، انتظرت المحكمة سنوات لتفعيل مسطرة تنفيذ قرار المجلس الأعلى والقاضي بحبس السيد عمر محب في سياقين مماثلين لسنة 2006؛ ذلك أن المخزن لم يستسغ انخراط الجماعة واصطفافها مع مطالب الإصلاح الحقيقية كما جسدتها حركة 20 فبراير، ليبلغ غيظ النظام من الجماعة ذروته باستقبالها للمقرر الأممي ـ مانديز ـ لمناهضة التعذيب، حيث كشفت هيئتها الحقوقية بالوثائق والحجج الدامغة والشهادات الحية حجم الخروقات الجسيمة التي طالت أعضاء الجماعة وأحرار البلد: شهداء حركة 20 فبراير نموذجا.

هكذا ظل هذا الملف وفيا لسياقه العام والخاص، ففي الوقت الذي لاح فيه بريق أمل لإنصاف السيد عمر محب، بعدما تابع الرأي العام طلب عائلة القتيل التحقيق مع من تعتبره شريكا ـ وربما مسؤولا ـ حسب تصريح العائلة عن قتل ابنها، سارع المخزن لفرض روايته القديمة للنازلة مُصرا على تأكيد اتهام من أظهرت جميع القرائن القانونية والواقعية براءته من دم الطالب محمد أيت الجيد، مؤكدا احتكاره لقرار جهاز تفترض فيه الاستقلالية والترفع على أن يكون أداة لتصفية حسابات سياسية على حساب العدالة والحقيقة.

رسائل إلى من يُهمهم الأمر

لا يخلو قرار فتح ملف متقادم من دلالات ورسائل لأطراف عدة، منها:

1. إن ما سُوق من “إصلاحات” لا يعدو أن يكون سرابا فرضه الحراك الشعبي، وأن الحديث عن فصل السلط واستقلال القضاء زيف وبهتان. وإلا ماذا يقول فقهاء القانون في النازلة؟ فإذا لم تكن القضية تقادمت، فأين بقية الشركاء إذا سلمنا أن السيد عمر محب مشارك ـ بنص قرار الحكم ـ في الاعتداء المفضي إلى قتل؟

2. إن تحريك الملف على مرحلتين متباعدتين استهدافا لنفس الجهة ـ العدل والإحسان ـ يؤكد الطابع التحكمي في السلطة القضائية تصفية لحسابات سياسية، ليس إلا.

3. إن تحريك الملف بهذا الشكل يؤكد فراغ جعبة النظام من خيارات بديلة في تعامله مع من يصنفهم خصوما سياسيين. فلا حُرمة ولا حقوق ولا بواكي لمن لا “يسبح” بحمده ولا يقبل بطقوس الاستبداد والمهانة.

4. إن واقع حال النظام يكذب شعار “دولة الحق والقانون” وإلا من أولى بالمتابعة: من ثبت بالحجة القاطعة والدليل البين نهبه للمال العام أم من سرب وثائق تدين أعوان المخزن؟ ملف وزارة المالية نموذجا.

5. إن تحريك الملف ومطالبة عائلة القتيل محمد أيت الجيد بالتحقيق مع من وردت أسماؤهم في محاضر القضية رسالة واضحة إلى من تُسول له نفسه أن يتخطى الخطوط المحددة فيتطاول على “الجهات العليا” أو التعليق على مبادرات القصر: التحقيق مع بعض رجال الجمارك نموذجا.

على سبيل الختم

إن ملف متابعة السيد عمر محب وخلال جميع مراحله وتوقيت فتحه وشكل تحريكه يكشف نوايا المخزن لتوظيف سياسي لمتابعة تفتقر إلى أبسط القرائن القانونية والواقعية. ومثلما توبع السيد عمر محب توبع الإثنا عشر طالبا في وجدة بدم كذب، ويبقى الفاعلون في الجريمتين مجهولين. ربما تطلب الأمر ذبح بقرة ـ كما حدث لقوم موسى عليه السلام ـ وضرب قتيلي وجدة وفاس وقتلى صفرو وسائر شهداء كرامة الشعب ببعضها لينطقهم الله تعالى معلنين أسماء من سفكوا دماءهم وأزهقوا أرواحهم فضحا لتدليس من تلاعبوا ويتلاعبون بمصير الأبرياء ويتسترون على القتلة الحقيقيين.

إن أشكال التضييق الممنهج وحجم الخروقات التي طالت وتطال الجماعة: محاكمات صورية، تلفيق التهم، تشميع البيوت، التضييق على الأرزاق، استهداف الأعراض… تشهد ـ وبجلاء ـ على زيف شعارات “دولة الحق والقانون”، وتخدش في هيبة دولة لا تخجل أن تصور نفسها نموذجا لدولة ديمقراطية رسخت قيم الحقوق وضمنت الحريات وأُتخم أبناؤها عدالة وكرامة. ومن لم يستح فيقل وليفعل وليقترف ما شاء من الخروقات.


[1] التقييم القانوني للمتابعة الذي أنجزته هيئة دفاع عمر محب بتاريخ: 17-9-2007.\