أجرى موقع هسبريس حوارا مع الأستاذ عبد الله الشباني، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، حول مجموعة من القضايا التي تخص الجماعة والمشهد السياسي، نعيد نشره تعميما للفائدة:

ما هي قراءتكم الواقعية، أستاذ عبد الله الشباني، لمكانة جماعة العدل والإحسان حاليا داخل المشهد السياسي بالمغرب؟

أولا، أتقدم بالشكر لموقع هسبريس المرموق في شخص الصحفي حسن الأشرف على طلب هذا الاستجواب.

منذ حوالي أربعين سنة وجماعة العدل والإحسان تمارس العمل السياسي الفعال في العمق، بدء بالموقف السياسي الفريد والمتميز حينما أرسل العالم المجاهد الأستاذ عبد السلام ياسين رسالة “الإسلام أو الطوفان” للملك الراحل غفر الله له؛ وفيها وضع الأصبع على أصل الداء في حياتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية: استبداد الحكام الظَّلمة ونظام الملك الوراثي. وطول هذه المدة والجماعة تتشكل وتترعرع على هذا الموقف الاستراتيجي ثابتة على رؤيتها، وأكدته برسالة القرن في الميزان ومذكرة “إلى من يهمه الأمر” و “جميعا من أجل الخلاص” وغيرها من المواقف.

وللجماعة فعل سياسي خارج الخطوط الحمراء التي يضعها المخزن. ويحرص المخزن على أن يجعل من كل فعل سياسي داخله عقيما لا يثمر تغييرا حقيقيا أبدا. سلوكنا السياسي ليس ممارسة سياسوية تقليدية يرضى عنها المخزن، وغايتها مقاعد برلمانية أو حقائب وزارية تنشط بهلوانية السيرك أو حركية وزراء حكومة الواجهة لا الفعل.

ولا ينكر منصف مساهمة الجماعة غير المباشر في تطور الفعل السياسي للأحزاب والجمعيات، فهي أول من يكسر الأقفال والطابوهات المخزنية واعتصام 8 ماي 1990 الألوفي أمام البرلمان في عهد الحسن الثاني أول شاهد على ذلك، وكذا المسيرات المليونية والبيانات والتصريحات التي خرقت حدود المقدسات المخزنية.

وحتى الحكومة الحالية تدين لحركة 20 فبراير، التي كان صلب قوتها حضور الجماعة، في قبول المخزن مكرها بها. وتنزه الجماعة نفسها عن عبث المشاركة السياسية العقيمة، وتصمد في ميدان التدافع السياسي عبر دائرتها السياسية، وتواصل الأبواب المفتوحة على كل ذي مروءة وذمة صادقة في العمل على تغيير حقيقي.

طيب.. أشرت إلى حضور قوي للجماعة داخل حركة 20 فبراير، لكن البعض يرى أن الجماعة خرجت خاوية الوفاض من هذا الحراك المغربي؛ أي أنه بمنطق الربح والخسارة فإن الجماعة خسرت ولم تربح شيئا.. وذلك بسبب جمود أدوات التحليل السياسي للجماعة وقيادتها.. فما ردكم؟

سلوك الجماعة السياسي مبني على مبادئ وقيم وأخلاق. ومنطق الربح والخسارة المتداول في السلوك السياسي الكلاسيكي لا يزعزعها عن إستراتيجيتها ورؤيتها وخطتها التي تحكمها المبادئ والقيم والأخلاق. لا نزايد ولا نراهن ولا نركب الأمواج العابرة لتحقيق أهداف سياسوية عقيمة.

مساندتنا لشباب 20 فبراير تندرج ضمن مبدأ نصرة المستضعفين، وكل مطالب بحقه ومحتج على الظلم والفساد والاستبداد. لكن وعينا بدهاء الآلة السياسية المخزنية القروني في الاحتواء والتوجيه والتحكم تجعلنا ننتبه ونتوقف عندما يقتضي الأمر ذلك. وكذلك عدم اقتناعنا بجدوى المسارات التي يضطر إليها بعض الفاعلين السياسيين مع احترامنا لها: ملكية برلمانية أو دستورية إن هي إلا أسماء جديدة لملكية مخزنية على الأرض.

