1 ـ تقديم

يحتل مفهوم التغيير مكانة بارزة في النظام المفهومي لفكر الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، إذ هو محور كل تصوراته وكتاباته رغم تنوع القضايا التي تناولتها. فلا يكاد يخلو واحد من كتبه من الحديث في الموضوع تصريحا أو تلميحا. بل إن مشروع الأستاذ المرشد غايته في الحقيقة تغيير الإنسان وواقع الإنسان بكل مشمولاته. وقد حرص الأستاذ المرشد على صبغ مقاربته لهذا المفهوم بنفس الخصائص التي اصطبغ بها فكره وهي: الأصالة والعمق والوضوح والنظرة الاستراتيجية والشمولية. ولعل الأمر يبدو طبيعيا ومنسجما مع الخاصية التنظيرية التجديدية لفكر الأستاذ عبد السلام ياسين.

وقد ورد الحديث عن طبيعة التغيير المنشود وآفاقه ومقوماته ووسائله وثمراته، مجملا ومفصلا، في معظم كتبه. ويعد الفصل الرابع من كتاب إمامة الأمة المعنون “بالتغيير” جامعا لما أنتجه الأستاذ المرشد في الموضوع. فهذا الفصل رغم قصره (9 صفحات) إلا أنه احتوى، في تقديري، مجمل تصوره لمفهوم التغيير. أما تفاصيل مشروع التغيير فإنها مشروحة بغزارة في كتبه المختلفة.

سنتطرق في هذه المقالة الموجزة لبيان طبيعة التغيير المنشود وحقيقته ثم مطالبه ومقوماته وأخيرا العوائق التي تواجهه.

2 ـ طبيعة التغيير وحقيقته

في تناوله لمفهوم التغيير، انطلق الأستاذ المرشد من تبيان أصالته من خلال التأكيد على أن مرجعه القرآن الكريم

في كتاب الله عز وجل وحدَه علمُ هذا التغيير الإسلامي، وفي قلوب العلماء العارفين بالله نور الإيمان، وفي السيرة النبوية الشريفة النموذج) 1 . لذا كان أول ما بدأ به أن ساق الآية الكريمة التي تعرض سنة التغيير في الخلق في قول الله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال (سورة الرعد: 11) ثم عَقّب: في طريقنا إلى دولة القرآن، وفي خَطَوات دولة القرآن نحو مجد الإسلام، لا دليل لنا في المهمات، وفي تحديد الأهداف والغاية، إلا كتاب الله عز وجل كما طبقته سنة رسوله عليه من الله الصلاة والسلام) 2 . وهو بهذا يريد التمييز والتميز والتجديد. فالتغيير الذي يُنظّر له يختلف عما تطمح إليه الحركات الأرضية التي تتغيّى تغيير أوضاع مادية بأخرى بديلة واستبدال فئة مهيمنة بأخرى وإحداث تحولات سياسية واقتصادية فقط. بينما يعتبر الأستاذ ياسين بأنه جاء في القرآن اقْتِرانُ تغيير الأحوال بتغيير ما بالنفس) 3 . فإذا كان الآخر يهدف من الثورات إلى تغيير بنيات المجتمع، وبناء اقتصاده، وإصلاح نظامه السياسي. ثم لا شيء بعد ذلك إلا هذه الثقافةُ الثوريةُ، والفنُّ الثوريُّ، وما يواكب الثورة من عنف، واستبدال طبقة بطبقة، ومادية اشتراكية بمادية رأسمالية) 4 ، فإن القرآن الكريم يشير أيضا إلى تغيير المجتمع، بنياتِه واقتصادِه وسياستِه، ويُشَرِّعُ لذلك شرائع، ويرسُم له منهاجا. لكن ذلك التغيير لا يدور حول نفسه، ولا ينتهي عند مقدماته، بل يدور حول الإنسان، ويخدُم غاية تحرير الإنسان من كل عبودية، ليدخل في العبودية لله عز وجل) 5 . فالغاية العظمى للتغيير ومحور حركته ومحط طموحه إنقاذ الإنسان من ظلام الكفر، وقتامة النفاق، وقذارة معصية الله، وغبش الغفلة عنه، المؤدية إلى بؤس الدنيا وعذاب الآخرة) 6 . أما ما يُحسِّن أحوال معاش الإنسان، من تنمية اقتصادية وحرية سياسية وفاعلية اجتماعية وغيرها فلا تعدو أن تكون، رغم أهميتها وضرورتها، وسائل تساعد على استقرار حياته وتُقلِّص أمامه العوائق ليسمع نداء الله فيستجيب لدعوة الله.

