السور الثالث

السخرية من الناس عمل قلبي قد لا تستعمل فيه الجوارح مطلقا وقد تستعمل كلها. واللمز يكون بالإشارة وبالعبارة كذلك، لكن التنابز بالألقاب لا بد فيه من عمل اللسان وإن كان أصله كسائر الشرور انحرافا قلبيا.

بعض الناس لا يرى في ذلك بأسا… إنما هو خوض ولعب ومزاح… لكن قول الله عز وجل في محكم التنزيل: ولا تنابزوا بالألقاب. يجعل المستسهل للتنابز بالألقاب عرضة لوعيد الآية الكريمة: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ 1 . تكفي المرء جولة بسيطة في أحد أحياء المسلمين أو إحدى مؤسساتهم التعليمية أو التجارية أو الإدارية ليقف على حجم انتشار هذا الانتهاك لحمى الله عز وجل. حسب المنادي عباد الله عز وجل بالألقاب أن يكون قد اقتدى من حيث لا يدري – ربما – بمن كانوا يؤذون سيد الوجود صلى الله عليه وسلم في مكة في بداية دعوته، كانوا ينادونه مذمما وسماه مولاه عز وجل محمدا، وحسب الصابر على هذا الأذى أن يحشر يوم القيامة وقد ظلم بما ظلم به سيد الوجود صلى الله عليه وسلم ويكفيه تثبيتا ما قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: “وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12)” 2 .

تؤسس القطيعة مع هذا البلاء في الحجرات، يتزاور الناس فيما بينهم ويتبادلون أطراف الحديث فتتشرب الناشئة من حيث تدري ومن حيث لا تدري أن للناس على ألسنتنا حقوقا أبسطها أن لا نبخسهم أسماءهم. تتوارد على الذهن صور كثيرة أذكر منها واحدة مخافة السأم: لم يقف حرص خريجي المدرسة المحمدية من سادتنا الصحابة رضي الله عنهم عند تجنب ذكر الناس بغير أسمائهم، بل كانوا رضي الله عنهم يذكرون العمل الصالح واسم فاعله، لكن يحجمون رضي الله عنهم عن ذكر اسم من أخطأ، فيذكرون الخطأ وتصويب النبي صلى الله عليه وسلم له لكن لا يذكرون اسم من أخطأ، وهذا نجده تقريبا في كل الأحاديث…

بال أعرابي في المسجد ولا نعرف اسمه.

في سنن الإمام النسائي رحمه الله: “أن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إني زنيت وهي حبلى فدفعها إلى وليها فقال أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها فلما وضعت جاء بها فأمر بها فشكت عليها ثيابها ثم رجمها ثم صلى عليها فقال له عمر أتصلي عليها وقد زنت فقال لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل” انتهى الحديث الشريف ولم يذكر رواته رضي الله عنهم اسم المرأة، إنما ذكر الحدث لننتفع به.

طالع أيضا  في البناء الأسري: حتى لا تتسطح الرؤية (5)

كانوا يأخذون العبرة ويحفظون أسماء الناس أن تخدش، وهكذا في غالب الأحاديث الشريفة. أما الأعمال الصالحة فكلنا يعلم أن سيدنا عليا كرم الله وجهه هو باب مدينه العلم، وأن سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه تصدق بكل ماله… أين هذا ممن يسمي الناس في حضورهم وغيابهم بغير ما سماهم به الله عز وجل…؟

ولمن لم يستوعب بعد خطورة الأمر، يؤكد المولى سبحانه أن إطلاق الألقاب على الناس فسق ويشدد على ذمه. يسمى المتصف بهذا الخلق عند الله عز وجل فاسقا: بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان… وإنه لجزاء من جنس العمل: كما شوهت اسم أخيك في الإنسانية – مسلما كان أو غير مسلم – كذلك يغير الله عز وجل اسمك عنده في الملكوت الأعلى فتنادى هناك فاسقا بعد أن كنت تنادى من قبل مؤمنا… إلا أن تسارع بالتوبة النصوح…

ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون.

