بعد الأسوة والتوجيه تسري روح التوفيق في الاختيار من قلب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى قلوب أزواجه الطاهرات وأصحابه الأبرار رضي الله عنهم. أمهات المؤمنين يخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فتقرُّ عين الزوج السعيد بهذه العزمة الربانية وهذا اليقين القلبي. عَنْ أَبِي سَلَمَةَ رضي الله عنه أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: “لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنِّي أَذْكُرُ لَكِ أَمْرًا وَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَسْتَعْجِلِي حَتَّى تُذَاكِرِي أَبَوَيْكِ. قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} حَتَّى بَلَغَ {أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} فَقُلْتُ: فِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي قَدْ اخْتَرْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. قَالَتْ ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فَعَلْتُ”. وفي رواية أخرى: “فَفَرِحَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ” 1 .

ويختار الصحابة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أصعب حالات التخيير وأدقّها، وفي أشد أوقات البلاء وأمرّها. عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي جَبَلَةُ بْنُ حَارِثَةَ أَخُو زَيْدٍ (ابن حارثة) رضي الله عنهما قَالَ: “قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْ مَعِي أَخِي زَيْدًا. قَالَ: هُوَ ذَا. قَالَ: فَإِنْ انْطَلَقَ مَعَكَ لَمْ أَمْنَعْهُ. قَالَ زَيْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَا أَخْتَارُ عَلَيْكَ أَحَدًا. قَالَ: فَرَأَيْتُ رَأْيَ أَخِي أَفْضَلَ مِنْ رَأْيِي” 2 . وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه وجاء إلى عثمان وهو محصور في داره وقال: “مرحبا يا أخي، ألا أخبرك بما رأيت في ليلتي هذه؟ قال قلت: بلى، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الكوة، فقال لي: يا عثمان قلت: لبيك يا رسول الله. قال: حصروك؟ قلت: نعم. قال: وأعطشوك؟ قلت: نعم. فأرسل إلي دلوا من ماء فشربته حتى رويت، إني لأجد برده بين ثديي وكتفي، فقال: يا عثمان اختر إن شئت أن تفطر عندي، وإن شئت أن تظهر على القوم. قلت: بل أفطر عندك. فقتل من يومه ذلك رضى الله عنه” 3 .

زيد، الحِب أبو الحِب، يختار صحبة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الدنيا خدمةً ونصرةً، وعثمان ذو النورين يختار صحبة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الآخرة إتماما للنعمة بمرافقة خير الخلق في العقبى. لم يكن فارق السن بين الصحابيين (زيد الفتى، وعثمان الشيخ) ليفرق بين مطلوبهما، ولا ليغير من نتيجة اختيارهما. كمالم يكن لهذا الاختيار أن ينحو هذا المنحى الرباني الراقي الذي يتجاوز المتاع الدنيوي الفاني، بل ويتجاوز حتى الجزاء الأخروي لتسمق همته إلى التعلق الواضح بالشخص الكريم على الله، لولا أن السادة الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعرفون ما يطلبون، ولولا أنهم كانوا من ذات المشرب ينهلون، وحدة في التصور والسلوك، بل إن المربي الحبيب كان لا يفتأ يذكر بهذا المعنى إن رأى من أصحابه نوع غفلة عنه أو تنكب عن سبيله. حدث ذلك في غزوة حنين عندما فرق الغنائم على قبائل العرب ولم يعط الأنصار منها شيئا، فوجدوا عليه في أنفسهم. وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعهم وقال بعدما حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله: “يا معشر الأنصار: ما قالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل. ثم قال: ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل. قال صلى الله عليه وسلم: أما والله لو شئتم لقلتم، فَلَصَدَقْتم ولَصُدِّقْتُم: أتيتنا مُكَذَّبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفتُ بها قوما ليسلموا. ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شِعبا وسلكت الأنصار شعبا، لسلكتُ شعب الأنصار اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار. قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسما، وحظا. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرقوا” 4 . المنهاج التربوي الإحساني كان واضحا في هذه الواقعة: غنائم الحرب لُعاعة لا ينبغي أن تسلب قلوبا يراد لها أن تكون وعاء للحب الإلهي النبوي، والفوز بالمصحوب الأعظم نعمة لا يدانيها التلبس بمتاع من الدنيا قليل.