طالع أيضا  التغيير معناه ومبناه في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين (2)

فالتغيير الذي يدعو إليه الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين ويَجِدُّ في تحقيقه ليس حركة عابرة في تاريخ البشرية ولا نقلة طارئة في حياة الإنسان بل هو تغيير عميق وكُلّي. تغيير ينقد الإنسانية الشاردة في تيه الضلال والصراع والمعاناة والشقاء ليرُدّها إلى بر الأمان والاستقرار والسعادة. تغيير ينتشل الإنسان الغارق في شهواته السادر في غَيّه وعبودية نفسه وأهوائه والغافل عن مصيره ومآله. التغيير بهذا المعنى سيرورة وحركة دائبة ودائمة في حياة الإنسان وحياة البشرية جمعاء. إنه تغيير جذري في تصور الإنسان لنفسه، وللعالمين الدنيويِّ والأخروي، وللمسؤولية بين يدي الله بعد الموت، هو رسالة القرآن الخالدة إلينا. ما خلق الله الخلق إلا ليعبدوه، فإن ضيعوا هذه الغاية فكل تغيير دونها لا حساب به، ولا وزن له في حياة البشرية. ليست القومة الإسلامية ثورة قطرية إقليمية تنتهي مهمتُها عند تغيير بُنى المجتمع، وتنشيط اقتصاده، وتطوير وسائله. بل هي رسالة القرآن إلى الإنسان أن يغير موقفه، وينتبه لمصيره، ويُقْبِل على نفسه يُغَيِّرُ ما بها لتُقْبِلَ على ربها) 7 .

3 ـ شروط التغيير

التغيير، في تقدير الأستاذ المرشد، ارتقاء من حضيض الجاهلية إلى عزة الإسلام ومن ذل الوهن إلى عز القوة بالله. فهو بهذا ليس أماني وأحلاما بل هو فعل مُؤثّر في الواقع دونه جِدٌّ واقتحام وله شروط ومطالب ومقومات. وقد حدد الأستاذ ياسين شروط التغيير في ثلاثة: الإرادة الحقيقية للتغيير والتعبئة الكاملة لتحقيقه ثم ضرورة حضور ومشاركة الطليعة جنبا إلى جنب مع العامة.