اللهم تب علينا لنتوب…

السور الرابع

من أبرز مظاهر تكريم الله عز وجل للإنسان جعل كل ملكاته تحت تصرفه إن شاء زكاها وإن شاء دساها. في كتاب سماه مؤلفه المعروف ديل كارنيجي دع القلق وابدأ الحياة) وبعد تأمل وتدبر لآيات الله في الآفاق والأنفس عجيب، وبعيدا عن آيات القرآن الكريم، ألقى الكاتب عبارته الشهيرة: حياتك من صنع أفكارك) وجعلها عنوانا لفصل من فصول الكتاب. ثم كانت هذه العبارة على موعد بعد مدة مع الداعية الفريد الدكتور محمد الغزالي رحمه الله في مؤلفه القيم: جدد حياتك). والآن صار هذا المعنى من أسس علم التنمية البشرية وفنون التدريب القيادي، رحم الله الدكتور إبراهيم الفقي رحمة واسعة ورحم سبحانه كل معلمي الناس الخير.

الإنسان إذن وصي على أفكاره وهو قادر على التحكم فيها، وأفكاره تصنع قناعاته وقناعاته تتحول إلى عادات والعادات تصنع الحياة. الإنسان مسؤول عن أفكاره أي على ما يعتقد صحته. ومن الحياء من الله عز وجل أن لا يأذن للأفكار الخاطئة بالدخول إلى ذهنه، بل لقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظ الرأس وما وعى من أفكار ومعلومات أول شروط الحياء من الله عز وجل حق الحياء. عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “استحيوا من الله حق الحياء”. قال: “قلنا يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله”، قال: “ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى وتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا. فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء”” 3 .

من معاني أن تحفظ الرأس وما وعى، أن لا تبني قناعاتك على الظن، أي على ما ليس لك به علم وبرهان ويقين… أن تكون نظرتك للحياة ولنفسك وللناس مبنية على الحق لا على الظن: وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا 4 … إن الكثير من المآسي الأسرية ترجع في أصلها إلى رؤية للحياة مبنية على الظن وعلى ما لا سند علميا له.

طالع أيضا  في البناء الأسري: حتى لا تتسطح الرؤية (3)

وللإمام بن القيم رحمه الله في كتابه “الفوائد” كلام نفيس وعميق، قال رحمه الله: إن صلاح الأفعال والعادات مبني على صلاح الخواطر والأفكار، وردُّ الأفكار الخاطئة وإبعادها عن الذهن منذ البداية أيسر من قطعها بعد أن تصبح عادة مستحكمة)..

يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم.

كان عليه الصلاة والسلام يضع في خانة الظن كل ما يأتي من جانب واحد… ولقد تدبرت تصرفه صلى الله عليه وسلم مع الكثير مما عرض عليه من مشاكل أسرية فوجدته صلى الله عليه وسلم دائما إذا سمع شكوى من جانب لم يدل بتوجيهه أو حكمه إلا بعد أن يسمع الجانب الآخر، ليتعلم هذا من شاء من حديث: “أنت ومالك لأبيك” على سبيل المثال لا الحصر… ذلك لكي يكف الناس عن إطلاق الأحكام على الأسر عبثا ونشر ذلك، كم من زوجة تبوح لقريبة أو صديقة في لحظة غضب ببعض مشاكلها – والأصل ألا تخرج أسرار الزوجين من بيت الزوجية – فتبني السامعة الأحكام على ما سمعت وإن كان مجرد جزء من الحقيقة ثم تنشر بين الناس ما بنته على الظن، وهو غالبا بل دائما مجانب للصواب، إنه استهزاء عملي بالنداء القرآني: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم.

