آليات التحرير

القاعدة الأولى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

قال الحق جل وعلا: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال 1 .

هذه قاعدة أساسية تغفل عنها العديد من حركات التغيير المجتمعي وهي لازمة وقانون إلهي يحدد لنا الآلية الأولى في التغيير، فالخطاب القرآني جاء فيه اقتران تغيير ما بالبشرية من أحوال بتغيير ما بالأنفس، هذا التغيير الجدري في تصور الإنسان لنفسه، وللعالمين الدنيوي والأخروي، وللمسؤولية بين يدي الله بعد الموت، هو رسالة القرآن الخالدة إلينا. ما خلق الله الخلق إلا ليعبدوه، فإن ضيعوا هذه الغاية فكل تغيير دونها لا حساب به، ولا وزن له في حياة البشرية) 2 .

فالأمة أصيبت بداء الوهن ولا علاج له إلا بإرادة الشهادة في سبيل الله وما يتفرع عنها من قدرة لتنفيذ المهمات الجهادية، هذه الإرادة المغيرة هي تلك القوة الذاتية للجماعة، إرادة تنبعت من قلب الإنسان وفكره وحركته وكل طاقته، فالواجهة المهمة التي لابد أن تشتغل عليها حركات التغيير المجتمعي هي واجهة التربية نعني تربية الإيمان بمفهومه اقتحاما للعقبة وبكل شعبه. التربية أولا ووسطا وأخيرا، ودائما. لا نفرغ من تقويم أنفسنا. ومتى ظننا أننا أتممنا تهذيبها فذلك نزغ من الغرور، وغرة بالله وطيش في ميزان الرجولة) 3 .

القاعدة الثانية: جماعة المسلمين المتلاحمة

الجماعة المؤمنة المجاهدة تركيب عضوي كالجسد الواحد. فقيادة تمثل الرأس المفكر دون أن تكون في نفس الوقت قلب الجماعة الحي، قيادة لا تجمع الكفاءتين الإيمانيتين: الرحمة القلبية والحكمة العقلية، قيادة ذات رحمة في القلب ونورانية وكرامات لاتقدر على فهم الواقع والتخطيط للمستقبل والتنفيذ، قيادة كسيحة بميزان ما نرى ونحكم) 4 .

هنا نطرح السؤال أي رجال نريد أن نربي لنستطيع بناء جماعة المسلمين التي تستطيع تنفيذ تلك المهمة التاريخية؟ يجيبنا الأستاذ عبد السلام ياسين: ينبغي أن نربي رجالا فوق مستوى الإنتماء العصبي. فغيرهم لن يبنوا جماعة، ولا يغتر الدعاة بأن تكثير العدد وحده يكون “جماعة المسلمين” مهما كان التنظيم في ظاهره محكما، لابد من تربية رجال يكونون مع الحق لامع الهوى) 5 .

وطبيعة هده الجماعة المتلاحمة هي الولاية بين المومنين، وهي الرابط المتين لجماعة المسلمين، قاعدة الشورى، الطاعة فيها لله والرسول طاعة تتكيف المصالح بها وتتلاقى عليها وتحتكم إليها) 6 .

القاعدة الثالثة: ضرورة المنهاج

أ- المفهوم والأهمية

قال ربنا جل وعلا: وأنزلنا الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق، لكل جلعنا منكم شرعة ومنهاجا 7 .

وفي تفسير لسيدنا ابن عباس رضي الله عنه: الشرعة ما ورد به القرآن والمنهاج ما وردت به السنة).

ومعنى المنهاج هو جسرعلمي بين الحق في كتاب الله وسنة رسوله وبين حياة المسلمين) 8 وهو تطبيق للقرآن وتجسيد في حياة الفرد وتاريخ البشر لتعاليمه) 9 ، ويقصد به كذلك البيان العلمي الذي يكون حافزا مجليا لرؤية الأهداف والغايات ولوعي الموقف وسلوك المنهاج المنقذ برغبة وطلب. ولعل هذا التعريف قريب من تعريف معنى الإيديولوجية عندما يستعملون اللفظة استعمالا إيجابيا) 10 .

طالع أيضا  الأمة بين منطق الاستكبار ومطلب التحرر من عقلية الاستضعاف ج 2

قد يسأل سائل لماذا المنهاج؟

لأن المنهاج هو:

– الطريق الواضح وهو جسر آلة العمل ومرشد العمل.

