سبق لموقع الجماعة نت أن أجرى، في أكتوبر 2007، حوارا من وراء الأسوار مع المعتقل السياسي عمر محب، عضو جماعة العدل والإحسان بفاس، عندما كان يقضي سنتين من السجن الظالم، قبل أن ترى السلطات المخزنية أن المدة غير كافية للانتقام وترفعها عبر قضائها إلى 10 سنوات.

حوار نستمع فيه مباشرة إلى المعني بالتهمة الملفقة “قتل طالب يساري”، نعيد نشره لما فيه من معطيات وأفكار ومعان متجددة، وذلك قبيل أيام من مثول الأستاذ عمر محب أمام قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بفاس في 7 نونبر 2013، للنظر في موضوع الشكاية التي تقدم بها الدفاع للطعن في القرينة الوحيدة للحكم وهي شهادة “شاهد الإثبات” المليئة بالتناقض.

عشر سنوات تقريبا كانت المدة الفاصلة بين مقتل الطالب بنعيسى وإلقاء القبض على عمر محب، السؤال الذي يطرح نفسه: أين كان عمر محب طوال هذه الفترة؟ أم أين كانت السلطات؟

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه أجمعين. وعيدكم مبارك سعيد وكل عام وأنتم بألف خير.

أولا وللتصحيح تم اعتقالي، ولم يُلق علي القبض لأني لست مجرما، وثانيا المدة الفاصلة بين مقتل الطالب بنعيسى وعملية الاعتقال التي تعرضت لها هي 13 سنة و7 أشهر و10 أيام، ذلك أن الحادث ـ كما هو مذكور في المحاضرـ وقع يوم 25/02/1993، بينما تم اعتقالي يوم 15/10/2006. وقد سمعت عن الحادث بعد رجوعي من الملتقى الطلابي الوطني المنظم آنذاك في مدينة الدار البيضاء.

سمعت بالحادث وتابعت تداعياته كبقية الطلبة من داخل أسوار الجامعة. وسمعت أن الطالب بنعيسى توفي في المستشفى بعد ذلك، وقد أشار التقرير الطبي إلى هذا حيث سجل أن تاريخ الوفاة كان يوم 01/03/1993. وعقب الحادث تم اعتقال ثلاثة طلبة منهم الشاهد الوحيد في الملف ” الخمار الحديوي “، وهو صديق الهالك وينتميان إلى نفس التيار القاعدي. وقد أدين الثلاثة بسنتين سجنا نافذا. وطُوي الملف.. أما أنا ـ المقحم لاحقا في الملف ـ فقد تابعت دراستي إلى أن حصلتُ على الإجازة سنة 1995 بكلية العلوم.. بعد ذلك، وحتى لا أنضاف إلى طابور المعطلين، امتهنت التجارة، واستقر بي الأمر على تنظيم معارض للكتب في جميع المدن المغربية، وخاصة بفاس التي فضلت الاستقرار بها نهائيا منذ تخرجي من الجامعة.. عشت حياتي الاجتماعية متزوجا وربا لأسرة من ثلاثة أفراد بشكل عادي، ومارست نشاطي السياسي والدعوي باعتباري عضوا في جماعة العدل والإحسان.. كل ذلك على مرأى ومسمع السلطات التي كانت على علم بوجودي، بل وساومتني أكثر من مرة حول انتمائي..

أما أين كانت السلطة فلك أن تسألها إذا وجدت من تسأل…

ملفكم تدل عدة مؤشرات (الاختطاف، التزامن مع الحملة على الجماعة…) على كونه ملفا غير عادي، كيف تفسرون ذلك؟

بالتأكيد ملف غير عادي.. وإلا أين كانت السلطة منذ ما يقارب 14 سنة.. لقد اعتُقلتُ في أوج الحملة المخزنية على أعضاء جماعة العدل والإحسان، حيث كانت التهم تُكال للمئات من أعضاء الجماعة في ربوع الوطن.. وكان نصيبي تهمة من العيار الثقيل: “القتل العمد”. لكن هيهات أن تنال مثل هذه التهم الملفقة من التنظيم أو من أعضائه.. وما وقع للأخت حياة بوعيدة أو للأخ رشيد غلام، أو لأسرة نور الدين شفيق، ولأصحاب البيوت المشمعة، وللمئات من الذين اضطهدوا ويتابعون في المحاكم ما هو إلا نزر مما يحاك ضد هذه الجماعة التي أفتخر بالانتماء إليها..

