القطرية

من هنا كان للقطرية معنى لتتخذها الجماعة إحدى التأمينات المطمْئنة من جهة، ومن جهة أخرى حتى لا تتشتت الجهود المطلوب جمعها لتتظافر، وحتى لا تهيج الظنون والشكوك بدل تبديدها لتتناثر، وحتى نسعى إلى تقريب وجهات النظر في ميثاق وطني إسلامي ميسر، لا إلى توسيع دائرة الاختلاف المؤدي إلى الخلاف، فتختلف القلوب بدلا من أن تتوحد وتتآلف، وتتناكر الأرواح بدلا من أن تَتشامَّ وتتعارف، وتتنافر العقول وتتدابر بدلا من أن تتقارب وتتحالف…

والقطرية بداية المطاف لا نهايته، لكنها أسه الذي عليه يبنى، وأصله الثابت الذي عنه تصدر الفروع المورقة المزهرة المثمرة.

صحبة الشعب

يقول الولي المرشد الطبيب، الوالد المعلم الحبيب: لن يكون لحركتنا وزن، ولا لقومتنا معنى، ولا لبذرنا جنى، حتى نتحول من حزب إلى شعب).

الحزب وإن كان الأقوى شعارا، والأكثر عددا، والأحسن تنظيما، والأفضل برنامجا، والأنجح سلوكا، والأرجح نتائج، والأقل أخطاء وعيوبا، يبقى حزبا من جملة الأحزاب المتشاكسة، والمتنافسة على السلطة وحيازة أصوات الشعب وثقته ودعمه ومساندته، والمعول على أن لا تبقى حزبا هو رقم من الأرقام، وطيف من الأطياف، وصنف من الأصناف، بل المعول عليه أن تتحول إلى شعب يتبنى ما تتمناه، وأنت المسؤول عنه الذي يحتضنه ويرعاه. كل هذا عندما يجدك إلى جنب مصالحه، تدعم مطالبه، وتقوي مكاسبه، وتربي شبابه، وتقيه مما يخافه ويحذره. يجدك إلى جنبه لا مندفعا مع رغائبه، ولا مؤاكلا لمثالبه، بل وليا له ومرشدا، وناصرا لقضاياه المشروعة ومؤيدا.

من حزب إلى شعب، من واحد في متعدد، إلى متعدد في واحد مؤلِّف وموحِّد، مقارب ومسدد.

ورب قائل يسأل: أي جسر يفي بهذا الطلب، وماذا فعلتم ليتحقق هذا المكسب؟ والجواب عن هذا السؤال المحرج لغيرنا، أن وسعنا الذي ينبغي أن نبذله هو أن لا ننخرط في المشروع الموبوء، وأن نظل خارج اللعبة المنكرة، حتى لا ينسب إلينا طوامها، وحتى لا نبوء بآثامها، وجرائم وجرائر من اندمجوا في حلبتها طوعا أو كرها، عن وعي أو عن غير وعي، لأجل مصلحة ومنفعة خوفا أو طمعا، فبقاؤك نقيا مؤشر دال على نهايتك السعيدة، شرط أن تكون قويا، قويا من حيث عبادتك، قويا من حيث قيادتك وريادتك، قويا من حيث بناؤك، قويا من حيث أعضاؤك، قويا من حيث أعدادك وعتادك، قويا أعددت ما استطعت من قوة، والبقية على الله ناصر المستضعفين، ومؤيد المبعوثين المستخلفين، بقدر حكيم يدلل الصعاب، بظروف سياسية واقتصادية واجتماعية دولية ومحلية، تجعل الشعب يخرج من صمته، ولا يبقى حلس بيته، ويُعلي من صوته، مطالبا بحقه المهضوم، مناصرا مؤازرا للمظلوم والمحروم. لا يخاف من المستبد والفاسد، إذ لم يعد لديه ما يخاف عليه، ولم يبق له أمل يرجوه في من يملك رقبته، ويصنع تعاسته، وما عليه إلا أن يبحث عن بديل أصيل، نقي تقي قوي أبي، ينضم إلى صفه، ويضع كفه بكفه، لتكون الموجة العارمة محرجا للأحزاب أن تنضم إلى الشعب، لا إلى أعداء الشعب، وليكون الميثاق عندها دعوة مستجابة كرها لا طوعا، ومن لم ينضم إلى الشعب وإسلامه كان من حصاد الطوفان، وغثاء سيله، ولا عاصم له يومها من أمر الله. وليقرأ من لم يقرأ “الإسلام أو الطوفان” رسالة “مذكرة إلى من يهمه الأمر”، لنكون “جميعا من أجل الخلاص”، وإلا فلا منجاة من عذاب الله، وعقاب الشعب، بعد أن تأزف الآزفة ولا مناص.