ينتقدكم البعض كونكم في الجماعة تهاجمون نظام الاستبداد وحفل الولاء والركوع..الخ.. غير أنكم في الجماعة تقدسون شخص المرشد عبد السلام ياسين، مما لا يختلف كثيرا عن ما تنتقدونه إزاء النظام الحاكم..فما قولكم؟

القليل من يعرف أن الأستاذ المرشد، بارك الله في عمره، مؤسس لمدرسة العدل والإحسان، وضع منهاجا مجددا في التربية والتنظيم والفكر والسياسة. عالم رباني مجتهد مجاهد؛ حامل لهمّ الأمة بذل ويبذل أقصى الجهد في بناء جماعة تكون في خدمة الأمة.

ألا يستوجب منا هذا احتراما وتقديرا ومحبة لهذا الرجل؟.. أما إشاعة التقديس فهو من الخزعبلات التي لا يصدقها عقل.. نحن لا نركع للمرشد بل هو يحثنا على الركوع لله لا للملوك.

وعلى مر تاريخ تسلط حكام الجبر، وكلما ظهر عقل جامع للعقول وقلب جامع للقلوب يصنع تكتلا قويا فاعلا ووحدة في الفكر، يهدد هيمنة وتسلط المخزن إلا صب عليه وابلا من الإشاعات لتشتيت هذا الإجماع، فشعاره “فرق تسد”. وما حصار العشر سنوات للمرشد ببعيد عن هذا المنطق. لكن هيهات، فلقد كان دائما هَمّ المرشد بناء جماعة منظمة مستقلة عنه تكتسب قوتها من وحدتها واستقلاليتها بمؤسساتها.

يتحدث البعض عن خلافة الشيخ ياسين.. أو جماعة العدل والإحسان ما بعد مرحلة ياسين.. هل لا يتم التفكير في مثل هذا الموضوع داخل الجماعة؟

يُعذر من يسأل عن قضية الخلافة والوراثة؛ فولاية العهد في الملك الوراثي أمر ألفه الناس واستقر في نظام تفكيرهم. حتى في الطرق الصوفية يتساءل المريدون من وارث سر الشيخ، وكذلك في كثير من أحزابنا وشركاتنا وجمعياتنا يتوارث الأبناء حزب الأب أو شركته أو جمعيته.

الأستاذ المرشد لا هو شيخ صوفي وحوله أتباع مريدون، ولا ملك يورث الملك لولي عهده، ولا ذاك ولا ذاك، إنما هو مؤسس فكر ومنهاج ومدرسة متعددة الأبعاد: تربوية وتنظيمية وسياسية. وهو كذلك مؤسس جماعة منظمة ذات مؤسسات متعددة وأعضاء تؤهلهم كفاءاتهم ومؤهلاتهم وبذلهم واستعدادهم للعمل، وتحمل المسؤولية ضمن هذه المؤسسات.

مؤسسات تحكمها قوانين يصادق عليها شوريا لا دخل للزبونية فيها ولا للقرابة العائلية. ولم أقل ديمقراطيا لأننا نعتز بالشورى، فهي ديمقراطيتنا وزيادة. الشورى عبادتنا السياسية.

لجماعتنا مجلس الشورى، الهيأة المقررة العليا والتي تنتخب مجلس الإرشاد والمرشد العام، ويتكون هذا المجلس من الهيأة العامة للتربية والدعوة وهيأة العامة لعمل المؤمنات، والأمانة العامة للدائرة السياسية، وفعاليات أخرى. ليست للأستاذ المرشد نزوة إنشاء جماعة أتباع يتربع على عرشهم وتنتهي بوفاته.

زوجتكم نادية ياسين نجلة المرشد.. يتحدث البعض عن دور قيادي مستقبلي لها في تسيير دفة الجماعة في مرحلة ما بعد الشيخ ياسين.. إلى أي مدى هذا الأمر صحيح؟

ندية، حفظها الله، هي مؤسسة القطاع النسائي ووجه الجماعة المشرف في ميادين الفكر والسياسية والعمل النسائي الوطني والعالمي، وصاحبة المواقف القوية اتجاه المخزن، لها مكانتها في مؤسسات الجماعة مثلها مثل نساء قياديات أخريات. تتقدم للمسؤوليات القيادية من تقدمها المجالس الشورية بالانتخابات، وتقدمها كفاءاتها واستعدادها.

حوالي ربع مجلس الشورى نساء، وحوالي الخمس منتخب في الأمانة العامة للدائرة السياسية، والهيأة العامة لعمل المؤمنات تتكون من نساء تسير عمل “المؤمنات” باستقلالية كاملة ضمن ذات الجماعة الواحدة.