من معاني أن تحفظ الرأس وما وعى أن تحتفظ في رأسك بما دخل إليه من معلومات لا تعنيك أو سمعتها من جانب واحد هو طرف فيها أو لا دليل على صحتها… كيف تستقر أسرة أو عائلة يتناقل أفرادها كل ما سمعت آذانهم بغض النظر عن صحته أو مقاصده أو حتى الفائدة من نشره؟

يذبحون أبناءكم

بينت أحداث “الربيع العربي” ولا زالت أن الاستبداد والانفراد بالحكم والعض عليه بالنواجذ مرض نفسي قبل أن يكون حساب مصالح. لو كان ما يشد طاغية ليبيا الهالك إلى الحكم مصالحه المادية فقط لترك البلاد في الشهر الأول من الثورة ليصرف ثروته الطائلة في مكان ما خارج ليبيا، لكنه بقي متشبثا بالكرسي حتى آخر رمق، في غياب واضح للعقل وتحت تخدير لشهوة الانفراد بالحكم لا يخفى على لبيب.. نفس الاستنتاج تقودنا إليه الأحداث المماثلة في مصر وسوريا واليمن وغيرها… وكذلك يقدم لنا القرآن الكريم الاستبداد مجسدا في حاكم مصر القديمة فرعون.

طالع أيضا  في البناء الأسري: حتى لا تتسطح الرؤية (2)

في القرآن الكريم تفصيل عجيب للفرعونية البدائية يرجع الفرعونية المعاصرة إلى جذورها القلبية النفسية، فالفرعونية هي الفرعونية مهما اختلفت أدوات الحضارة والأنساق التاريخية، والمجتمعات المستضعفة من حيث القلوب هي نفسها والقائمون في وجه الظلم هم أنفسهم كذلك: فسنن الله عز وجل لا تتبدل، بل إن السنة كما عرفها العلماء: أن يفعل في الثاني ما فعل في الأول.

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ 5 .

الفرعونية البدائية كانت تذبح المواليد جسمانيا لِأَلاَّ يخرج منهم من يطالب بإعادة الأمور إلى نصابها.

والفرعونية الحديثة أيضا تذبح أبناء المستضعفين معنويا لكن بطريقة حديثة قوامها التفسيق والتخدير والتفقير والتجهيل والتيئيس وهلم جرا… فلا فرق من حيث المعنى بالنسبة للمستكبر بين الجثة الهامدة وبين الذي لا قدرة له على الأمر بالعدل وإنكار الظلم… إذ في تصور المستبد يجب أن يبقى المستضعفون عزلا من كل القدرات المالية والفهمية والوجدانية حتى تسير الأمور في الدولة بشكل مستقر… والحاكم بأمره إله لا ينزل على أحد من رعيته شيء من أسباب القوة إلا بإذنه وبقدر معلوم لا يسمح له بتجاوز مرتبة العبودية التي تضمن “الاستقرار في البلاد”…

وسائل يسأل: يبدو أنه لا حاجة بعد أن تستكمل الشعوب المستضعفة “ربيعها” إلى “مفاهيم الاستبداد والاستضعاف والتذبيح؟…” وهذا لعمري عين السذاجة في قراءة التاريخ والاعتبار بأحداثه… ذلك أنه مهما مكن الله عز وجل للعدل في مجتمعاتنا، لن نعدم أمثال رأس النفاق الذي ذكرناه في بداية هذا المكتوب يتربص بنا الدوائر وعينه على رقابنا يسعى إلى استعبادها ثانية… ولا وقاية من عودة الاستبداد إلا تنشئة جيل من الأبناء عصي على التذبيح، وما كان سيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام لينجو من تذبيح فرعون لو لم تتلق أمه الوحي بالتعظيم والتصديق الكاملين: وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ 6 . وكذلك لن نحفظ أبناءنا وبناتنا من التذبيح المعاصر إلا بإرضاعهم تعظيم الوحي ومحبته حتى نكون وإياهم مدارس قرآنية متنقلة عبر الأجيال. عرف النبي الذي قدمه لنا الله عز وجل نموذجا للقيام في وجه الظلم بكليم الله على نبينا وعليه الصلاة والسلام… كلام الله عز وجل – أي القرآن الكريم – هو القوة والزاد الذي به يكون المؤمن آمرا بالعدل وعلى صراط مستقيم.

ومع السور الخامس من القرآن الكريم..


[1] الآية 65 من سورة التوبة.\
[2] سورة المزمل.\
[3] رواه الإمام الترمذي رحمه الله في السنن.\
[4] الآية 28 من سورة النجم.\
[5] سورة البقرة الآية 49.\
[6] سورة القصص، الآية 7.\