مقدمة

عجبا! يهتم كل واحد منا بمنظر الوجه وكذا المظهر الخارجي لأنه محل نظر الخلق، فيعتني به ويغسله وينظفه من الأقذار والأدناس ويزينه قدر المستطاع لكيلا يطلع الناس فيه على عيب، و ينسى أو يجهل أن يهتم بالقلب وهو محل وموضع نظر الحق عز وجل كما أخبر بذلك الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم” 1 . فلا يقوم بتطهيره وتزيينه كي لا يطلع الله جل جلاله على دنس أو شين أو آفة أو عيب.. يقول الإمام الغزالي: بل يُهمِله – أي القلب – بفضائح وأقذار وقبائح، لو اطلع الخلق على واحد منها لهجروه وتبرأوا منه وطردوه! والله المستعان).

وإنما يتم التركيز على سلامة القلوب وأسرارها وأعمالها، وكل ما يرتبط بالقلب من خشية الله ومحبة الله والإقبال على الله والجهاد في سبيل الله وربط العلاقة بالله… لأن هذا كله ضروري ليتجدد الإيمان في القلب، وهذا التجديد للإيمان في القلب مقدمة ضرورية لتجديد الدين بمعنى إقامة خلافة الله في الأرض والحكم بما أنزل الله كما يؤكد ذلك الأستاذ عبد السلام ياسين في الدرس الثالث من سلسلة دروس المنهاج النبوي.

ما هو القلب السليم

يقول الله تبارك وتعالى حكاية عن نبيه إبراهيم عليه السلام: ولا تخزني يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم 2 عرّف بعض التابعين والعلماء والحكماء الذين شربوا من معين التربية النبوية معاني القلب السليم بما يلي:

يقول سيد التابعين سعيد بن المسيب رحمه الله: القلب السليم هو القلب الصحيح، وهو قلب المومن، لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قال تعالى في وصف المنافقين: {في قلوبهم مرض} سورة البقرة الآية 10).

وسئل أبو القاسم الحكيم عن القلب السليم فقال: له ثلاث علامات: أولاها أن لا يؤذي أحداً، والثانية أن لا يتأذى من أحد (بمعنى أنه يصبر على الأذى ويتحمله ولا يراه شيئاً)، والثالثة إذا اصطنع مع أحد معروفاً لم يتوقع منه المكافأة (لأنه يتطلع إلى مكافأة الخالق لا غير)، فإذا هو لم يؤذ أحداً فقد جاء بالورع، وإذا هو لم يتأذ من أحد فقد جاء بالوفاء، وإذا لم يتوقع المكافأة من المخلوق فقد جاء بالإخلاص. ونجد هذه المعاني حاضرة متجلية في حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم لما سئل أي الناس أفضل فقال:)“كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد” 3 .

وسئل محمد بن سيرين عن القلب السليم فقال: الناصح لله عز و جل في خلقه). فالدين النصيحة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. وقال سيدنا علي كرم الله وجهه ورضي عنه: المؤمنون بعضهم لبعض نصحاء وادُّون وإن افترقت منازلهم، والفجرة بعضهم لبعض غششة، خونة، وإن اجتمعت أبدانهم).

القلب السليم في المنهاج النبوي

ومن يتدبر آيات الله ويتفحص سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ربى الجيل الأول من الصحابة، لابد أن يقف عند أوصاف جند الله والطليعة المجاهدة أصحاب القلوب السليمة حقيقة ومعنى، فالقلب السليم كما تبينه السنة المطهرة هو قلب المؤمن الذي يحسن الظن بربه، يرجو رحمته ويخاف عذابه، يحبه ويحب رسوله، لا يتجسس على المسلمين، ولا يحسد، ولا يغتاب، ولا ينم. همه الله عز وجل، وجهده منصرف لبناء جماعة الجهاد ودعمها) 4 .

وأمتنا تحتاج لمثل هؤلاء ليعيدوا لها عزتها و مجدها، لتعود لها الإمامة و الريادة في شتى الميادين، هم رجال الدعوة لبناء الدولة، وكذلك الدعوة بحاجة لقلوب عالية الهمة، كما هي بحاجة لعقول راجحة النظر، وشخصيات قارة لا تنفعل انفعالا، بل تستفتي الشرع وتتدبر، حتى إذا عزمت مضت لا يثنيها شيء. فهذا معنى سلامة القلب) 5 .