ما هو السياق التاريخي للملف؟

منذ التحاقي بجامعة محمد بن عبد الله بفاس كنت طالبا نشيطا في “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” وقد تزامن ذلك مع أوج بروز فصيل طلبة العدل والإحسان القوي بصدقه ووضوحه في الممارسة النضالية، فكان محط ثقة الطلبة والتفافهم حوله، الشيء الذي أغاظ المخزن واليسار على حد سواء، حيث وصل الأمر إلى التنسيق بشكل مباشر أو غير مباشر لاجتثاث فصيل طلبة العدل والإحسان من الساحة الطلابية.. هكذا كانت كل الهجمات ضدنا تتم في البداية بإيعاز من المخزن، وتحت حمايته.. ومن أشكال الحماية تحويل الجاني إلى ضحية والضحية إلى جاني، وقضيتي خير دليل على ذلك..(ونجد المخزن لما لم تسعفه هذه الطريقة يلجأ إلى المبارزة بنفسه منذ النصف الثاني من التسعينات كما حصل في جامعات الدار البيضاء والمحمدية).. ولا ننس الصراع الحاد الذي كان بين الفصائل اليسارية نفسها، والذي لا زال قائما إلى الآن (مواجهات 2006/2007 الدامية شاهد على ذلك)..في مثل هذه الظروف كان الكل متربصا بفصيل وأعضاء جماعة العدل والإحسان، والنتيجة اعتقالات وتهم وأحكام جاهزة لا يزال ضحاياها رهن الاعتقال (الاثنا عشر طالبا في سجن بوركايز ـ فاس المحكوم عليهم ظلما بعشرين سنة).. أما فيما يخصني فإن عبقرية المخزن لم تتفتق إلا بعد هذه المدة لتنتج هذا الإخراج، وهو يعرف القاتل معرفته بالمقتول..

ما هي تفاصيل الاختطاف من داخل السجن؟

تجدون الجواب في الشكاية التي وجهتها إلى وزير العدل يوم 29/05/2007، وفي البيان التوضيحي الذي أصدرته عقب النطق بالحكم.. ولم أتلق عن ذلك إلا جوابا فارغا وغير معلل عن طريق الوكيل العام للملك باستئنافية فاس.

هل تعرضت للتعذيب النفسي والجسدي داخل السجن؟

حتى العذاب النفسي، نتيجة الإحساس بالظلم، يتلاشى عندما يحس المرء أنه ضحية حسابات سياسية تعبر عن جُبن وضُعف من نصبوا أنفسهم “مسؤولين ورعاة” لحقوق العباد..

هل تلقيت أي شكل من أشكال الدعم من جمعيات حقوق الإنسان والهيئات المعنية بذلك داخليا وخارجيا؟

أبدا، بل بالعكس بادرت إحدى الجمعيات الحقوقية إلى الانتصاب ضدّي.. إلا أن المحكمة رفضت انتصابها لكونها لم تدلِ بما يفيد أنها تكتسي صفة المنفعة العمومية وكذا لم تدلِ بقانونها الأساسي، وهذا يكشف حقيقة الشعارات المرفوعة لدى البعض وموقعها في ميزان الحسابات السياسية.. لكن أسجل لمنتدى الكرامة ما جاء في بلاغه الصادر يوم 26/9/2007 (أي بعد صدور الحكم) حيث اعتبر الحكم جائرا، ودعا إلى استدراك الأمر في مرحلة الاستئناف..

من هو عمر محب في فترة التسعينات؟ وما هي طبيعة الأنشطة التي كنت تمارسها؟

عمر محب مواطن مغربي أولا وقبل كل شيء. إلا أن أهم ما يتسم به هذا المواطن أنه عضو في جماعة العدل والإحسان.. ولعل عاقلا لا يُناقش أن هذا حق من حقوقه.. يكفيني فخرا أنني أنتمي إلى جماعة تحمل مشروعا تغييرا كبيرا مرتبطا بالإنسان فردا ومجتمعا.. وفيها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وما بدّلوا تبديلا.. في هذا الموكب كنت أحاول أن أنشط ولا زلت وسأظل بإذن الله..

أثارت هيئة دفاعكم عدة خروقات شابت الملف وسير المحاكمة مما نتج عنه حكما قاسيا، هل ترون أن القضاء كان محايدا أم كانت تُمارَس عليه ضغوطات؟

بهذه المناسبة لا يفوتني أن أشكر وأحيي هيئة الدفاع التي آزرتني.. لقد أبانت جميع المرافعات عن قوة ومنطق قانوني متين، وأربكت الخصم وهيئة القضاء معا.. لكنه قضاء التعليمات يُجهز الأحكام قبل افتتاح الجلسات، ويزج بأبناء هذا الشعب في غياهب السجون ظلما وعدوانا، ظنا منه أنه سيوقف زحف الربيع.. وما أريد أن أُسجله هنا هو ارتباك الشاهد الوحيد الذي اعتمدت عليه المحكمة في إدانتي، فقد تناقض في أقواله أكثر من 19 مرة في مختلف المحاضر وجلسات التحقيق والمحاكمة.. وهنا قدم دفاعي ملتمسا بتسجيل هذا التناقض في محضر خاص ومتابعته به بتهمه شهادة الزور ووضعه تحت الحراسة النظرية، غير أن النيابة العامة اعترضت.. كما تقدم دفاعي ـ قبل ذلك ـ بملتمس عدم القبول بشهادته نظرا للاعتبارات التالية:

ـ كونه متهما في الملف ومدانا فيه بسنتين سجنا نافذا.

