كشفت الأزمة الاقتصادية العالمية عن خلل بنيوي في الأسس والقيم التي تحكم المجتمع الإنساني وفي العلاقات بين الجماعات والطبقات والطوائف المكونة للمجتمع الانساني إن على المستوى العالمي، أو الإقليمي أو الوطني.

وربما نكون قد دخلنا ثورة ابستيمولوجية واجتماعية وثقافية تعيد صياغة مجموعة مفاهيم شكلت لعهود مرجعية كبرى لفقه سياسي ولعقد اجتماعي. فلم تعد قيم الحداثة وما بعدها تثير الإعجاب أو القبول بل أصبحت من الأفكار الرجعية.

ومن هذه المفاهيم التي أصيبت في المقتل مفهوم التضامن، باعتباره أساس التعايش والاجتماع المدني بين الناس. وعليه صيغ مفهوم “الدولة القومية” أو “الدولة الحديثة”، ومفهوم “الهوية الوطنية” وغيرها من مصطلحات الفقه الدستوري (الحق والواجب) والسياسي (السيادة والسلطة). بمعنى آخر يجب أن يخضع مفهوم التضامن –من الآن- لمراجعة كبرى تبني اللحمة الإنسانية على قواعد الرحمة والوضوح والتكافئ.

وسأحاول إبراز بعض القواعد الأساسية التي قد تسهم في بلورة تصور واضح لمفهوم التضامن الانساني:

أخلاق العناية

هناك الأخلاق الفردانية الأنانية التي تشجع المصلحة الشخصية وحب التملك والاستمتاع بملذات الحياة والاستهلاك، والتنافس والربح والنظر إلى المال والثروة كشأن فردي خاص وهذه الأخلاق بلغت ذروتها مع الرأسمالية الجديدة (الليبرالية الجديدة)، ولا يخفى ما تسببه الآن من مآسي اجتماعية وسياسية واقتصادية عالمية، وهذه الأخلاق يسميها القرآن: الشح.

بينما هناك الأخلاق الاعتنائية التي يدعو إليها القرآن الكريم (ويسميها الإحسان) وينادي بها كل ذي ضمير إنساني حي: أخلاق تشجع قيم التضامن والمواساة والرحمة الإنسانية والعناية بالإنسان والطبيعة معا.

التغيير الذاتي (التوبة)

تبقى النظرية الأخلاقية نظرية دون جدوى إن لم تجد سبيلا إلى الممارسة الواقعية، لذلك فمشروعنا ليس تأملا فلسفيا يصف ما هو كائن بل هو خطة عملية لتغيير ماهو كائن إلى ما ينبغي أن يكون. وأول الطريق يبدأ من الانسان الفرد نفسه: كيف يغير موقفه من ذاته أولا ثم من الحياة، من المال والثروة، من الآخرين، من كل شيء.

وملخص هذه القاعدة هو الإقلاع عن حب الدنيا والتحرر من العبودية للهوى وللمصلحة الشخصية ومن الأنانية المستعلية. بمعنى بسيط جدا هو استعداد الانسان سواءا كان مسلما أو غير مسلم للتنازل عن حصته الزائدة في الاستهلاك واللذة والاستمتاع وأن يحقق نجاحه الشخصي من خلال نجاح الجميع لا من خلال فشلهم وإفشالهم.

إن كان مسلما فحوافز الإيمان بالله عزوجل وبواعثه هي ما تجعله يبادر ويوقف سكة قطار أنانيته، مقابل ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة الحشر 9.

أما إن كان غير مسلم فصلاح الكون لا يقوم إلا على أساس العدالة والتضامن والمواساة وفيه مصلحة له وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّ‌بِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ غافر 28.

الاستقرار على الديموقراطية

الاستقرار على الديموقراطية ينبغي أن يأخذ ثلاثة اتجاهات أساسية:

· الأول ينصب على سياق الديموقراطية حيث ينبغي أن تلعب الأخلاق دورا أساسيا في تصحيح المسار السياسي، من ناحية أخرى يجب إنقاذ الديموقراطية من مخالب رأس المال ثم التحدي الثالث هو جعل الديموقراطية أكثر تشاركية.