لنعرج الآن لو سمحتم على حزب العدالة والتنمية الذي مرت على تسلمه قيادة الحكومة عدة شهور.. البعض مُحبَط من نتائج الحكومة الحالية..كيف تقرأ جماعة العدل والإحسان ما حققته الحكومة إلى حدود اليوم؟ وما نواقصها برأيكم؟

حزب العدالة والتنمية كان يسمى الحركة الشعبية الديمقراطية الدستورية، وزعيمه السابق وأبوه الروحي هو “رجل القصر”، كما صرح لي بذلك بنفسه الدكتور عبد الكريم الخطيب رحمه الله.

كان حزبا نائما فسيق إليه شباب طُهر صادقون من جماعة التوحيد والإصلاح. جماعة أصلها جماعة “الشبيبة الإسلامية” كيد لها من طرف القصر في قضية مقتل عمر بن جلون، فجرمت، فأجبر بعض قيادييها على المنفى واقتيد البعض الآخر إلى السجن المؤبد واحتضن الآخرون من طرف أجهزة المخزن ضمن مسار بناء حركة إسلامية رسمية على مقاس المخزن. فلا غرابة أن تلتقي جماعة اختارت “اضطرارا” أن تكون ملكية، بحزب ملكي يضمن تأطيرها في مسار مخزني يستعملها عند الحاجة، وقد وقع.

الحياة السياسية الحقيقية يديرها القصر ومستشاروه و”العفاريت والتماسيح”. أما الحكومات المعينة فدورها أن تملأ خانة الواجهة، لا قرار لها في تدبير شؤون البلد إلا فيما لا أثر له على هيمنة القصر وحاشيته من السياسيين وأصحاب الأموال.

ولا ننتظر من حكومة شعارها “خدمة الملكية واستقرار الملكية”، بتعبير الأستاذ عبد الإله بنكيران، الحامية للاستبداد والفساد على حساب معاناة الشعب، أن تنجز شيئا.

وأكبر إنجاز قامت به العدالة والتنمية هو إطفاء بصيص الأمل الذي كان عند الشعب في الحركة الإسلامية، وإعطاء ولاية كاملة مهلة لأجهزة المخزن لإعداد ورقة أخرى لولاية أخرى يمنّي بها المخزن الشعب، كما فعل مع حكومة الاشتراكيين والتقنوقراطيين وآخرين.

مورست ضد الجماعة بعض أنواع التضييق الأمني.. وأيضا اتهامات بعض قيادييها بتهم أخلاقية.. ماهي قراءتكم لهذه الممارسات إزاء الجماعة، وكيف تواجهها سياسيا؟

الكثير من أنواع التضييق الممنهج والمستمر بدء باعتقال المرشد سنة 1975 وصاحبيه رحمهما الله لحوالي 4 سنوات في موقف الإسلام أو الطوفان، ثم اعتقاله سنة 1983 لسنتين وحصاره لعشر سنوات، ثم اعتقال معظم قادة الجماعة لمدد مختلفة، ثم حظر صحفنا ومجلاتنا، وتلفيق التهم وفبركة الملفات في آلاف المحاكمات ومئات سنوات الحكم، والتضييق في الأرزاق وتشميع البيوت وقفل المقرات، ومنع المخيمات وتكسير الجماجم والعظام في المسيرات والوقفات..وآخرها هبوط المخزن إلى درك الاتهامات الأخلاقية التي لا يصدقها عاقل إزاء أطهر الناس.

نعتبر هذا طبيعيا إذ تمثل جماعة العدل والإحسان أعدى أعداء المخزن، والتهديد الأكبر لوجوده واستمراره. وطريق الجهاد من أجل تغيير حقيقي مقترن دائما بالتضحية والبذل والصبر على الابتلاء الذي يختبر صدق المجاهد. نصمد بقوة الله ونثبت بذكر الله ونحتج ونندد ما وسعنا ذلك، ولا نشكو مصابنا إلا إلى الله عز وجل عليه نتوكل وإليه ننيب. ونحن متيقنون من نصر الله.

للمخزن أجهزته وأبواقه وصحافة مكتوبة ومسموعة والكترونية ومرتزقته في مختلف المجالات، التي لا شغل لها إلا محاربتنا بميزانيات وصناديق سوداء من أموال الشعب، وهذا لا يزيدنا إلا قوة وصلابة في الحق، ولا يزيد المخزن وأعوانه إلا ذلا وهوانا. قال الله تعالى: إن كيد الشيطان كان ضعيفا، وقال سبحانه: ومكر أولئك هو يبور.