4 ـ مقومات التغيير

ليس التغيير لحظة عابرة في تاريخ الشعوب بل هو مسار ممتد في الزمن يتحقق عبر مراحل ويتطلب مقومات تُنجِحه وتسير به إلى غاياته. وقد حدد الأستاذ المرشد مقومين أساسيين لإنجاز التغيير المرجو، رفق الدعوة ورحمتها ثم صرامة الدولة العادلة وجِدُّها. يقول: إننا نتصور عملية التغيير تعاونا وتناوبا بين يدين اثنتين: يدِ الدعوة الرحيمة، ويدِ الدولة الصارمة. نتصورها تراوُحا بين آيتين من كتاب الله تعالى، ووجهين من السيرة النبوية، ومرحلتين تُقابلان الآيتين. نتصور التغييرَ رفقاً ورحمة من قوله عز وجل:)ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (سورة النحل:125). ونتصوره بأساً وصرامة من قوله عز من قائل:)يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلُظ عليهم (سورة التوبة:73)) 1 .

يقتضي التغيير حدوث تحولات عميقة في النفوس والهمم والأفهام وتبدلّا في المصالح والمواقع السياسية والاقتصادية والاجتماعية قبل التغيير وفي خضمه وبعده. هذه التحولات لا تقع تلقائيا بل تكون ثمرة تربية ومصاحبة للشعب حتى يقتنع بأن مصلحته الحقيقية تكمن في حدوث تغيير جذري ينخرط فيه بقوة ليجتث عوامل بؤسه وذُلّه، الاستبداد والفساد ويحل محلهما العدل والحرية والكرامة. كما أنها لا يمكن أن تنجز دون حصول مقاومات وارتدادات. لذا فأحوج ما تحتاج الطليعة المجاهدة التسلح به في معركة تربية الشعب وإنجاح التغيير هو التحلي بخصلتي الرفق والرحمة إذ ليس من السهل مطلقا تغيير عقول الناس وعاداتهم وولاءاتهم. قيادة التغيير تقتضي طول نفس وبعد نظر وحكمة بالغة وتربية رصينة في من يقود. لكن في نفس الآن لا يجب أن تفهم الرحمة والرفق على أنها عجز وقلة حيلة لذا شدد الأستاذ المرشد على ضرورة اقتران خلق الرحمة والرفق لدى القادة بالصرامة اللازمة لإنفاذ التغيير وتحقيق غاياته. إذ سيواجه التغيير دائما المتربصين وذوي المصالح الذين سيكيدون ضده وسيحاولون جهدهم كسر حلقته القوية، تلاحم العامة والطليعة، ومن ثم خلق حنين لدى الناس لما كان عليه الأمر قبل التغيير. يضاف إلى هذا النزعات التمردية لدى العامة التي يولدها أساسا تعجلها حصول الثمرات المادية للتغيير وانتفاعها منها وضجرها من طول الأمد وتأففها من الانتظار.كل هذا يفرض يقظة الطليعة وإظهار الحزم والصرامة الضامنتين لاستمرار مشروع التغيير وتحقيق أهدافه. وتتناقض الصرامة المطلوبة وجوبا مع العنف ضد الشعب. فالصرامة قوة مشروعة غايتها إحقاق الحق وتنصيب العدل ورعاية الحريات وضمان مصالح العباد، أما العنف فظلم وانتقام غير مشروع لا يولد إلا الفوضى.