ويشهد لهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برشد اختيارهم، رشدٍ يظهر في استكانتهم الذليلة بين يدي الله، وفي مواقفهم الجليلة أيام الفتنة وظلم الولاة. عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا خُيِّرَ عَمَّارٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَرْشَدَهُمَا” 5 . لاشك أن هذه إشارة واضحة إلى سلامة موقف من قاتل إلى جانب سيدنا علي رضي الله عنه.

بضياع رشد أمثال عمار ضاع رشد الخلافة، فضاعت معه الخلافة نفسها. لكن لها عود إن شاء الله إن وفق الله الآخِرِين إلى رشد الأولين. وحول هذا ندندن في هذه السطيرات. جهاد الصحابة الأجلاء وهجرتهم ونصرتهم وصبرهم على البلاء وأدبهم مع رسول الله يؤكد بوضوح أنهم كانوا في مستوى الاصطفاء، وأنهم كانوا أوفى الناس بما عاهدوا الله عليه. كيف لا وقد علم الله ما في قلوبهم فرضي عنهم وأثابهم فتحا قريبا. ومع ذلك نجدهم لا يأمنون على أنفسهم الإخلال ببنود الميثاق، ويشفقون من أن يستبدل الله بهم قوما غيرهم، فيطمئنهم الرؤوف الرحيم لما علم من صدق طويتهم وصفاء معدنهم. عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنهم قَالَ: “فَقَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً أَصْحَابُهُ، وَكَانُوا إِذَا نَزَلُوا أَنْزَلُوهُ أَوْسَطَهُمْ، فَفَزِعُوا وَظَنُّوا أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اخْتَارَ لَهُ أَصْحَابًا غَيْرَهُمْ، فَإِذَا هُمْ بِخَيَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَبَّرُوا حِينَ رَأَوْهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشْفَقْنَا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اخْتَارَ لَكَ أَصْحَابًا غَيْرَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ…” 6 .هذا الإشفاق من عدم المرافقة للمحبوب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان أمرا يغشى كيان أولئك السادة العظام، ذلك أنهم فقهوا أولوية التعظيم والخدمة للجناب النبوي في سيرهم إلى الله. ربيعة بن كعب رضي الله عنه ، الخادم الأسلمي، خير مثال على ذلك. قال: “كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سل؟ فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: “أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود””. بل إن الجذع الذي حن إلى رسول الله لا يتردد في اختيار الجنة بعدما أحس بانتهاء دوره في التشرف بارتقاء خير الخلق، وكأنه اختارها ليضرب موعدا هناك مع أنبياء الله وأوليائه. في [مقدمة مسند الإمام الدارمي رحمه الله باب ما أكرم النبي بحنين المنبر] “فَزَعَمَ ابْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَمِعَ حَنِينَ الْجِذْعِ رَجَعَ إِلَيْهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: اخْتَرْ أَنْ أَغْرِسَكَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ فَتَكُونَ كَمَا كُنْتَ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ أَغْرِسَكَ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْرَبَ مِنْ أَنْهَارِهَا وَعُيُونِهَا فَيَحْسُنُ نَبْتُكَ وتثمر فَيَأْكُلَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ مِنْ ثَمَرَتِكَ وَنَخْلِكَ فَعَلْتُ. فَزَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: نَعَمْ قَدْ فَعَلْتُ، مَرَّتَيْنِ. فَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اخْتَارَ أَنْ أَغْرِسَهُ فِي الْجَنَّةِ”.

ألا وإن العبرة مما بسطنا هو أن الاختيار الذي يكون على يد الصحبة، أو بتوجيه منها، أو بوراثة عنها، يظل في كل زمان الاختيار الأخلص والأصوب، والأقوم والأرفق، وأن روح الاختيار النبوي، وجوهر تربية الصحابة، هو اختيار ما يدلنا على الله، ويقربنا من رسول الله، ويحسن عقبانا في الدار الآخرة إن شاء الله.


[1] رواه الإمام أحمد رحمه الله في باقي مسند الأنصار.\
[2] رواه الإمام الترمذي رحمه الله في كتاب المناقب باب مناقب زيد بن حارثة.\
[3] رواه الإمام سعيد بن منصور رحمه الله في كتاب السنن.\
[4] انظر سيرة ابن هشام: غزوة حنين.\
[5] رواه الإمام الترمذي رحمه الله في كتاب المناقب باب مناقب عمار بن ياسر / والإمام ابن ماجه رحمه الله في المقدمة باب فضل عمار بن ياسر/ والإمام أحمد رحمه الله في مسند المكثرين من الصحابة.\
[6] رواه الإمام أحمد رحمه الله في باقي مسند الأنصار.\