البناء المرخص له، والمصمم له بمهندس رباني بناء، والمبني على أساس، يحتاج إلى تأمين، ليكون محفوظا ومصادقا على سلامته، وقابليته ليكون مأوى وسكنا، وأهليته لاستغلاله واستثماره فيما يعود على صاحب ملكيته بالنفع دنيا وأخرى، وهذا التأمين تعاقد وميثاق، مكلف نعم، لكنه مشرف، إذ يجعل للبناء قيمة، وللمالك وثيقة ملكية سليمة، وكلما ازدادت قيمة التأمين وكلفته، دل ذلك على قيمة البناء وارتفاع سعره، وحسن موقعه وسعته، وكثرة مرافقه وصلاحياته. وقد جعل المرشد الطبيب والوالد الحبيب لبناية العدل والإحسان تأمينات حسان:

أولها التربية ثم التربية ثم التربية

ذلك أن التربية تجمع العضو في الجماعة مع إخوانه وأخواته في الله، ليكون همه الله خوفا ورجاء، ولتكون إرادة الآخرة وابتغاء وجه الله غاية الغايات، ولتكون عبادة الله على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أجل معرفة الله، والظفر بأخوة سيد الخلق وخلافته بيت القصيد فيما يروم وما يريد من إعادة الأمة إلى الرشد بعد سفه العض وضلالة الجبر.

تربية تيسر تدبير الشأن العام بإشاعة معاني الرحمة والمودة، والتعاون على البر والتقوى، والتنافس في الخير، والتماس البركة في الصحة والمال والأمن.

تربية ضامنة للوصول بحفظ الأصول، مؤدية إلى نبات لأنها على ثبات، عاصمة من الانقطاع لأنها موصولة بالباقي الدائم، حصن حصين من العذاب والفتنة لأنها لا تخالف عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، مانع من المساومة والمؤاكلة والمشاربة لأنها تزهدك في الدنيا وفي ما عند الناس، وتنيلك حب الناس وحب رب الناس، ولأن غياب التربية يعني التكالب على الدنيا وتغليب المصلحة الذاتية الملتوية الضيقة، تعذرا وتذرعا بأن الغاية تبرر الوسيلة، وأن الحرب خدعة، وأنت في حرب دائمة لا تضع أوزارها.

التربية بناء على أساس وبإرادة لا حماس، وبوضوح لا التباس، والغاية صلاح وإصلاح وتغيير وفلاح، ولا ارتكاس ولا انتكاس ولا إفلاس، في دنيا الناس وعند رب الناس.

الصحبة في الجماعة

لتفادي العض الوراثي بوجهي عملته: عض الصلاح توريثَ دعوة، وعض الفساد توريثَ دولة، وجب أن يكون الأمر شورى ليكون الحكم عدلا، وليكون الصلاح للإصلاح والتغيير المجمع على خطته، والمتفق على ربانية ربانه، وسلامة سفينته، وأمان رحلته، وبلوغه إلى غايته ومأمنه. لأن الصحبة بلا جماعة ضامن الصلاح ولا إصلاح، والجماعة بلا صحبة نشدان إصلاح بلا صلاح، والصحبة والجماعة عدل وإحسان صلاح وإصلاح، والصحبة في الجماعة ضامن استمرار الصحبة في الجماعة، واستثمارُها أن يكون الصاحبون نائبين عن المصحوب نجوم بدر مضيئة، هادية للحيارى التائهين، ورجوما للشياطين الماردين.

طالع أيضا  تأمينات 3/2فصل من فصول: "لبنات في بناء الذات"

المنهاج

بند آخر من بنود هذا التأمين لأن المنهاج مفتاح لوضوح الرؤية، ووحدة التصور والتصرف والصف، وقابلية مرنة للتنمية والتقويم بحسب موقع الدعوة ووضعها ومستطاعها مع وجود ثوابت لا تقبل التحويل، ومبادئ لا تقبل المساومة، ومراحل معروضة على حكمة التقرير والتحضير قبل التنظير والتأطير من أجل التحرير والتغيير.

