أجرت يومية المساء، في عددها ليوم الجمعة 28 شتنبر 2012، حوارا مطولا مع الأستاذ عبد الواحد المتوكل، الأمين العام للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان وعضو مجلس الإرشاد، تناول الكثير من القضايا الهامة الداخلية والتصورية والمستقبلية التي تخص الجماعة، ومواقف العدل والإحسان من الملفات السياسية المطروحة في الساحة.

هذا نصه:

هل يمكن اعتبار انتخابات الأمانة العامة للدائرة السياسية للجماعة تدخل في إطار إعادة ترتيب البيت الداخلي استعدادا للمرور إلى ما بعد الشيخ؟

لا. انتخاب الأمانة العامة للدائرة السياسية هو إجراء دوري يتم على رأس كل ولاية ومدتها ثلاثة سنوات. والذي ميز الانتخابات هذه المرة هو الزيادة في أعضاء الأمانة. وهذا إجراء اقتضاه البناء الهيكلي الجديد الذي اعتمدته الجماعة بعد أن عكفت لجنة من المتخصصين لعدة سنوات على إعداده وبعد مصادقة مجلس الشورى عليه.

كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين تركز على حديث الخلافة هل ما زلتم ترون أن الحل يكمن في العودة إلى الخلافة كما كانت في قالبها التاريخي؟

كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين تتناول قضايا متعددة ضمنها حديث الخلافة. والموضوع ليس من اختراع الأستاذ ياسين ولا من غيره وإنما هو من الأمور التي تناولتها الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تبشر أن بعد الجور سيأتي العدل وبعد الملك العاض والجبري تكون الخلافة على منهاج النبوة. ولم يذكر الأستاذ ياسين في جميع ما كتب أن الحلَّ يكمن في العودة إلى الخلافة كما كانت في قالبها التاريخي. فهذا لا يقول به عاقل لأن الزمان غير الزمان والظروف غير الظروف، لكن المقصود هو الروح أي أن تعود للناس كرامتهم فيختاروا من يحكمهم اختيارا حرا لا إكراه فيه ولا جبر كما كان الشأن على عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين.

هل تعتقدون أن إعادة انتخابكم على رأس الأمانة العامة للدائرة السياسية يشجع على الديمقراطية الداخلية؟

إن من أهم ما يميز أسلوب عملنا هو اعتماده على الشورى التي تسري في كل مفاصل مؤسسات الجماعة وعلى المتابعة والمحاسبة الدقيقتين على كل المسؤوليات، كل ذلك ضمن قوانين محترمة صادرة عن مؤسسات القرار والتشاور في الجماعة وتخضع للمراجعة والتطوير المستمرين، إضافة إلى أنه ليس بيننا من يرشح نفسه للمسؤوليات و أننا لا نولي أمورنا من يطلبها أو يسعى أو يتشوف إليها. كما أن من صميم ما تركز الجماعة عليه في عملها البعد التربوي الإيماني الذي يرى في المسؤولية أمانة جليلة لها تبعات في الدنيا ويوم القيامة عند الحساب أمام الله تعالى. وهذا البعد، في نظرنا، يعصم عملنا من أن يصبح رهينة رغبات النفس أو الطموحات الشخصية

في هذا الإطار وبهذه الضوابط فإن كل واحد في الجماعة في جميع مستويات المسؤولية يتهيب أيما تهيب من تقلد المسؤولية لكن بالمقابل إذا ما تم اختياره من قبل الإخوان فإنه أيضا من تمام المسؤولية أن يحترم الاختيار الشوري ويلتزم به.

تحدثتم عن استغلال الملك للحقل الديني هل هذا الأمر يعني أنكم تخليتم عن الخلافة التي أصر عليها مرشد الجماعة؟

استغلال الدين ظاهرة ليست جديدة، وإنما هي ظاهرة قديمة عند كل الأمم وعند المسلمين برزت منذ الانقلاب الأموي على الخلافة الراشدة وتحويلها إلى ملك وراثي عضوض. فمنذ ذلك الحين والملوك والسلاطين يستغلون الدين للتمكين لسلطانهم ضدا على مبادئ الإسلام الصريحة والواضحة في هذا المجال. فإن نتكلم عن ممارسة أساءت إلى الدين والناس، فإنما نتكلم عن ممارسة رديئة ومرفوضة يدينها الشرع والعقل والطبع السليم ولا يعني هذا أننا قد تخلينا على ما هو ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا لا يقول به مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر.