– الجسر بين الحق في كتاب الله وبين حياة المسلمين.

– اكتشاف جديد للمحجة البيضاء التي تركنا عليها سيدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه.

– الفقه الجامع للقلوب على الله عزل وجل.

– الموحد للجهود للجهاد في سبيل الله.

– الموحد للعقول للفهم على الله عزل وجل.

– الجامع لخلاص الفرد وخلاص الأمة في مشروع متكامل، عنوانه العدل والاحسان يؤاخي بين الدعوة والدولة.

ب- خصائص المنهاج

للمنهاج خصائص تميزه وهي متعددة يمكن اجمالها في:

– خاصية الوضوح

الوضوح في المهمة، الوضوح في الوظيفة، الوضوح في المواقف فلا نعمل في إطار مغلق على أنفسنا مهما كانت دواعي التستر. ولا نعمل في إطار مغلق عن الشعب) 11 .

– الأصالة

يستمد المنهاج أصالته من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو –أي- المنهاج النبوي ذلك الصراط الذي تضع فيه قدميك على قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم) 12 .

– الشمولية

المنهاج هو ذاك المشروع الشامل لخلاص الفرد والجماعة والجامع للدعوة والدولة، والدنيا والآخرة بحيث يجمع كل المجالات، يقيم الماضي ويشخص الحاضر ليستشرف المستقبل المنهاج النبوي ضروري لتفسير التاريخ والواقع، ضروري لفتح النظرة المستقبلية، ضروري لرسم الخطة الإسلامية دعوة ودولة، تربية وتنظيما وزحفا، ضروري لمعرفة الروابط الشرعية بين أمل الأمة وجهادها، ضروري لمعرفة مقومات الأمة وهي تبحث عن وحدتها، ضروري لإحياء عوامل التوحيد والتجديد، ضروري لمعالجة مشاكل الأمة الحالية قصد إعادة البناء) 13 .

– النسقية

تعني النسقية ذلك التكامل في طرح المشاريع بنسق واضح لتحليل الواقع ونقده وتحليل التاريخ، ورسم مسار ممكن للمستقبل. وهذا هو مطلب حيث أصبحت الحاجة أكثر إلى “وضوح مبادئ العمل، وإلى ترتيب، وإلى معرفة “منهجية” وإلى تجربة علمية، وإلى التأكد العلمي من صحة المقترحات وصلاحية نتائجها خصلة إيجابية تهيء المجال للحوار الناقد النزيه الحريص فقط على معرفة الحق) 14 .

طالع أيضا  الشعوب العربية.. والحاجة إلى وعي تحرري

– الإجرائية

ويقصد بالمفهوم هو أن المنهاج: تمثل واقعي وممارسة يومية لا فكر نظري على الأوراق وفعل حاضر في كل ميدان وفي أي مجال، قمة التحدي أن ينزرع الإسلام في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، أن ينتقل بالجهاد الدائب اليومي من دعوة إلى حياة، من مثال إلى واقع، من مطمح عال إلى إنجازات عينية) 15 .

– المستقبلية

يفتح المنهاج آفاق للمستقبل بحيث لا يجعل صاحبه يحن للماضي وتراثه، بل هو إعداد لمستقبل الإسلام حيت الموعود الإلهي والوعد النبوي بالخلافة على منهاج النبوة.


[1] سورة الرعد الآية 11.\
[2] كتاب إمامة الأمة للأستاد عبد السلام ياسين الصفحة 88.\
[3] كتاب المنهاج النبوي للأستاد عبد السلام ياسين ص 350.\
[4] المنهاج النبوي ص 133.\
[5] المنهاج النبوي ص 25.\
[6] “حوار مع الفضلاء الديموقراطيين” للأستاد عبد السلام ياسين ص 85.\
[7] سورة المائدة الآية 48.\
[8] “المنهاج النبوي”، ص 4.\
[9] “مقدمات في المنهاج” للأستاذ عبد السلام ياسين ص 25.\
[10] “الإسلام غدا”، ص 605.\
[11] “المنهاج النبوي”، ص 233-234.\
[12] “المنهاج النبوي” ص 456.\
[13] نظرات في الفقه والتاريخ، ص 12.\
[14] “مقدمات في المنهاج”، ص 23-24.\
[15] “مقدمات في المنهاج”، ص 31.\