منهاج هو مفتاح للعلم والفهم، وخطة عمل قابلة للتطبيق والتحقيق، إن مات فلان، أو اعتقل علان، أو زاغ طلان، بقي المنهاج أساسا للبناء، ونبراسا يستضيء به العاملون حتى لا يكون البناء عشوائيا في ظلام، ويكون مآله التصدع والتداعي والانهيار في واضحة النهار.

اللاءات الثلاث

– لا للعنف تأمين رباني نبوي ذكي حكيم، رحيم حليم، لأن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما خالط العنف شيئا إلا شانه، ولأن الرفق – وهو ضد العنف وبضدها تتميز الأشياء-: رحمة، والرحمة لب الرسالة النبوية، وأم الصفات الإحسانية، مشتقة من اسم الرحمن الرحيم، وصفات الرحمة المهداة للعالمين، ومن الرحم المطلوب وصلها لا قطعها، وهي من أعظم السبل الموصلة إلى سعادة المرحومين، والمانعة دون شقاء المحرومين.

لا عنف في الخطاب، ولا عنف في الحوار، ولا عنف في الاختبار، ولا عنف في إصدار القرار. لا عنف في التصور، ولا عنف في التصرف، ولا عنف في المقاومة والمدافعة والممانعة، بل مداراة ومصانعة، ولا عنف في الردود والمراجعة.

لا عنف في مواجهة الخصوم والأعداء، ولا عنف في معاشرة الأهل والأولاد والأقرباء، ولا عنف في تدبير الشأن الجماعي والاجتماعي، ولا عنف في جلب المصالح والمنافع، ولا عنف في درء المفاسد وتحقيق المقاصد، بل رفق ورحمة، وحلم وحكمة، مع قوة تمنع من أن يُعصَر اللَّيِّن، ويُكسر اليابس، وينسف البائس اليائس… قوة تُثبت ذاتك لا تفرضها، وتمنع غيرك من أن يطمع في إذلالك، والاستخفاف بك واستضعافك، تحت شعار: “لست بالخب ولا الخب يخدعني”، بل مصداقا للآية الكريمة (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ). والقوة وضع الأمر في يد الشرع، والعنف وضعه في يد الهوى، والعاقبة للتقوى، وليس الغلبة للأقوى.

طالع أيضا  تأمينات 3/3.. فصل من فصول: "لبنات في بناء الذات"

– ولا للسرية فهي في نظر المرشد الطبيب، الوالد الحبيب سذاجة صبيانية. لأن الخفِيَ يطمع المتربص به في إظهاره، ويبعثه بقوة على التجسس والتنصت والاختراق والتوجس، وأن يكيل لك التهم التي تتناسب وحجم وجودك المهدد لوجوده، وحجم ما يريد أن يلصقه بك لمحوك وتبرير هجومه بما يشوه سمعتك، ويبخس سلعتك، ويستعدي عليك أو يستفزك، أو يشكك من معك في من أنت، وما أنت عليه، وما أنت إليه ليحاصرك، أو يصادر مكتسباتك وظهورك وبروزك لمبارزة استبداده وفساده.

لا للسرية فمن شدة الخفاء الظهور، وأقوم خطة للدفاع الهجوم، وليحيى من حيي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة، إذ الوضوح بيان ليندم من أصابك بجهالة، ويخسأ من اتهمك بعمالة، ويبهث من رماك بضلالة، ويخيب من دعاك وأراد استدراجك لتحارب من أجله، أو تخدم مصالحه، أو تفتل في حبله بالوكالة.

طريق لاحب هو العمل في واضحة النهار الذي إمامه علم مسطر في منهاج معروض أمام البصائر والأبصار، ليمضي من مضى معك على بينة وبصيرة، ويحاربك، أو يعاديك من يحاربك أو يعاديك على مرأى ومسمع. وضوح لا سرية، وضوح قيادة ورؤية، وخطة ومراحل، ووسائل وغاية.