هل يعتبر غياب الأستاذة نادية ياسين عن تشكيلة الأمانة العامة للدائرة السياسية رسالة إلى قيادة الجماعة وما هي أسباب هذا الغياب؟

لعل الحصار المضروب على الجماعة والحرمان من أدوات التواصل العمومي قد ساهم في رواج العديد من الأفكار الخاطئة عن العدل والإحسان. الأستاذة ندية ياسين لم تكن يوما من الأيام في الأمانة العامة للدائرة السياسية منذ تأسيسها وبالتالي لا يمكن أن نتحدث عن غيابها. لقد كانت مسؤولة عن تنظيم المومنات ولم تكن أبدا عضوا في هذه المؤسسة.

ما هو تقييم الجماعة للحراك الشعبي الذي عرفه المغرب وقررت الجماعة الانسحاب منه،؟ وهل تعتقدون أن الربيع العربي يمكن أن يهب من جديد؟

لقد انخرط شباب العدل والإحسان في الحراك الشعبي منذ انطلاقته بحماس منقطع النظير وأبلوا في ذلك البلاء الحسن بشهادة كل المنصفين وتحملوا العبء الأكبر في التعبئة وحركوا مناطق لم تعرف احتجاجات منذ سنوات طوال، وأبدوا من المرونة ونكران الذات والاستعداد للعمل المشترك ما لا ينكره كل ذي مروءة لكن للأسف الشديد لم تدرك بعض الأطراف قيمة هذه المجهودات المبذولة وبدل أن تتضافر الجهود وتتكاثف للضغط من أجل إنجاز التغيير المرجو أصبحت تتوجه للجماعة وتكيل لها التهم وكأنها هي التي تحكم المغرب منذ قرون، وكأنها هي التي كانت وراء الكوارث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية التي يتمرغ فيها البلد منذ عقود. نسي بعض الأطراف المشاركة المشكل الحقيق وهو الاستبداد والفساد واشتغلت بالعدل والإحسان ظنا منها أن الجماعة على وشك الاستحواذ على الحكم وكأن الحكم مغانم ينبغي أن ينال كل نصيبه منها، في حين طفق آخرون يفرضون سقفا سياسيا متدنيا للعودة بنا إلى الوراء. فلم يكن بد من الانسحاب بعد أن تأكدنا أن شرط الاستعداد لانخراط الجميع في عمل مشترك لإنجاز التغيير الذي ينتظره المغاربة لم يكن متوفرا. لكن الأسباب التي كانت وراء بروز الربيع العربي لا تزال قائمة وبالتالي فإن اللحظة الحاسمة مع الاستبداد والفساد آتية لا ريب فيها إنما المسألة مسألة وقت ليس إلا.

هناك أصوات معارضة من داخل الجماعة تنتقد أداء قيادتها كان آخرها الدكتور عبد العالي مجذوب كيف تتعاملون مع هذه الأصوات؟ وما مدى صحة طروحاتها؟

تنوع الآراء وتعددها ظاهرة طبيعية وصحية وهي موجودة داخل الجماعة في كل مؤسساتها وهيئاتها وكل يعبر بكامل الحرية ودون حرج، وفي النهاية تحسم القرارات والتوجهات داخل المؤسسات في إطار الخط التربوي والفكري والسياسي للجماعة ومن خلال آليات قانونية تشاورية لتصبح القرارات ملزمة للجميع بعد الحسم. أما من يختار اتخاذ مسافة والحديث من خارج الجماعة أو ضدا على توجهاتها الأساسية فهو حر في اختياره، ونتعامل معه كما نعامل كل أصحاب الآراء، فما كان منها نقدا محترما فإننا ننصت إليه ونستفيد منه، وما كان منها سبابا وشتائم وتهجما وتغليطا فإننا نعرض عنه ولا ننشغل به ولا يشغلنا ولا يلهينا.أما ما يكتب عن الجماعة فإن أصفه بالغلط، فذلك تحصيل حاصل وموقف متوقع من المخالف. لذلك فإن الأمر موكول إلى ذمة كل فرد وعقله ومعرفته بتصور الجماعة ومنهاجها، فهو وحده له أن يحكم على ما ينشر إن كان صحيحا أم خطأ، كله أو بعضه.