من أخطر الأعطاب التي أصابت المسلمين وأوغلت بهم في أثون الضعف والذل وتبعاتهما استقالتهم من الاهتمام بشؤون أمتهم وإغراقهم في الانشغال بالهم الفردي الدنيوي أو الأخروي. وقد استندوا في مسلكهم هذا إلى مقولات كثيرة سواء كانت ذات مرجعية دينية أو عرفية وغاب عنهم إدراك أن خلاصهم الفردي مقترن بخلاص أمتهم في الدنيا والأخرى. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من أصبح وهمه غير الله عز وجل فليس من الله في شيء، ومن لم يهتم للمسلمين فليس منهم” رواه الحاكم في “المستدرك”. ولاشك أنه كان، ومازال، للحكام المستبدين وخُدّامهم دور بارز في تعميق هذا الوضع الخطير فهم المستفيدون الأُوّل منه لأجل ذلك مافتئوا يُسخِّرون قدرات الأمة وإمكاناتها لتأبيد هذه الحالة المرضية وإطالة مدتها. بناء عليه يقرر الأستاذ المرشد ياسين أن أول شرط حاسم لتحقيق التغيير حدوث شوق لدى الأمة إليه وتحرك إرادتها في اتجاهه. يولد هذا الشوق ويستثير تلك الإرادة نفور الناس من الذل والمهانة والتخلف ورغبتهم في الانعتاق منها جميعا. يقول الأستاذ: “إن التغيير الإسلامي متوقفٌ على مشاركة المسلمين عامة في الاهتمام بمصير أمتهم بعد نجاح القومة الإسلامية، وإلا ضَمُرَتْ وذَبُلَتْ، ثم ماتت معانيها، بتدني طموحاتها المخذولة، وفشل محاولاتها من فوقُ. إننا بحاجة أن تنبعث هذه الإرادة المغيرة الفاعلة من داخل صدور الملايين، وقد ألِفَتْ الملايين قرونا أن تضع أمرَها بين يدي الحاكم، وتتواكل إليه، وتسكت عنه. فيا من يبيع الأمةَ غَيْرَةً، ويا من يُهْدِيهَا علما، ويا من يأخذ بتلابيبها زَجْراً، لتنبذَ ذهنية الخنوع التي صيرتنا مفعولا به في التاريخ منصوبا لكل ذل بعد أن كنا فاعلا مرفوعا عزيزا!)8 . إلا أن إرادة الأمة الانعتاق من ظروف المهانة والتخلف والضلال وإزالة أسبابها والتطهر من أعراضها، كل هذا يظل أماني معسولة وأحلاما لذيذة إن لم تتحول تلك الإرادة إلى تعبئة عامة وحركة دائبة متصاعدة وفق مشروع واضح ورؤية صحيحة للتغيير. لقد سبتت الأمة طويلا وكمنت لقرون في أرض الخمول ورضيت، طوعا أو كرها، بالتنازل عن حقوقها وأدوارها لفائدة الحاكم المستبد الذي أوغل في تطويق إرادتها وقهر رغبتها في الانعتاق منه حرصا على إدامة حالة الخنوع والرضوخ لسلطانه. لذلك فلا يمكن تصور تغيير حقيقي لا يرجع للأمة هيبتها وكرامتها ويحرر إرادتها ولا تَحقُّقَ لهذا الأمر إلا بتعبئة كاملة وشاملة في صفوف السواد الأعظم من الناس. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: إن مبادرات التغيير التي تتخذها القيادةُ تبقى مولوداً ميتا، أو تعيش كائنا هزيلا، إن اصطدت بأرضية الخمول، ووُكِلَ تنفيذُها “للروتين” الإداري، ولم يَتَبَنَّها الشعب) 9 .

ويقترن بشرطي الإرادة والتعبئة العامة شرط آخر لا يقل عنهما أهمية بل يتوقفان عليه ألا وهو يقظة الطليعة المجاهدة والتحامها بعامة الأمة. فعلى كاهل هذه النخبة يقع واجب توعية وتأطير الجماهير وتعبئتها وتنظيمها لتتحول من غثائية لقوة تغييرية جارفة تجتث الاستبداد والفساد وتستعيد زمام أمرها بيدها لتفتح الطريق لنصرة دينها وإقامة عدله وإحسانه في الأرض وفي قلوب العباد. ويشترط الأستاذ المرشد في الطليعة المجاهدة القادرة على تحريك أمتها نحو التغيير الجذري تحققها بثمرات التربية الإحسانية وامتلاكها للقوة الاقتحامية. “إن كان مع جند الله الطليعةِ سرُّ تربية الإيمان، وكانوا هم أنفسُهم هاجروا تلك الهجرةَ المعنوية في النيات والجهاد، وأشرفت أرواحُهم على مقامات الإحسان، فبوُسعهم أن يدفعوا الأمة، ويتقدموا بها، ويقودوها في هجرتها، من الخرافة، والنفاق في العقيدة، والنفاق الاجتماعي، و”دين الانقياد” للحاكم، والاستقالة من الاهتمام بأمر الأمة، والسكوت والإمساك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكسل عن العمل، واستهلاك ما لا نُنْتِجُ، إلى غير هذا من الأمراض الموروثة عن فتنتنا الداخلية، أو المعدية بواسطة الاستعمار والغزو الثقافي الاقتصادي الحضاري)10 .

طالع أيضا  التغيير معناه ومبناه في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين (2)

[1] كتاب “إمامة الأمة”، عبد السلام ياسين، طبعة دار لبنان للطباعة والنشر صدر سنة 1430\2009 ص: 88\
[2] نفس المرجع ص: 85\
[3] نفسه ص: 85\
[4] نفسه ص: 85\86\
[5] نفسه ص: 87\
[6] نفسه ص: 88\
[7] نفسه ص: 91\
[8] نفسه ص: 91\
[9] نفسه ص: 89\
[10] نفسه ص: 89\