قدمت جماعة العدل والإحسان في جلسات الاستماع التي أطرها المقرر الأممي لمناهضة التعذيب السيد خوان مانديز يوم الأربعاء 19 شتنبر 2012 بسلا نماذج هي غيض مما فاض به مخزن هذه البلاد من ضحايا حملته المنظمة الضاغطة على الجماعة، والهادفة إلى الحد من انتشارها وشعبيتها.

إن تاريخ مظلومية جماعة العدل والإحسان ومرشدها الأستاذ عبد السلام ياسين بدأ عام 1974 إبان كتابته رسالة “الإسلام أو الطوفان”، ولا تزال هذه المظلومية مستمرة متسارعة الوتيرة متصاعدة الحدة إلى اليوم، وهي، بهذا، تعد من القضايا الأطول عمرا في تاريخ انتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة في تاريخ المغرب الحديث، والتي كان ضحيتها على مدى 38 عاما الآلاف من ضحايا التعذيب والاختطاف والتضييق والمعاملة القاسية والمهينة للإنسان الذي خلقه الله عز وجل كريما عزيزا.

ويتخذ تضييق الدولة على الجماعة عدة أوجه، إذ تُحْرَم الجماعة من حقها في التعبير عن نفسها وفي التواصل مع الشعب وفي التحرك الميداني وفي مزاولة أنشطتها، ومن حقها في الإعلام وفي الفضاءات الجمعوية والثقافية والسياسية والعمومية… وسيقت، في هذا السياق، الآلاف من النساء إلى مخافر الشرطة معتقلات ومعهن كثير من الأطفال مع ما يصاحب هذا الجرم من تعنيف جسدي ونفسي لا يراعي حرمة الإنسان ولا خصوصية المرأة ولا حساسية وطبيعة الأطفال والرضع.

وأضيفَ إلى هذه الحملة العنيفة والممنهجة من طرف الدولة على الجماعة المعروفة بانفتاحها وبوضوح خطها وبسلميتها وبرفضها المطلق للعنف بكل أشكاله وتجلياته… أضيف إلى هذه الحملة الشعواء توظيف بعض الأصوات والأقلام المأجورة لتقوم بمهمة التعمية على جرائم النظام وطمس آثار بصماته فيها.

وقد اتخذت هذه الهجمة الشرسة المزمنة أبعادا خطيرة وتصاعدت وتيرتها منذ عام 2006 مع الأبواب المفتوحة التي نظمتها الجماعة آنئذ.

التعذيب، في بلادنا، وجه من وجوه الظلم، ومعلم من معالم القهر الذي يستند إليه الاستبداد. وأخطر ما في الأمر أن التعذيب في المغرب يمارَس بشكل ثابت وممنهج، وهو يشكل بهذا، إلى جانب عناصر أخرى، عنصرا مشتركا بين العهدين القديم والجديد. والتعذيب في المغرب ليس سلوكا فرديا معزولا بل هو منهج ثابت وأصيل ويدخل في صميم معالجة المخزن للقضايا السياسية والأمنية والعامة رغم ما بذله ويبذله من أجل التعمية عليه.

فلا ننس الملفات الحقوقية التي فضحت ما تعرض له الكثير من المناضلين والناشطين السياسيين والشرفاء من تعذيب بلغ درجة التواتر وشهدت بفظاعته الهيئات الحقوقية الوطنية والدولية.

ولا ننس ما عاناه مناضلو الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وفي مقدمتهم طلبة العدل والإحسان الإثنا عشر، الذين طالهم السجن والتعذيب إبان فترات مختلفة من تاريخ الاتحاد، وخاصة إبان صدور المذكرة الثلاثية عام 97 حيث تعرض الطلبة، من جملة ما تعرضوا له، لتعذيب جماعي داخل الحرم الجامعي بعد اقتحام القوات العمومية لها…

ولا ننس معتقلي أحداث 16 ماي الذين خضعوا لأبشع أنواع التعذيب لانتزاع الاعترافات التي يريدها الجلاد، وكشفت الأيام استمرار مسلسل تعذيبهم على مدى تسع سنوات…

ولم يشفع للفنان رشيد غلام فنه ولا رمزيته الفنية وإشعاعه الدولي للإفلات من التعذيب والتعنيف عند اختطافه عام 2007 قبل أن تنسج له الأجهزة الأمنية سيناريو تهمة ممجوجة.

أما معتقلو فاس القياديين السبعة في جماعة العدل والإحسان فقد تعرضوا لتعذيب وحشي همجي أشرفت عليه ونفذته ذئاب بشرية تأتمر بأوامر عليا.

وكان نصيب ناشطي الحراك المغربي ومعتقليه وافرا من التعذيب ومن المعاملة الحاطة من الكرامة الإنسانية. وهل استشهد كمال عماري إلا بسبب مباشر من التعذيب الوحشي الأعمى الذي تعرض له على رؤوس الأشهاد؟

كما أنه لا ينبغي حصر قضية التعذيب في ملفات معتقلي الملفات السياسية وتناسي ملفات معتقلي الحق العام، وتكفي الإشارة في ما يجري من تعذيب في مخافر الشرطة والدرك في معظم مناطق البلاد حيث لا حسيب هنالك ولا رقيب، وحيث يسري قانون يلعب به مزاج الجلادين وسلطاتهم وزبونيتهم في بيئة اجتماعية يكتسحها البؤس والأمية، ويرسّخ فيها المخزن، على مدى زمن طويل، الخوف والرهبة من أبسط أعوانه.

وإلى هذا يضاف وضع السجون ومراكز التحقيق التي تعتبر مجرد “الإقامة” بها تعذيبا وأي تعذيب، إذ لا يتوفر فيها الحد الأدنى من الشروط الصحية والأخلاقية والإنسانية. فلا تسل عن مستوى الرطوبة المهلك والحيطان المهترئة، ولا عن المراحيض المكشوفة التي تمس الإنسان في عمق كرامته، ولا عن الاكتظاظ الذي تنتشر معه الأمراض والمآسي الأخلاقية الفظيعة، ولا عن التعذيب الذي يقر المتهم معه، لوحشيته، بكل ما يمليه عليه السجان وصاحب السلطة.

إن تفشي التعذيب بأشكاله وألوانه والطبيعة الممنهجة التي تطبعه ما هي إلا إفراز للطبيعة الاستبدادية للمخزن، واستمرار التعذيب الممنهج هو من أبرز الأدلة على كذبة التغيير المزعوم التي جاء بها الدستور الممنوح، فالعلل والاعتلالات الكثيرة التي يعاني منها البلد ومؤسساته وأسلوب تدبيره تستعصي على العد، ولا أدل على هذا من أن أكثر الأجهزة حساسية وخطورة – وزارة الداخلية وأجهزة المخابرات على سبيل المثال – لا سلطة للحكومة عليها. ومعلوم أن في دهاليز وأقبية هذه الأجهزة ترتكب أفظع الخروقات التي يندى لها جبين الإنسانية.

وبمناسبة الإثارة القوية لملف التعذيب بالتزامن مع زيارة مقرر الأمم المتحدة، لا بد لهيئات المجتمع الحرة والمستقلة، السياسية منها والمدنية والحقوقية، من إطلاق ورش كبير متواصل ومنهجي لجعل قضية التعذيب من أهم القضايا التي لا ينبغي أن يحصل حولها أي خلاف أو حسابات خاصة ما دامت توحدها جميعا المعاناة الأليمة للضحايا الذين يشتركون في مسرح الجرائم التي ترتكب في حقهم والآثار الخطيرة الجسدية والنفسية والاجتماعية التي ترافقهم في حياتهم.