هل ما زالت الجماعة تصر على سقف سياسي يراهن على زوال النظام؟

شروط التغيير تمليه طبيعة العمل المرجو إنجازه ولا تضعها الأفراد والجماعات لمجرد الهوى. أضرب لك مثلا؛ إن اعترضتك صخرة صماء ضخمة في طريقك وأردت إزاحتها وجئت بمعول خشبي تريد تفتيتها، لاشك ستكون مسخرة للناس لأنك لم تكون واقعيا ولم تأت بالأداة المناسبة للتخلص من الصخرة المعترضة. وكذلك الشأن بالنسبة للأنظمة الاستبدادية فإن رمت الإصلاح باعتماد الأداة أو المقاربة غير المناسبة، فإن ذلك لن يجدي نفعا، لأنك لم تكن واقعيا ولم تستعمل الأداة المناسبة للتخلص من العقبة المعترضة. بعبارة أوضح لن يتحقق أي تغيير حقيقي في المغرب ولن تزول أي من أزماته طالما بقي النظام بصيغته الحالية يحتكر الثروة وينفرد بسلطة القرار.

ما مدى صحة دعمكم للتجربة الحكومية لحزب العدالة والتنمية؟

أعمال العقلاء مصونة عن العبث. لا يصح أن نعارض الأصل وهو النظام وندعم الفرع أي الحكومة أيا كان الذي يتولى تسييرها.

وما هو الأفق السياسي الذي تسير نحوه الجماعة؟

نسعى جهدنا ومن موقعنا لنساهم في التغيير الذي ينشده المغاربة، تغيير يقطع مع الجور والفساد ويؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها للمغاربة الكلمة الفصل في من يمثلهم ويحكمهم. وإن طال الطريق فإن ذلك لا يسوغ التنازل عن المبادئ أو الارتماء في أحضان المخزن دون قيد أو شرط. مهمتنا أن نقوم بما نستطيع وسيأتي الوقت بإذن الله لتؤتي جهود كل المخلصين في هذا البلد أكلها، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

هناك حديث متزايد عن مالية الجماعة كيف تدبر الجماعة أمورها المالية؟

ليس هناك شأن من شؤون الجماعة ينفرد به أو يقرر فيه شخص واحد والمالية من ذلك فهي، وإن كانت متواضعة مقارنة مع بعض الأحزاب والجمعيات، موكولة إلى أياد أمينة لا يمكن تواطؤها على الكذب ولا نزكي على الله أحدا، وتخضع لمراقبة دقيقة وأعضاء الجماعة يعرفون ذلك. هذا الوضع ليس من اختيارنا وإنما هو مفروض علينا. ولو كنا في بلد ديمقراطي لكان للجماعة حسابها البنكي المعروف ومشاريعها المعلومة، لكن ما الحيلة ونحن موضوع حصار وملاحقة منذ خرجت الجماعة إلى الوجود. وما عبرت عنه من حديث متزايد عن مالية الجماعة إنما يأتي من أقلام مأجورة ويخرج من بؤرة معلومة تحسب لغبائها أن كل الناس يصدقون أكاذيبها، نفس الجمل ونفس الاتهامات تتكرر هنا وهنالك ليوهموا أن الكتّاب متعددين بينما المصدر المخابراتي واحد.

هل هناك مفاوضات ثانية بين الدولة والجماعة عبر وساطة العدالة؟

ليست هناك أي مفاوضات بين الدولة والجماعة سواء مباشرة أو غير مباشرة.

هل الهيكلة الجديدة يمكن اعتبارها رد فعل على عدم نجاح الدائرة السياسية في استقطاب شخصيات وأطر جدد للجماعة؟

لقد أشرت لك من قبل أن الهيكلة الجديدة تدخل في إطار التجديد والتطوير الذي تخضع له كل مؤسسات الجماعة وليست الدائرة السياسية فقط، ونحن نقوم بهذه العملية باستمرار لا تكاد تمر أربع أو خمس سنوات دون أن يتم التقويم والمراجعة لمؤسساتنا وهياكلنا التنظيمية. ولا غرابة في هذا، فالتنظيم وسيلة ولا بد أن يخضع للتطوير الدائم أملا أن يكون الأداء أحسن والمنتوج أفضل. إن التحدي الذي يواجهه كل تنظيم هو كيف يشيد بناء متماسكا وبيئة سليمة تشجع كل الطاقات والكفاءات على أن تشتغل بأقصى ما تستطيع مع ترشيد الوقت والجهد. ولا يمكن أن يزعم أحد أنه يمكن أن يصل في هذا إلى الكمال، وبالتالي تكون المحاولة تلو المحاولة مطلوبة بل مؤكدة مع الاستفادة من الخبرة التي يكتسبها الأعضاء من تكوينهم وتخصصاتهم وكذا من تجارب الناس والممارسة الميدانية.