ـ كونه خصما مدنيا حيث تقدم ضدي بشكاية سنة 1993.

ـ كونه خصما سياسيا..

إلا أن المحكمة رفضت الطلب.

وهذان الحدثان يؤشران على ما كان سيؤول إليه الحكم النهائي..

لقد واكبت الملف عدةُ خروقات ضَمّنها دفاعي في تقييم قانوني للمحاكمة، وتحدثتُ عنها في بيان توضيحي أصدرته بعد النطق بالحكم.. ولا زلتُ أتعرض للخروقات حتى وأنا أنتظر جلسات الاستئناف إذ لم يتم إلى الآن تحرير نص الحكم المنطوق به ابتدائيا وهذا مخالف للقانون كما أوضحه الأستاذ حسن هاروش أحد أعضاء هيئة دفاعي في مقالة تحت عنوان: كفى عبثا بحرية الأستاذ عمر محب، كما أن جلسة الاستئناف لم تُحدد بعد رغم وضع دفاعي طلبا بذلك منذ أكثر من شهر…

يلتحق عمر محب بـ12 معتقلا من معتقلي العدل والإحسان والذين استُثنوا من جميع التسويات السياسية، هل يأخذ ملف عمر محب نفس المسار؟

الملف مفتوح على جميع الاحتمالات لأنك قلت “التسوية السياسية”.. إذن لا مجال للحديث عن تطبيق القانون أو المنطق أو المحاكمات العادلة، خاصة في تعامل المخزن مع ملفات جماعة العدل والإحسان.. أما سؤال التوقعات فأعتقد أن لا مكان له في مغربنا، ببساطة لأن التوقع يستقيم عندما يكون هناك منطق، أما في غياب ذلك فالمرء يتعب نفسه في تقليب الاحتمالات.. المنطق المفترض أن يكون أمام محاكمة عادلة، وأمام قضاء مستقل.. وفي مغربنا يغيب كل هذا وتسود التعليمات..

تجربة الاعتقال هي محنة بكل تأكيد لكن في طياتها منح ربانية، ماذا يقول لنا عمر عن هذه المنح؟

الاعتقال بما هو سجن وابتعاد عن الأهل والأحباب قد يكون وجها من أوجه المحن، لكن أكيد أنه منحة بما هو خلوة وفرصة للتدبر والتفكر، ومحك للتمحيص وقياس الصبر والتحمل في سبيل الله وتفويض الأمر إليه سبحانه، وبما هو مناسبة ومجال واسع للتفرغ لذكر الله وحفظ كتابه وتحصيل العلم.. أسأل الله أن يجعل هذا الابتلاء مغنما، آمين.

ماذا أضافت تجربة سنة من السجن إلى رصيدك الإنساني؟ وهل هناك من خلاصات؟

تجربة سنة من السجن أوقفتني على حجم الظلم المسلط على هذا الشعب في السجن كما خارجه.. لا قيمة للإنسان ولا كرامة، وكيف يُتصور الحديث عنها في السجن وهي مُفتقدة خارجه.. وبموازاة ذلك وقفت على أمور كثيرة، لعل أهمها ما نحن عليه في جماعة العدل والإحسان من ثبات على الأصول التربوية من تآخ ومواساة ومحبة، وليس غريبا أن تحسّ بأنك لم تنفصل قيد أنملة عن هذا الجسد الذي يُحس بك لأنك عضو منه.. ترى ذلك في العناية والرعاية الدائمة والمؤازرة القوية.. كل ذلك يرفعك في أعين الآخرين، في زمن عز فيه الخليل والصديق، ويجعلهم يقدرونك أيما تقدير ما دام في سندك رجال.. وأي رجال؟ رجال يحملون مشروعا كله رحمة للعالمين..

تجربة الاعتقال تجربة قاسية ووقعها يكون أشد قسوة على الأسرة والزوجة والأولاد. عمر محب الإبن أولا والزوج ثانيا والأب ثالثا والمعتقل في كل هذا: هل من كلمة في هذا السياق؟

تأثرت الأم لعمر الإبن عند تلقي الخبر، لكن سرعان ما رجعت إلى الله محتسبة ومفوضة الأمر إليه سبحانه، كل ذلك بفضل زيارة الإخوة في الجماعة لها ووقوفهم إلى جانبها.. أما الزوجة فقد وجدتُ فيها المرأة الصادقة المجاهدة.. وعبرت بموقفها وبرعايتها للأسرة عن عزيمة قوية، بل أفشلت ما كان يُدبّر في الخفاء بخصوص تقليم جناحها وكسر شوكتها كواحدة من المحامين المنتصبين للدفاع عن أعضاء الجماعة لقد نزل الابتلاء بردا وسلاما على الجميع.. ولله الحمد من قبل ومن بعد.. ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.