سبق لهيئة دفاع معتقل العدل والإحسان عمر محب، المحكوم عليه بالسجن 10 سنوات، أن أصدرت بتاريخ 17/09/2007 تقييما قانونيا للملف، أوضحت من خلاله حجم الخروقات التي شابت الملف. نُجدد نشره توضيحا للطبيعة السياسية للملف:

تقييم قانوني لمتابعة السيد عمر محب

توبع السيد عمر محب بمقتضى الأمر بالإحالة الصادر عن السيد قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بفاس بتاريخ 26 مارس 2007 بجناية القتل العمد طبقا لمقتضيات الفصل 392 من القانون الجنائي؛

وعلاوة على كون المتابعة اعترتها مجموعة من الخروقات الشكلية فإنها لا ترتكز على أي أساس سليم سواء من الناحية الواقعية أو من الناحية القانونية؛

أولا: الدفوع الشكلية

يتعين التذكير أن المسطرة التي توبع بناء عليها السيد عمر محب شابتها مجموعة من الخروقات الشكلية سواء فيما يتعلق بالبحث التمهيدي أو بالمتابعة الواردة في صك الاتهام أي الأمر بالإحالة، ويمكن تعداد الدفوع الشكلية على الشكل التالي:

1- انعدام حالة التلبس

لم يعرف المشرع المغربي حالة التلبس وإنما عدد حالاتها في المادة 56 من قانون المسطرة الجنائية فيما حدد إجراء البحث التلبسي في المادة 57 وما يليها من نفس القانون؛

وحسب مقتضيات المادة 56 الآنفة الذكر فإن حالة التلبس بالجريمة تقوم إذا ضبط الفاعل أثناء ارتكاب الفعل الجرمي أو على إثر ارتكابه أو كان الفاعل مازال مطاردا بصياح الجمهور عقب ارتكاب الفعل، كما يعتبر الجاني في حالة تلبس إذا وجد بعد زمن قصير حاملا أسلحة أو أشياء يستدل منها على أنه شارك في الفعل أو عليه أثار أو علامات تثبت هذه المشاركة؛

وباستقراء وثائق الملف فإن الوقائع موضوع المتابعة حدثت بتاريخ 25 فبراير 1993 في وقت كان فيه السيد عمر محب يشارك في الملتقى الطلابي بمدينة الدار البيضاء كما أفاد بذلك مجموعة من الشهود، وبالتالي لم يكن في مكان الجريمة، ومن تم لا تنطبق عليه الحالات المنصوص عليها في المادة المذكورة أعلاه؛

وفضلا عن ذلك فإن المتهم لم يضبط إلا بتاريخ 15 أكتوبر 2006 أي بعد مرور ما يزيد عن 13 سنة على ارتكاب الفعل، علما أن العارض يقيم بمدينة فاس وواصل دراسته بعد وقوع الأحداث بالكلية وحصل على الإجازة في الفيزياء سنة 1995 وتزوج واستقر بنفس المدينة وظل ينظم معارض للكتاب سنويا؛

وتأسيسا على ذلك فإن حالة التلبس غير متوافرة في الملف مما يتعين معه رفع حالة الاعتقال ومتابعة المتهم في حالة سراح طالما أن الحرية هي الأصل؛

2- سبقية البث في التكييف القانوني

بمقتضى الأمر بالإحالة تابع السيد قاضي التحقيق السيد عمر محب بجناية القتل العمد؛

وأنه يتعين التذكير أنه سبق لقاضي التحقيق آخر بمناسبة نفس القضية أن تابع السيد عبد العالي حامي الدين والسيد عمر الرماش بالضرب والجرح المفضي للموت فيما تابع السيد الخمار الحديوي بالمشاركة في نفس الفعل؛

وأنه بعد مناقشة الملف أصدرت غرفة الجنايات قرارا أعادت بموجبه التكييف القانوني للوقائع ووصفتها بأنها مجرد مشاركة في مشاجرة ارتكب أثناءها عنف أفضى إلى موت طالما أنه تعذر معرفة أي من الضربات أدت إلى الوفاة؛

