قبل كل شيء

يطرح بكثرة السؤال التالي: بلغ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الدين. الدين إسلام وإيمان وإحسان هذا صحيح، كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بين يدي، لكن ما بالي لا أحيا في أسرتي ما أتذوق في الأحاديث وآيات الكتاب من أنوار ومعان؟ لم لا أنتفع وأهل بيتي بخيرات الإيمان والإحسان؟

عن هذا الخير الذي في انتفاعنا به سعادة أسرنا يقول الذي بلغه وجاء به صلى الله عليه وسلم في حديث رواه الإمام بن ماجة رحمه الله عن سيدنا سهل بن سعد رضي الله عنه: “إِنَّ هَذَا الْخَيْرَ خَزَائِنُ وَلِتِلْكَ الْخَزَائِنِ مَفَاتِيحُ فَطُوبَى لِعَبْدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ مِغْلَاقًا لِلشَّرِّ وَوَيْلٌ لِعَبْدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مِفْتَاحًا لَلشَّرِّ مِغْلَاقًا لِلْخَيْرِ”.

اقتضت سنة الله عز وجل في خلقه أن تكون الخيرات التي جاء بها نبينا صلى الله عليه وسلم لإسعاد الأسرة ورقيها مخزونة مكنونة في خزائن… ولا يتم الانتفاع بما في الخزائن إلا بعد فتحها ولا بد لفتحها من مفتاح والمفتاح عباد لله تصحبهم جعلهم الله بفضله مفاتيح للخير مغاليق للشر: الصحبة مفتاح لخزائن الخير الذي به تسعد الأسر وتتنور. ومعنى الصحبة في هذا المقام أن تكون الأسرة جزءا من بناء أكبر، أن تكون الأسرة متعاونة مع الذين يرجون الله والدار الآخرة، أن يكون الهدف من تربية النشء تبليغ نور سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للعالمين… أن تتعاون الأسر فيما بينها ويستشعر الكبار أنهم جميعا من جيل مسؤول عن الجيل الناشئ: جيل يربي جيلا… لا أسرا منفصلة قد مزقتها الأنانيات والتنافس على الدنيا ومتاعها الفاني.

جاء في مسند الإمام أحمد رحمه الله عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمُرِيِّ، قَالَ: “قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَيْنَ مَسْكَنُكَ؟ قَالَ: قَرْيَةٌ دُونَ حِمْصٍ، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “مَا مِنْ ثَلاثَةِ نَفَرٍ فِي قَرْيَةٍ وَلا بَدْوٍ لا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاةُ إِلا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةَ””.

إنما يستحوذ الشيطان من الأسر على القاصية.

طالع أيضا  في البناء الأسري: حتى لا تتسطح الرؤية (4)

أما الحصن المنيع فهو انخراط الأسرة في جهاد التربية والتعليم وإقامة العدل في الأرض وتخريج المدارس القرآنية المتنقلة عبر الأجيال… وليعد المستفهم عن الكيف إلى كتب السيرة وليقرأ كيف آزرت أسرة الصديق رضي الله عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته إلى المدينة المنورة وليتشرب قلبه من ذات النطاقين رضي الله عنها ومن والديها وإخوتها رضي الله عنهم معاني أن تكون الأسرة في صحبة المؤمنين ناذرة ما وهبها الله تعالى له سبحانه جهادا ودعوة وتعلما. وهدى الله إخوتنا من بعض طوائف المسلمين إلى أن يقدروا الصديق والفاروق وذا النورين وباب مدينة العلم حق قدرهم، وجمع لهم محبة الآل بمحبة الصحب وغفر لهم ما في قلوبهم من غل للذين قال فيهم الذي يعلم السر وأخفى سبحانه في سورة التوبة: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100). ألا فليحذر الخائض في أعراض الصحابة من هذا الوسام الذي قلدوه رضي الله عنهم من لدن حكيم خبير ولنتذكر نحن أن مثل هذا الفهم إنما كان نتيجة للانقلاب الأموي الدموي الذي زعزع ركيزة العدل في الأمة ولتكن أسرنا لبنات لاستعادة البناء الشوري الأخوي بالعمل على إقامة العدل في الأرض.

الصحبة مفتاح لخزائن الخير، لكن ما كل من أمسك المفتاح انتفع بما في الخزائن، لا بد له من إرادة تحرك أصابعه لفتح الباب ولا بد له من دراية بكيفية الفتح ولا بد له من أدب لكي لا يأتي الخزائن من ظهورها ولا بد له من قوة يستطيع بها إخراج ما في الخزائن ولا بد له من حراسة لتلك الخيرات أن تضيع. فكم ممسك المفتاح ينظر إلى ما في الخزائن ويستطيع وصفه بدقة لكن الإرادة لما تسعفه على اقتحام عقبات النفس. نفعنا الله بهدي سيد الوجود صلى الله عليه وآله وسلم…

طالع أيضا  في البناء الأسري: حتى لا تتسطح الرؤية (5)

“فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةَ”

ضمانة من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم – وإنما أداة حصر – لكل أسرة لزمت الصحبة الصالحة بالاستعصاء على استحواذ الشيطان.

معنى تسطح الرؤية

يشير التسطح في اللغة إلى كل ما لا ينفذ إلى العمق… تكون رؤيتنا للبناء الأسري مسطحة إذا اعتبرنا آيات الكتاب وأنوار السنة مجرد إسهامات فعالة – ضمن الجهد البشري المتعددة روافده – في توضيح الرؤية للراغب في بناء نظرية أسرية وتربوية ناجحة.

رؤية مسطحة لأن النسق الفكري الكوني السائد لا يحدثك عن الله وعن القرآن وعن النبوة وعن الدار الآخرة…

نعم إنه لمن أفضل الجهاد الحضور في ميادين العلوم الإنسانية – ومنها المتعلقة بالأسرة – والإسهام فيها بما ينفع الناس وبما يدل على رقي هذا الدين وعظمته. لكن الكارثة الكبرى أن نلزم أنفسنا من حيث لا ندري بحدود هذا النسق الفكري البعيدة عن معاني فعل الله عز وجل والزراعة في الدنيا للآخرة وأثر الطاعة وأثر المعصية والسعادة الدنيوية الموعودة للمؤمنين والأمانة الثقيلة التي حملتها أمة الاستجابة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

إن الحقائق الجوهرية لأسباب فشل ونجاح الأسرة المسلمة لا يمكن رؤيتها كلها بالعين المجردة….

أقول بالعين المجردة من منظاري القرآن والنبوة…

نعم إن لله عز وجل في كونه سننا لا تحابي أحدا تسري على كل الأسر مسلمها وغيره وهذه نحن مطالبون باحترامها وتعلمها أنّا وجدناها فالحكمة ضالة المؤمن والكثير من الفوائد والمحاذير يمكن تعلمها من اجتهادات بشرية اعتمد فيها على الفكر المجرد من منظاري القرآن والنبوة….

ليكن الجهد البشري المنقطع عن القرآن والنبوة آلة ثمينة لا يستغنى عنها في ورش الجهاد الأسري … لكن ليكن أساس هذا الورش الفهم عن الله عز وجل والعكوف على أعتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهنا فقط تأخذ الآلة الثمينة سالفة الذكر مكانها المناسب اللائق…

طالع أيضا  في البناء الأسري: حتى لا تتسطح الرؤية (3)