· الثاني يراجع آلية الديموقراطية، حيث ينبغي أن نتجاوز الديموقراطية التقليدية (الحكومة/المعارضة) إلى الحركة الفاعلة المشاركة البناءة التي يطلع بها المجتمع المدني، مع تمكين الأمة من وسائل أكثر نجاعة وفاعلية في مراقبة عمل المؤسسات.

· الثالث هو بناء ميثاق عالمي/إقليمي/وطني جامع مبني على أسس التعددية والحرية يلخص جميع التوافقات/الاختلافات السوسيو- ثقافية ويضمن حقوق الإنسان 1 .

العدالة الاجتماعية

لايمكن أن نتحدث عن التضامن إلا إذا اتخذت خطوات جدية لتصحيح اختلالات الليبرالية المتوحشة على مستوى العالم وعلى مستوى الأوطان والجماعات، بمعنى آخر لا يمكن بأي حال القضاء على الفقر والأمراض والعداوات بمجرد المساعدات الإنسانية والهبات التطوعية بل لابد أن تبنى قواعد التضامن على أساس العدل.

التكافل الاجتماعي

وهوما سماه القرآن الكريم: البر أي التوسع في فعل الخير ونفع الخلق؛ وهذا من الأساسيات التي من دونها لا يمكن للإنسانية أن تحلم بمستقبل أخوي تسوده أخلاق الرحمة والتضامن والمواساة، ولنا أن نعتبر بدولة الرفاه الاجتماعي التي بشرت بها أوربا والغرب زمانا، ما هو حالها اليوم؟ هل قامت على أسس التطوع الطوعي أم على أسس التطوع الإجباري – القانوني؟

ففي حين كانت الدولة هي راعية التطوع وحاميته، كان المجتمع بثقافته وبرأسماليته وبفردانيته يشجع قيم الفردانية والمصلحة الشخصية ولذلك لما عجزت الدولة عن الوفاء بتعهدات دولة الرفاه الاجتماعي أمام الأزمة الأقتصادية أصبح التضامن الوطني والانتماء الوطني مهب الرياح.

لذلك نقترح انطلاقا من القرآن الكريم أن تكون أخلاق التطوع الطوعي هي المدخل الصحيح لعالم أكثر عدالة وأفضل تعايشا.

التواصل الاجتماعي والثقافي

من المؤسسات التواصلية التي حفظت قيم التضامن عبر التاريخ الانساني: الأسرة، والأسرة الآن تتعرض لتحديات الفردانية والحياة الفردية، والوسائط الاجتماعية الأخرى التي همشت دور الأسرة؛ لذلك إن كان من مشروع بديل لابد أن يتأسس على الأسرة المحضن الأولي للتضامن الإنساني. ومن دون تعزيز دور الأسرة وحفظها لايمكن أن نقاوم أخلاقيات التفرد والاستهلاك والتكاثر.

ظهرت وسائط اجتماعية أخرى أكثر حداثة وهي مفيدة في تعزيز قيم التعارف الإنساني والتضامن والاستفادة المتبادلة بل والتحالف العالمي.

القاعدة البيئية: حفظ الأرض

لم تكن الليبرالية المتوحشة وأخلاقها الذميمة المبنية على الربح والاستهلاك وبالا فقط على حياة الناس ومعاشهم وتمدنهم بقدر ما كانت وبالا على محل سكناهم ومستقرهم وعلى هوائهم الذي يتنفسون ومائهم الذي يشربون وغذائهم الذي يأكلون. لذلك مهما بلغت كثرة القرارات والمؤتمرات والتوصيات العالمية والاقليمية في حفظ البيئة فلن تعدو أن تكون مجرد حبر على ورق ما لم نغير قواعد سلوكنا وأخلاقنا ونوقف قطار الرأسمالية المتوحشة ونبحث عن بدائل أخرى بعيدا عن نظرية “نهاية التاريخ” التي تؤبد للجشع والأنانية.