واعتبارا لذلك فإن الغرفة الجنائية سبق لها البت في الوصف القانوني للجريمة بمقتضى قرار حاز قوة الشيء المقضي فيه بعد إبرامه من طرف المجلس الأعلى، مما يشكل مانعا من سماع الخصومة الجنائية بأي وصف آخر غير المشاركة في مشاجرة أدت إلى وفاة، ومن تم يكون الأمر بالإحالة قد خرق مقتضيات المادة 4 من قانون المسطرة الجنائية الذي ينص على أنه تسقط الدعوى العمومية بصدور مقرر اكتسب قوة الشيء المقضى به؛

3- سقوط الدعوى العمومية بالتقادم

وإذا ما خلصنا إلى أن التكييف القانوني السليم للوقائع موضوع المتابعة هو المشاركة في مشاجرة أدت إلى وفاة  على فرض صحة الوقائع لأن العارض لم يكن بمكان الجريمة بحكم مشاركته في ملتقى طلابي بمدينة الدار البيضاء في نفس التاريخ- فإن هذه الجريمة يكون قد طالها التقادم الخمسي بحكم أنها مجرد جنحة على اعتبار أن الوقائع حدثت بتاريخ 25 فبراير 1993 في حين أن إلقاء القبض لم يتم إلا بتاريخ 15 أكتوبر 2006 أي بعد مرور ما يزيد على 13 سنة وذلك تطبيقا للمادة 5 من قانون المسطرة الجنائية؛

ثانيا: فيما يتعلق بالموضوع

إن السيد قاضي التحقيق أصدر الأمر بمتابعة السيد عمر محب بجناية القتل العمد اعتمادا على تصريحات ما أسماه “بالشاهد” الحديوي الخمار زاعما أن شهادته جاءت مفصلة وبينت الوقائع بدقة من بدايتها إلى نهايتها وزكتها تصريحات السيد عمر الرماش المتهم في الملف السابق غير أنه بمراجعة تصريحات الشاهد/المتهم الخمار الحديوي خلال مختلف المراحل بدءا من اعتقاله واستجوابه من طرف الضابطة القضائية بتاريخ 27 أكتوبر 1993 واستنطاقه من طرف السيد قاضي التحقيق ابتدائيا بتاريخ 28 أكتوبر 1993 وتفصيليا بتاريخ 25 نونبر 1993 ثم التصريح الذي أدلى به أمام غرفة الجنايات بتاريخ 14 أبريل 1994 واستجوابه بعد 12 سنة من طرف الضابطة القضائية بتاريخ 15 أكتوبر 2006، وأخيرا التصريحات التي أدلى بها أمام السيد قاضي التحقيق بمناسبة التحقيق مع السيد عمر محب وذلك بتاريخ 14 نونبر 2006، بمراجعة هذه التصريحات سيتأكد بما لا يدع مجالا للشك بأن تصريحات ما أسماه قاضي التحقيق بالشاهد لا هي بالمفصلة ولا هي بالدقيقة ولا المنسجمة مع تصريحات السيد عمر الرماش؛

بل إنه بإلقاء نظرة بسيطة على أقواله نجدها تتناقض في كل واقعة ثلاث مرات على الأقل، بدءا من سياق الأحداث والأشخاص الذي شاركوا في الجريمة وعددهم ووسيلة الاعتداء وكيفية التعرف على السيد عمر محب؛

وفضلا عن ذلك فإنه لا يمكن الاستماع إلى السيد الخمار الحديوي كشاهد لأنه من جهة خصم للمتهم كما أكد ذلك في معرض تصريحاته في جميع المراحل، ومشتكي باعتبار أنه تقدم في مواجهة السيد عمر محب بشكاية بتارخ 20 شتنبر 1993، وأخيرا متهم وضالع في نفس الوقائع التي أدت إلى وفاة الهالك محمد أيت الجيد، وبالتالي لا يمكن الاستماع إليه كشاهد وأداء اليمين القانونية باعتبار العداوة والخصومة القائمة بين الطرفين طالما أنه لا يمكن أن يكون حياديا وموضوعيا في شهادته؛