وضوح لا انفضاح، وانفتاح لا انبطاح، وتسرب لطيف لا اجتياح، ومصانعة حكيمة لا انزياح.

– لا للتعامل مع الجهات الأجنبية: المؤمن متهم في ذاته، في مظهره ومخبره. متهم في تصوراته، مقصده ومصدره. متهم في تصرفاته، عبادته ومعاملته وعمله وتدبيره. هو بحاجة لجهد جهيد حتى يُثبت للآخرين من بني جنسه وجلده، والآخرين من خارج دينه ولغته، وعرقه وأرضه سلامة نيته وطويته، وبراءة تصوره وتصرفه مما قيل عنه، أو نسب إليه، أو صدر في حقه ممن يجمعه بهم سقف واحد بله أن يكون السقف سماء جامعة، ويبقى المؤمن موضوعا في قفص الاتهام على الدوام، والمتهم حكام وأزلام، وأعداء وخصوم، خواص وعوام، والغاية تبرر الوسيلة، ووسائل اللئام تعليم وإعلام، وقضاء وأحكام، والإنسان عدو ما يجهل، والجهل أنواع: بسيط ومركب، واضح ومُعلب، سافر ومنقب، من بعيد أو مقرب، فكيف إن تعامل المؤمن مع الأجانب بتحالف أو شراكة، أو وساطة أو وكالة أو كفالة، فالاتهام عند ذلك سيصبح بلا شك أمرا مبررا، والمتهم مجرما، وإن كان بريئا لعدة أسباب: أولا، لأن التعامل مع الأجنبي الشرقي أو الغربي موضع اتهام على الدوام خاصة إذا تعلق الأمر بشراكة الأجانب مع المتهمين بالإسلام المسمى إرهابا في هذه الأيام.

طالع أيضا  تأمينات 3/2فصل من فصول: "لبنات في بناء الذات"

ثانيا: لأن الشراكة تبعث على أن يتحمل الشريكان مبدأي الربح والخسارة، أي أن يتحمل كلاهما أخطاء الآخر، ويحمل أوزاره، وهذا مصدر قلق لدى الطرفين، خاصة إذا كانا متباعدين يعيشان في وضع مختلف، مكانا وظروفا وأحوالا، وإمكانات ومؤهلات وقدرات.

ثالثا: لأن اختلاف الأنظمة السياسية والأنساق الاجتماعية، والأرصدة الحضارية والثقافية، والأعراف والتقاليد والقيم المتوارثة، والمتواضع عليها يجعل التحالف والتنسيق والتعامل مطلبا عزيزا تقف في وجهه عراقيل كثيرة، فما هو مبتدأ لدى هذا يعد خبرا عند الآخر، وما هو ميسر أن يحصل عليه هذا صعب المنال عند الآخر، وما هو بديهي مُسَلم به عند هذا يحتاج من الآخر إلى جهد وصبر ووقت واقتحام ومدافعة، يعني صعوبة إيجاد أرضية مشتركة للتنسيق والتعاون والتياسر، وهي ميكانيزمات ضرورية للعمل الجماعي المنظم.

رابعا: لأن المرخصات القانونية لهذه العلاقة مع الجهات الأجنبية أمامها أكثر من عقبة وتحد، سواء على المستوى السياسي، أو على المستوى الأمني، أو على المستوى التنظيمي التدبيري. وأن القوانين الوضعية العالمية منها والمحلية تشدد الخناق على هذا الصنف من العلاقات لتجعله جملا أمام سم الخياط، وجبلا تشعر وأنت في سفحه بين يدي صعوده بالعجز والإحباط، تحت لافتة الخيانة، ويافطة العمالة، وفزاعة الإرهاب، ومظلة التهريب والتغريب والتخريب، وظلال العدمية والرجعية والطائفية، وهلم جرا.