والقرآن الكريم يقترح علينا مسلكا أخلاقيا رفيعا في حفظ الأرض والكون أجمع من خلال مفهوم عمارة الأرض القائم أساسا على الإصلاح: وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْ‌ضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْ‌ثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ البقرة 205، هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْ‌ضِ وَاسْتَعْمَرَ‌كُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُ‌وهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَ‌بِّي قَرِ‌يبٌ مُّجِيبٌ هود 61.

وقد دأب المسلمون على اعتبار الأرض حديقة يجب المحافظة عليها وتنسيقها وتجميلها وليس مادة استهلاكية يجب ترويضها وإخضاعها على عكس ما أعلن فرنسيس بيكون في بيان التدمير: أن نقهرها (أي الطبيعة) ونخضعها، أن نرجرجها حتى أعمق أعماقها، أن نعصف بقلاعها وحصونها ونحتلها…) 2 . ولاحظ هذه المقاربة العدوانية وكأن القوم في حرب.

يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا” (رواه البخاري)، إن هذا الحديث يعطي أبعادا كبيرة جدا في علاقة المسلم بالأرض على المستوى الروحي التربوي وعلى المستوى التشريعي وعلى مستوى السلوك العملي. الأرض لها قدسية المسجد وكما يحرص المسلم على الدفاع عن المسجد واحترامه وإشاعة الهدوء والسكينة داخله وتنقيته ونظافته، عليه أن يعامل الأرض بالمثل، ثم إن روحانية المسجد يجب أن تعم الأرض جميعا باعتبارها مسجدا كبيرا للمسلمين، ومعاني أخرى نستنبطها من هذا الحديث العظيم في مناسبة أخرى إن شاء الله لا يتسع المجال لشرحها هنا.

القاعدة العالمية: التحالف العالمي

المنهج القرآني في الحرب هو الإطفاء كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارً‌ا لِّلْحَرْ‌بِ أَطْفَأَهَا اللَّـهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْ‌ضِ فَسَادًا وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ المائدة 64؛ وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ الأنفال 61؛ لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِ‌جُوكُم مِّن دِيَارِ‌كُمْ أَن تَبَرُّ‌وهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ الممتحنة 8؛ منهج يؤسس للتحالف الإنساني من أجل السلم والأمن وتحقيق العدالة والتضامن الإنساني وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّ‌جَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَ‌بَّنَا أَخْرِ‌جْنَا مِنْ هَـٰذِهِ الْقَرْ‌يَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرً‌ا النساء 75.

التحالف العالمي مطلب شرعي تفرضه مقاصد الشريعة: أن نكون مع المستضعفين وأن نقاتل في سبيلهم وأن نحمي كرامتهم؛ وضرورة واقعية يفرضها استفراد الرأسمالية المتوحشة بمصائر البلاد والعباد والسير فيهم بالفساد والاستبداد. واقع يفرض أن يجتمع الخيرون من بني الانسان على تعدد مذاهبهم وثقافاتهم ودياناتهم وأعراقهم، على إقامة نظام عالمي ما بعد جديد بديل يرتكز على الضمير والأخلاق والمصالح المتبادلة وقبل ذلك على مشاركة الشعوب والمجتمع المدني العالمي والثقافات. وقد أصبحت الفرصة سانحة مع اشتداد الأزمة العالمية وتراجع دور الحكومات وازدياد دور الجمعيات غير الحكومية واستعادة دور الشعوب في التحرر، كل ذلك يبشر بسقوط “الإطار” ونهاية تاريخ التوحش.


[1] مقال للكاتب: الربيع العربي من الثورة إلى الدولة.\
[2] أنثوية العلم: العلم من منظور الفلسفة النسوية: ص 231 د. ل.ج . شيفرد.\