طالع أيضا  التغيير: معناه ومبناه في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين (1)

5 ـ عوائق التغيير

لم يحدث قط خلال التاريخ الطويل للبشرية تغيير دون أن يواجه بالمقاومة والرفض خاصة في بداياته ولنا أبلغ العبرة في سير الأنبياء والمرسلين عليهم السلام. فما من نبي إلا واجه قومُه دعوته التغييرية بالرفض بل بالمحاربة والاستئصال أحيانا. وهذا ما حدا بالأستاذ عبد السلام ياسين إلى التنبيه على أن التغيير الجذري وسط الأمة سيتعرض لمقاومات وستقف في طريقه عوائق مختلفة ومتنوعة. وقد ركّز هذه العوائق في نمطين عوائق ذاتية محورها ما سماه بثقل الموروث وأخرى موضوعية تتحدد في الإكراهات المادية في الواقع وصراع المصالح الفردية والجماعية، المحلية والدولية. هنالك البُنَى الموروثةُ، والذهنياتُ العتيقةُ، إلى جانب العقلانية المادية، والتجمعات النخبوية المفرنجة. هنالك من احتل منصبا اجتماعيا، وجمع مالا وعدَّده، فلن يقبل هؤلاء التغييرَ، لأن التغييرَ يعني في حقهم الانزعاج عن عاداتهم، وتطليقَ طموحاتهم، وإعادةَ قسمة ما جُمِع من أموال بغير حق. هنالك الشح الفردي، والأنانية، والتقليد، والركود الفكري، وهي أمراض توالدت فينا منذ قرون. هنالك الطبقية المقيتة، وهي حديثة فينا بصورتها هذه التي تسربت إلينا مع الرأسمالية المستعمرة) 2 . كل هذه العوائق ستقف سدا في طريق التغيير سعيا لإجهاضه في المهد أو في حالة الإخفاق، جعل كلفته باهظة وتلغيم طريقه لإطالة مدته وإرهاق الطليعة والعامة على السواء ومن ثم خلق الشنآن بينها تمهيدا لاستعادة المبادرة من قبل القوى المناهضة والإمساك مرة أخرى بزمام الحكم وإرجاع الأمور إلى سابق ما كانت عليه من ظلم وقهر وفساد.

6 ـ خاتمة

حاول هذا المقال تسليط الضوء على مفهوم التغيير في فكر الأستاذ المرشد “عبد السلام ياسين” من خلال الفصل الرابع من كتاب “إمامة الأمة” مع أني مقتنع بأنه لا يمكن لهذا المكتوب المختصر جدا أن يفي الموضوع حقه من الفهم والتحليل والعرض. فالأمر يقتضي التفصيل الكثير والشرح الوافي، وهذا ما لا يتأتى في هذا النوع من الكتابة. وأختم بنص جميل في الموضوع ورد في كتاب الإسلام والحداثة للأستاذ المرشد يقول فيه: أفقنا التغيير العميق الذي لا يمكن أن تبنيه وتقوده بعون الله إلا حركة مباشرة متواصلة… حرفتنا التربية. هي وسيلتنا لتغيير الإنسان حتى يتبنى موقفا ونظرة وإرادة تتعالى على الظرفيات التاريخية، وتتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة التي تحيطنا بها سياسة المنـزل الإقليمي الصغير، وذهنية الهوية التجزيئية… وإن الحركة التربوية وتغيير الذهنية والسلوك لا يرتجلان، كما أن ابتكار المستقبل وشكل النظام لا يقومان على أرضية انتخابية أو برنامج حكومي. وإنما يقتضي الأمرُ مَشروع عُمرانٍ واضح الخُطَّة ونظرة بعيدة تبني مشروع مجتمع يستجيب للحاجات الدائمة التي تفتقر إليها الشعوب الإسلامية، ويُؤَمِّنُ العدل والسلام الذين تتوق إليهما. لا بد لهذا المشروع أن يصاغ وأن يجسد في إرادة عامة.) 3

نسأل الله العون والمدد لخدمة فكر هذا الرجل المجدد والتوقيع عنه ونفعنا بصحبته وعلمه آمين.

طالع أيضا  التغيير: معناه ومبناه في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين (1)

[1] كتاب “إمامة الأمة”ـ عبد السلام ياسين. طبعة دار لبنان للطباعة والنشر صدر سنة 1430\2009 ص: 90.\
[2] نفس المرجع ص: 89.\
[3] كتاب: “الإسلام والحداثة” طبعة الهلال وجدة المغرب. ص:324\325\326.\