ومن جهة أخرى فإن تصريحاته تتناقض بشكل مطلق مع تصريحات خمسة شهود وهم رشيد الصغوري، فاطمة مرجان، عبد اللطيف الفيلالي، الشعيبية بلعسال، وزكري الطاهري حضروا أمام السيد قاضي التحقيق وأكدوا أن السيد عمر محب كان يشارك معهم في ملتقى طلابي بمدينة الدارالبيضاء خلال الفترة الممتدة من 22 فبراير 1993 إلى 27 فبراير 1993 في حين وقعت الجريمة بتاريخ 25 فبراير 1993؛

وبغض النظر عن براءة السيد عمر محب من الوقائع والأحداث المكونة للجريمة جملة وتفصيلا فإن المتابعة بجناية القتل العمد باطلة لأنه سبق للغرفة الجنائية أن كيفت الأفعال والوقائع على أنها جنحة المشاركة في مشاجرة أدت إلى وفاة طبقا لمقتضيات الفصل 405 من القانون الجنائي وبالتالي فإن التكييف القانوني للأفعال الجرمية سبق البث فيه بمقتضى قرار اكتسب قوة الشيء المقضي به، ويكون بالتالي قد طالها التقادم الخمسي المسقط على النحو المبين أعلاه؛

وحتى إذا ما سايرنا السيد قاضي التحقيق في متابعته فإن العناصر التكوينية لجناية القتل العمد غير ثابتة في حق السيد عمر محب ولا تنسجم والأفعال والوقائع المسطرة في محاضر الضابطة القضائية المنجزة سنة 1993؛

ذلك أن المشرع الجنائي يشترط في الفصل 392 من القانون الجنائي للمتابعة بجناية القتل العمد توافر ركن مادي قوامه توجيه نشاط الجاني إلى الاعتداء على حياة شخص وحصول النتيجة وهي الوفاة وركن معنوي وهو القصد الجنائي؛

بالنسبة للركن المادي فإنه لم يثبت قط أن السيد عمر محب اعتدى على الهالك أيت الجيد محمد لأنه لم يكن أصلا بمدينة فاس في ذلك التاريخ، وفضلا عن ذلك فإن السيد الخمار الحديوي تناقضت تصريحاته بخصوص الجاني، فمرة يؤكد أن الجاني مجموعة من الأشخاص دون ذكر أسماء ومرة يصرح بان الجاني شخص واحد دون ذكر اسمه وأخرى يزعم أن الفاعل شخصين هما العجيل والكادي ثم يعود يصرح بأن الكادي هو الذي حمل الحجرة وساعده العجيل وانتظر حتى سنة 2006 ليزعم بأن المعتدون هم الكادي وكرويل وعمر محب، ثم تناقض بعد ذلك وصرح بأن المعتدين هم عمر محب والكادي وقسيم؛

ولعل ما يطرح الشك أن الشاهد المزعوم لم يستطع تذكر أسماء المعتدين سنة 1993 ورغم أن الأحداث لازالت في حالة غليان في حين تمكن بكل يسر من التعرف عليهم بأسمائهم سنة 2006 فأي ذاكرة قوية هاته التي تتعامل بانتقائية وتسير على خلاف المألوف والعادي من الأمور؛

وبخصوص النتيجة وهي الوفاة فإن تقرير التشريح الطبي أكد أن الهالك كان به جرح خفيف في الجبين وانتفاخ في الجانب الخلفي من الرأس عند الرقبة؛

وبالرجوع إلى وسيلة الاعتداء حسب الشاهد الممتاز جدا السيد الخمار الحديوي فأثناء استنطاقه ابتدائيا من طرف السيد قاضي التحقيق بتاريخ 28 أكتوبر1993 زعم أنها حجرة البناء  أي أجورة  في حين صرح في باقي المراحل بأنها حجرة مما يستعمل في بناء الرصيف  حجرة الطوار-، فهل حجر الطوار من الحجم الذي يستدعي حمله ثلاثة أشخاص – حسب تصريحات الخمار الخديوي – والذي يقارب طوله 80 سنتمتر وعرضه 20 سنتمتر ووزنه حوالي 100 كيلوغرام يحدث فقط الآثار الخفيفة الظاهرة على جثة الهالك أيت الجيد أم أن في الأمر لبسا وتلفيقا تؤكده عدم معاينة الضابطة القضائية عند انتقالها لمكان الجريمة للحجرة المزعومة وعدم حجزها ضمن وسائل الإثبات التي ينبغي لزوما عرضها على المتهم؛