ما علاقة سلامة القلب بسير جند الله في ساحة الجهاد؟

نرجع إلى الآية الكريمة التي ذُكر فيها القلب السليم على لسان سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم، يقول الله عز وجل: ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم 6 ، لم يقل أتى الله بعلم أو أتى الله بعمل، وإنما أتى الله بقلب سليم، حركة وسير، فالقلب هنا يسير إلى الله. ويقول الله تبـارك وتعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيء إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله مـا يلقي الشيطان ثم يُحكم الله آياته والله عليم حكيـم، ليجعل ما يلقي الشيطـان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقـاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد 7 . قلب سليم ثم قلب فيه مرض ثم قلب فيه قساوة. وبالطبع لا يسير إلى الله إلا القلب السليم، بدليل هذه الآية: إلا من أتى الله بقلب سليم. أما القلب الذي فيه مرض والقلب الذي فيه قساوة فهو قلب لا يسير إلى الله عز وجل، فما علاقة سير القلب بسير جند الله في ساحة الجهاد؟ علاقتهما أن مصير الأمة لن يكون في الاتجاه الصحيح إلا إذا كان كل مؤمن وكل مجاهد يسير على أمر الله عز وجل، فيسعى للقاء الله عز وجل، ويطبق أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم طاعة وإخلاصا) 8 . فأصحاب القلوب السليمة لا تخشى إلا الله، لا تخاف أن تَصدع بالحق في وجه الظالمين وعند السلطان الجائر كما جاء في الحديث، لأنها لا تخاف في الله لومة لائم كما ورد في كتاب الله، ويذكر ابن تيمية رحمه الله كلاما مهما يجب أن نقف عنده ونتأمله جيدا لندرك أن علماءنا يقفون على مفصِل المشاكل فيدركونها إدراكا كاملا. يقول: إذا كانت في القلب معرفة وإرادة (العلم و حده لا يكفي لابد من العلم و الإرادة) سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، فلا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب). هذا كلام نفيس يُعقِّب عليه الأستاذ عبد السلام ياسين قائلا: وأقول: إذا صارت المعرفة إلى القلب وتنورت بالعلم حتى أصبحت في القلب إرادة قوية، لا يمكن إلا أن يطيعها البدن وأن تطيعها إذن القوى المعاكسة للإسلام. الوعظ والشكوى والتأوه على الإسلام، هذا ديدن القاعدين الذين يجلسون في أركان المسجد يقولون: فسد الدين وفسدت الدنيا وفسد الإسلام، لا حول ولا قوة إلا بالله! ثم يهربون. هؤلاء الضعفاء، لهم حيثية في الإسلام، لكننا نحن وإياكم معشر الشباب، يجب أن نغذي الإيمان في قلوبنا بالعلم والتزكية والتربية حتى يصبح هذا الإيمان إرادة قوية، جادة، سائرة لكي تحارب عوامل الفساد والإفساد والكفر والعصيان) 9 .

من هنا فأصحاب القلوب المريضة لا يمكن أن تقوم بحمل أعباء النهوض بأمة الإسلام لأن هممهم لا تكون أعلى من خدمة شهواتهم وأهدافهم الشخصية وأعمالهم لا ترقى لأن تكون جهادا، ونرى في الساحة اليوم كثيرا ممن يدَّعون الإسلام ويزعمون خدمة الإسلام فيقولون ما لا يفعلون وينطقون بما لا يعتقدون، فهم أيضا يريدون أن يقيموا الإسلام وأن يقيموا دين الله، لكن بما أن في قلوبهم مرضا فإن تحركهم هذا لن يكون على الإسلام، ولن يكون عملا جهاديا، حتى لو سَمُّوا جماعاتهم جماعات مسلمة أو أحزابا إسلامية أو ما إلى ذلك… إنما يقوم بالجهاد القلوب السليمة التي تأتي الله عز وجل وليس لها من هم إلا الله سبحانه وتعالى، هذه القلوب وحدها التي يمكن أن تقوم بواجبات الجهاد ومقتضياته) 10 . أما أولئك الذين يكتفون بمجلس علمي يتلقونه فيُعْجَبون بعلم من يلقيه من الشيوخ والدعاة، يكتفون بمسجد يصلون فيه الصلوات الخمس والتراويح فيُعْجَبون بالأصوات الجميلة للقراء، ثم ينصرفون إلى ما كانوا فيه من الغفلة والعادة، وإلى ما كانوا فيه من القعود، هؤلاء لم يجددوا إيمانهم حتى يدعوهم للنهوض بأعباء الدين ويدعوهم للخروج من قوقعة السكوت والصمت والخوف والجبن والقعود، إذا لم يَحْيَ الإيمان في القلوب فإنه لن يتجدد الدين ولن نحقق خلافتنا لله في أرضه على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم والحكم بما أنزل الله، الخلافة على منهاج النبوة أمانة عظيمة، يحملها أصحاب الأيادي المتوضئة والقلوب الطاهرة السليمة، يحملها خِيار الأمة أحباب الله، يحملها مومن ومومنة ينافسان الناس، يسارعون إلى مغفرة من ربهم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين خِيار الناس) 11 .