كثرت خلال الآونة الأخيرة إشاعات عن تدهور صحة مرشد الجماعة ما حقيقة وضعه الصحي؟

هذه الإشاعات ليست جديدة وإنما هي قديمة منذ سنوات. أشاعوا وفاته مرات وأدخلوه للمستشفى وهو في بيته أكثر من مرة. والأهداف من هذه الإشاعات واضحة. الأستاذ عبد السلام ياسين هو عبد من عباد الله يجري عليه ما يجري على البشر. وبعد هذا أقول إن وضعية إنسان بلغ أربعاً وثمانين سنة قضى مدة طويلة في الاعتقال والحصار وحتى بعد الحصار قلما كان يغادر بيته، شغله هم الأمة عن الانخراط فيما ينخرط فيه كثير من الناس، أقول إن إنسانا هذا وضعه لا يمكن أن يكون كابن العشرين أو الثلاثين من العمر. أعرف أن بعض الناس يعدون الدقائق والثواني ويترقبون اللحظة التي ينتقل فيها إلى الدار الآخرة، يظنون، خاب ظنهم، أن ما ساقه الله عز وجل على يديه سيتبخر بمجرد غيابه. لا خبر لهم بطبيعة المشروع الذي أسس له ولا الرجال والنساء والشباب الذين قاموا للنهوض به. وما كان لله دام واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل.

الجماعة تشتكي مجموعة من مضايقات السلطة لماذا كانت ردود فعلكم محتشمة خلافا للماضي الذي كنتم تنزلون إلى الشارع؟

لا نقوم بردود أفعال ولكن لا نسكت عما يطولنا من مضايقات وتعسفات. ونعتمد في ذلك ما يمكن من الوسائل المشروعة ونتفادى كل ما يمكن أن يكون مزلقا للعنف وسفك الدماء. هذا مبدؤنا، أعلنا عنه منذ التأسيس وبقينا وسنبقى بإذن الله متمسكين به ما حيينا. وقد تعرضنا للاستفزاز مرات عدة، وحاولوا توريطنا في أكثر من مناسبة ولكن دون جدوى. لقد عصمنا الله عز وجل وخيب سعي البغاة الظلمة.

يلاحظ عليكم أنكم تنتقدون أمريكا في خطاباتكم لكنكم لا تترددون في لقاء مسؤولي السفارة الأمريكية في الرباط كيف؟

وهل من الكياسة أو السياسة ألا نلتقي إلا مع من نتفق؟ المعروف لدى العقلاء أن اللقاء ينبغي أن يكون مع الموافق والمخالف، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أيها أجدى أن نتحاور مباشرة مع من نختلف معه ونبلغه وجهة نظرنا ونتحدث بأنفسنا عن أنفسنا أم نترك ذلك لخصومنا، فماذا تتصور سيقولون عنا؟ عجيب أمر بعض الناس لا تسلم من ألسنتهم الحداد كيفما صنعت. إن لم تحاور فأنت متطرف متزمت وإن حاورت فأنت مشبوه عميل. في الواقع نحن منفتحون على محاورة الجميع أمريكيين وأوربيين وغيرهم. نحاور على مرأى ومسمع من الجميع لا نتخفى ولا نتحرج، حاورنا البعض في بيوتنا وخارج بيوتنا ولم يفرض أحد قط علينا لا زمان ولا مكان الحوار.

هل صحيح أن البطء الذي عرفه ملف نادية ياسين يعود إلى تدخل السفارة الأمريكية لدى السلطات المغربية؟

الخبر اليقين تجده عند المسؤولين في السفارة الأمريكية فهم وحدهم من يمكن أن يؤكدوا لك ذلك أو ينفوه. وأيا ما كان الأمر، فملف الأستاذة ندية ياسين شهادة حية يفضح، ضمن أشياء أخرى، مزاعم دولة الحق والقانون ووضعية القضاء في بلدنا.