وفي هذا الصدد من المفيد التذكير بالنقاش الذي أفرزه الفقه الجنائي لوسيلة الاعتداء بحيث يميز شراح القانون الجنائي بين الوسيلة القاتلة بطبيعتها كالسم والرصاص والآلات الحادة والوسيلة القاتلة بالاستعمال كالعصي والأجهزة الراضة؛

فالوسيلة القاتلة بطبيعتها تشكل قرينة على توافر نية القتل إذا وجهت إلى مناطق حساسة وحيوية من جسم الإنسان كالقلب والرئتين والرأس أما الوسيلة القاتلة بالاستعمال فهي على خلاف ذلك لا تشكل قرينة على توافر نية إزهاق الروح ويتعين على من يدعي خلاف ذلك أن يثبت ما يدعيه؛

أما بخصوص الركن المعنوي فإن المشرع في المادة 392 من قانون المسطرة الجنائية لم يكتف بالقصد الجنائي العام وهو توجيه الاعتداء إلى شخص معين وإنما اشترط قصدا خاصا ودقيقا وهو نية إزهاق الروح أي أن الجاني في جريمة القتل العمد يتعين أن يوجه نشاطه الإجرامي إلى تحصيل النتيجة وهي قتل المجني عليه لا مجرد الاعتداء عليه؛

وهذا العنصر هو الذي يعتبر جريمة القتل العمد عن جريمتي القتل الخطأ والضرب والجرح المفضي إلى الموت؛

فبالنسبة للقتل الخطأ فإن الجاني لا يوجه نشاطه الإجرامي إلى الاعتداء على الشخص أصلا كالقتل المترتب عن حادث سير، أما الضرب والجرح المفضي إلى الموت فإن الجاني وإن وجه نشاطه إلى الاعتداء على المجني عليه إلا أنه لم يقصد تحقيق النتيجة لأن الوسيلة أو مكان الإصابة لا تحدث في المجرى العادي والمألوف للأمور الوفاة؛

وبالرجوع إلى وسيلة الاعتداء على الهالك أيت الجيد حسب تصريح السيد الخمار الحديوي – وهي الحجارة- وهي وسيلة قاتلة بالاستعمال فإنها لا تشكل قرينة على توافر نية إزهاق الروح، والنيابة العامة لم تثبت خلاف ذلك ولا يسعفها حتى تقرير التشريح الطبي؛

وفي هذا الصدد جاء في قرار محكمة النقض المصرية الصادر بتاريخ 16 أكتوبر 1950:

لما كانت جريمة القتل العمد تتميز عن باقي الجرائم التعدي على النفس بعنصر هو انتواء الجاني عند مقارنته لجرمه قتل المجني عليه وإزهاق روحه، وكان هذا العنصر ذا طابع خاص يختلف عن القصد العام الجنائي، وجب على المحكمة أن تعتني عناية خاصة في الحكم بإدانة المتهم باستظهار هذا العنصر) (مجموعة أحكام النقض للدائرة الجنائية، السنة 12، الصفحة 60)؛

قرار أورده الأستاذ عبد الواحد العلمي، القانون الجنائي المغربي، القسم الخاص ص 204؛

وهذا ما أكده المجلس الأعلى في قراره رقم 180 الصادر بتاريخ 11 يناير 1960 الذي جاء في إحدى حيثياته:

يجب على الحكم في حالة الإدانة من أجل القتل العمد، أن يثبت أن المعتدي قد فكر بالفعل في هذه النتيجة وأنه قام بالفعل المنسوب إليه، من اجل الحصول عليها)؛ (مجلة القضاء والقانون رقم 28 ص 23)؛

واعتبارا لما ذكر أعلاه فإن المتابعة بجناية القتل العمد لا تتوفر فيها العناصر التكوينية ولا تسعفها الوقائع والأفعال موضوع المتابعة.

ورغم ذلك قضت غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بفاس على السيد عمر محب بالسجن لمدة 10 سنوات سجنا نافذا.

عن هيئة الدفاع 17/09/2007.