تتجدد الذكريات ولا تتجدد الإرادة

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: تتجدد الذكريات ولا تتجدد الإرادة… تتجدد الذكريات ولا يتجدد الدين.. تتجدد الذكريات ولا يتجدد الإيمان) 12 . تحل وتمر بنا ذكريات كثيرة وتتجدد من حين لآخر، لكن دون أن تُجَدِّد لنا هذه الذكريات عزمة ولا إيمانا ولا إرادة لكي ننهض، فنكسر الأصنام ونقيم دين الله، هي ذكريات عظيمة وجليلة تذكرنا بأيام كانت فيها العزة للإسلام ولأهل الإسلام، إنطلاقا من غزوة بدر الكبرى التي مرت بنا منذ أسابيع، وذكريات ومواقف كثيرة أخرى تذكرنا بماض كانت لنا فيه أمجاد وقت الأجداد الأفذاذ… فنتحسر على حال أمتنا الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها ونرى كيف أصبحت اليوم مهزومة ذليلة، وتقع في آخر الركب في جميع المياديـن (الاجتماعية والعلمية والاقتصادية… وحتى الأخلاقية)، مَغْزُوَّةً من طرف الغرب فكريا ويتحكم في خيراتها وثرواتها، ومقهورة من طرف أنظمة مستبدة جاثمة على صدرها، ويملكون ويتصرفون في قُوتِها ومعاشها… ماذا نفعل إذن؟ هل نعزي أنفسنا ونقول: كان رسول الله وفعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم وفعل وفعل، وفعل أبو بكر وعمر، وفعل عثمان وعلي، وفعل عمر بن عبد العزيز، وفعل مجاهدو الإسلام: صلاح الدين الأيوبي، ومحمد الفاتح، ويوسف بن تاشفين، وعمر المختار، وعبد الكريم الخطابي… وغيرهم؟ أنعزي أنفسنا بهذا ونسكت؟ هل يكفي أن يهتم كل واحد منا بحويصلة نفسه ولا يتدخل فيما يعنيه من مصير أمته؟ أم يجب أن نتحمل كامل المسؤولية تجاه النهوض بأمتنا الإسلامية في جميع الأقطار؟

هل نحن حقيقة من أصحاب القلوب السليمة إن اكتفينا بذلك الإيمان الهين اللين؟ ركيعات نصليها في المسجد، وصدقات نخفيها حتى لا تعلم شمالنا ما صنعته يميننا؟ أصحاب القلوب السليمة المجاهدون القائمون بالقسط الشهداءُ لله لا يكتفون بالتقوى الفردية والتنسك الفردي. التقوى الفردية يحبها الله، لكن في وقت الجهاد وعندما تكون الأمة منهزمة في جميع الميادين، فالتقوى الفردية لا تكفي. لا يكفينا أن تكون وحدك خاشعا تبكي في المحراب. نعم ابك في المحراب، لكن كن كما قال الإمام البنا رحمه الله: كونوا فرسانا بالنهار رهبانا بالليل) 13 .