طالع أيضا  تأمينات 3/1فصل من فصول: "لبنات في بناء الذات"

ومن كان أميا لا أبيا، لا يعرف قراءة الرسائل الربانية البانية، المبشرة المذكرة المنذرة المحذرة، فأمامه كتاب العالم، فليقلب صفحاته، فلعل عين رأسه تصطدم بعناوين تفتح عين قلبه، ليقرأ الحرائق الحقائق، التي حولت طاغية تونس هاربا إلى بيت كان يحاربه، ويحارب أهله، فلم يجد عند الهرب إلا البيت ملاذا له، وحولت أبا هول مصر محنطا كأسلافه الفراعنة، محاكما كما كان يحاكم الأبرياء، ممددا مستقيلا من الحياة كما كان يمدد على أخشاب التعذيب إخواننا المسلمين، ويقيلهم بلا وجه حق من إمامة الشعب، واعتلاء منابره، وكراسي الحكم فيه، كما حولت من كان يحرق بالنار في يمن الحكمة والإيمان المعتصمين في ساحة التحرير، محروقا مشوه الخلقة كما كان مشوه الخُلق، منبوذا معدما من محبة الشعب كما كان يعدم الشعب بكذبه ونفاقه، ووعوده العرقوبية، ومكر أبنائه وأقربائه ورفاقه، وحولت المتأله المغرور في ليبيا المختار، فأرا -أستغفر الله- بل كالفأر لأنه أضل سبيلا، حولته جرذا مختبئا، ثم مكتشفا فقتيلا، في أبشع صورة تخطر على البال، وأخزى نهاية لا تتمناها لأعدى أعدائك على كل حال، وحولت الأسد إلى صورة أسد لا يملك زئيرا، ولا يحظى من شعبه إلا بالشتائم، وهل يستحق الأسد أن يعيش إلا في الغاب وحشا كاسرا، أو في الحدائق مروضا صاغرا، أو صورة على ورق لا تخيف كبيرا أو صغيرا، ولائحة الحقائق الحرائق طويلة تنتظر من لا يتعظ ولا يعتبر، منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر.

الميثاق

الميثاق دعوة جامعة لا إلى طعام جاهز، بل إلى مائدة جاهزة لطعام نجتمع عليه، ونتوافق من خلال حوار هادئ هادف على أرضية مشتركة، وكلمة سواء لا تستثني أحدا، إلا من استثنى نفسه، ممن خرج عن إجماع الأمة، وهل أجمعت الأمة إلا على الدين؟ وهل يجمعها إلا الدين؟ (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) لا ينبغي لأحد أن يحتكره لا مراء، ولا ينبغي لأحد أن ينكره، وإلا فالدين منه براء، والمستثنى الثاني من الدعوة إلى مائدة الميثاق من يرغب في استمرار الوضع على ما هو عليه لأنه من زراعه أو من حصاده، من رعاته أو من قطيعه، من أصنام الاستبداد أو من أزلام الفساد.

طالع أيضا  تأمينات 3/3.. فصل من فصول: "لبنات في بناء الذات"

وغاية الميثاق حقن الدماء، وتفادي الأسوأ، وتجنيب البلاد التسيب والعنف والعنف المضاد والخراب والدمار، مع نشدان الإصلاح والتغيير، من أجل إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. رحم الله ربعي بن عامر ورضي الله عنه.

والميثاق تواصل من أجل التعاون والتبادل والتكامل بعد التعارف والتفاهم والتحاور والتشاور، ليتوج هذه الإرادة فكر راشد، منظر لتأطير قاصد، مدبر لأجل تغيير واعد مبشر. ولابد للمجتمعين على مائدة هذا الميثاق، المدبرين لشأنه، من حكمة قوامها التراضي والتياسر والتسامح العاصم من التنازع المؤدي إلى الفشل.

ولابد من وضوح وتدرج ومرونة تذيب جليد القطيعة، وتصهر الاختلاف والتنوع في بوثقة واحدة لتعيد صياغة الذائب في مشروع دائب، وطريق لاحب.