كلمة أخيرة

أصبح الحديث والبحث عن سلامة القلب وأمراضه وحتى ذِكْرُ الذين كانوا يتحدثون عن أمراض القلوب ودوائها مظنة للزيغ وسببا لاتهام من ينطق به أنه زائغ عن الكتاب والسنة، هذا القلب الذي فطره الله عز وجل أصلا على الاستقامة وسخر لخدمته جميع جوارح البدن ووسائل المال والمتاع، وجعل الأعمال كلها إنما تصح وتقبل بصلاح نيته كما جاء في الحديث، هذا القلب الذي ينظر إليه الحق عز وجل، يجب على المسلم الراجي أن يكون من أصحاب القلوب السليمة المتطلع للإيمان، الذي يريد أن يرتقي في درجات الدين من مرحلة الإسلام إلى مرحلة الإيمان إلى مرحلة الإحسان، أن يطهره حتى لا يرى الله تبارك وتعالى فيه ما يغضبه من العيوب والآفات والظلمات المترتبة على المعاصي وعلى الغفلة عن الله.

إن العجب يتملك الواحد منا والدمعة تسبقه، عندما يقرأ سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لاقاه في نشر دعوة الله في الأرض، وسيرة وأخبار من شربوا من المعين النبوي، من آل البيت والصحابة رضي الله عنهم، ومن العلماء العاملين رحمهم الله، من أمثال الحسن البصري وأبي حنيفة وشريك ومالك والشافعي وأحمد وبن تيمية وغيرهم كثير… وهم من أصحاب القلوب السليمة يقينا وبدون ريب، هم أهل تقوى وورع وأهل تَبتُّل وبكاء من خشية الله وتَهَمُّمٍ بالله، كانوا من المجاهدين ومن القائمين ضد الجَوْرِ، كانوا فرسانا بالنهار رهبانا بالليل. فالعجب وكل الدهشة عندما نرى ونسمع من البعض دعوة إلى تبني منهج وسلوك القاعدين أصحاب الإيمان البالي الذي لم يتجدد، يدعوننا لأن نتبنى إسلام الخاملين، والخمولُ أصلا فينا جميعا، فنحن قاعدون خاملون ناعسون، ما دمنا لا ننهض بأعباء الجهاد، ولا نحدث أنفسنا بالجهاد) 14 . فمن يحدثنا عن حقيقة القلوب السليمة؟ نقرأ القرآن الكريم ونقرأ سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم وسيرته فلا يُنْهِضُ كتاب الله ولا تُنْهِضُ السنة هممنا، لماذا؟ لأن كتاب الله نور، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم نور، والنور لا يدخل إلى القلوب المريضة، إنما يكون من نصيب القلوب السليمة.

الكلام كثير والعمل قليل… قعقعة ولا طحن… عزف بلا طرب… ألاَ ما أَسْهَل الكلام وأَشَقَّ العمل… هذه هي سنة الله في كونه: بغير جهد البشر لا انتصار، وأنا وأنت من بأيدينا أن نقرب نصرنا أو نباعده… أن ننسج خيوط فجرنا أو نبدده.


[1] رواه مسلم من طريق أبي هريرة رضي الله عنه.\
[2] سورة الشعراء الآيات 87-89.\
[3] رواه الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة.\
[4] المنهاج النبوي ص 187 للأستاذ عبد السلام ياسين.\
[5] المنهاج النبوي ص 187 للأستاذ عبد السلام ياسين.\
[6] سورة الشعراء الآيات 87-89.\
[7] سورة الحج الآيات 50-51.\
[8] من كلام الأستاذ عبد السلام ياسين في الكتيب الثالث من سلسلة دروس المنهاج النبوي.\
[9] الأستاذ عبد السلام ياسين في الكتيب الثاني من سلسلة دروس المنهاج النبوي.\
[10] من كلام الأستاذ عبد السلام ياسين في الكتيب الثالث من سلسلة دروس المنهاج النبوي.\
[11] من كلام الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب (رسالة إلى الطالب و الطالبة).\
[12] الأستاذ عبد السلام ياسين في الكتيب الثالث من سلسلة دروس المنهاج النبوي.\
[13] الأستاذ عبد السلام ياسين في الكتيب الرابع من سلسلة دروس المنهاج النبوي.\
[14] من كلام الأستاذ عبد السلام ياسين في الكتيب الثالث من سلسلة دروس المنهاج النبوي.\