يكثر القول عندما يتحدث الناس عن الاستبداد، عن طبائعه وفظائعه، والنتائج السلبية “للممارسة الاستبدادية” إن على مستوى الحكم أو على كافة المستويات للعلاقة رئيس/مرؤوس، فنجد من يتكلم عن جرائم احتكار ونهب الثروة والمال، ونجد الحديث عن مصادرة الآراء، وحرية الاعتقاد، ونجد حديثا عن مصادرة حق الاختيار، كما نجد إسهابا في تناول شخصية المستبد، وغرورها وإحساسها المتعاظم بذاتها، وعن كيفية إخضاع عامة الناس، إلا أن ما نغض عنه الطرف ونتغافل عنه هو دور الناس في التمكين للاستبداد، فالناس هم من يصنعون صناعة مدمرة “صناعة الطواغيت”، فالشعوب تصنع وتمكن لمستعبديها إنطلاقا من قوة سالبة ذاتية لهذه الشعوب، وعن هذه القوة السالبة سيكون كلامنا، حتى نعلم أن المستبد لا يصنع ذاته وحده، فحتى لو كان كذلك بطبعه، فلا تمكين له إلا بوجود قوة سالبة تتيح له فرض هيمنته وسطوته.

فاستخف قومه فأطاعوه

يتحدث القرآن الكريم عن مساق الاستبداد وكيف يؤسس منظومة أتباعه، ويورد قصة فرعون، وغيره من الجبابرة الذين مارسوا الاستخفاف على شعوبهم، وتمكنوا من قلوبهم وعقولهم، فنالوا طاعتهم وتمكنوا من إخضاعهم، فخضع بعضهم طمعا، وخضع الآخرون خوفا، وآثر غيرهم السلامة فخضعوا، قال الله سبحانه وتعالى في سورة الزخرف 54- 56: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ.

قال السيد قطب في ظلال هذه الآية الكريمة: استخفاف الطغاة للجماهير أمر لا غرابة فيه، فهم يعزلون الجماهير أولا عن كل سبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها، ولا يعدون يبحثون عنها، ويلقون في روعهم ما يشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة، ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك، ويلين قيادهم، فيذهبون بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنين، ولا يملك الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون لا يستقيمون على طريق، ولا يمكسون بحبل الله، ولا يزنوا بميزان الإيمان، فأما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح.) فحياد الناس تجاه الأمر الإلهي في الضرب على يد الظالم، والقيام بواجب نشر المعروف والأمر به وإماتة المنكر والنهي عنه، بل وأن تنكبهم عن مراد الله الذي خلقهم من أجله، إلا وهو طاعته سبحانه، والقيام بأمره، ومن أمره سبحانه الأمر بالعدل والإحسان وايتاء ذي القربى، والطاعة في المعروف وعدم الركون إلى الظالمين، ومن فسق وحاد عن هذا المنهج الإلهي مكن الله رقبته للطغاة فساموه الخسف، ومنعوه النصف.

دين الانقياد

ليس للاستبداد من قوة فيه ذاته، فهو ضعف وخوف وضيق في جوهره، والمستبدون أكثر النفسيات مرضا، أما عن مصدر قوتهم، فهو تمكنهم من حمل غيرهم على خفة الجهل والسفه بكيد، وقهر أو خديعة أو تغرير، ويعتمد المستبد في بسط هيمنته على الوهم النفسي، والدعاية الكاذبة، وكذا اللجوء إلى القهر والعنف، لمن لا يخضع بتلك الآليات النفسية البالغة التأثير على النفوس الضعيفة، فيخضع الناس كالقطيع ويدينون للحاكم بالانقياد، قال عبد الرحمان بن خلون رحمه الله: إن الدول العامة في أولها يصعب على النفوس الانقياد لها إلا بقوة قوية من الغلَب للغَرابة، وإن الناس لم يألفوا ملكها ولا اعتادوه، فإذا استقرت الرياسة في أهل النصاب المخصوص بالملك في الدولة وتوارثوه واحدا بعد آخَر في أعقابٍ كثيرين ودُول متعاقبةٍ نسيت النفوس شأن الأوّليّة، واستحكمت لأهل ذلك النصاب صبغةُ الرياسة، ورسخ في العقائد دين الانقياد لهم والتسليم، وقاتل الناس معهم قتالهم على العقائد الإيمانية، فلم يحتاجوا حينئذ في أمرهم إلى كبير عصابة)، وهذا أخطر ما يصيب الإنسان أن يدافع عن أوهام المستبدين كما يدافع العقائد الإيمانية الراسخة.

القوة السالبة

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في نظرات في الفقه والتاريخ: إن أعتى سلاح في يد الجبارين ليس قوة سلاحهم وجموع جلاديهم، لكنه القوة السالبة، قوة الخمول الفكري ووهن النفوس المتقلصة إلى جحر التبعية وعافية الجبناء) وهذا تأكيد على أن العمل الذاتي السلبي في التعامل مع الاستبداد هو عنصر القوة الأكبر في استدامة الاستبداد والتمكين له، وتجذير سحره في النفوس والعقول، ولذلك حذر الأستاذ ياسين في كتاب المنهاج النبوي من ثلاث تحديات نفسية وسلوكية تعوق أي عمل جاد، سواء تعلق الأمر بالفرد أو بالجماعة، وهذه الذهنيات الثلاث هي:

1- الأنانية المستعلية: وهي القاعدة الصلبة للشخصية المستبدة، فالاستعلاء والاستكبار، وتضخم الأنا صفات ملازمة للمستبدين.

2- ذهنية القطيع: وهذه الذهنية تعني “القابلية للسوق” بحيث يكون الإنسان إمعة تابعا وخاضعا، ليس له قرار مستقل وتفكير حر، وليست له آصالة الذات داخل الجماعة، فليس العيب أن تكون وسط جماعة، بل العيب أن لا تكون لك آصالة الذات ويكون لك موقف ايجابي ونقدي بناء.

3- العادات الجارفة: وهي عادات سلبية هدامة يتم توارثها عبر الأجيال، وأقبح عادة درج عليها الناس إخضاع أعناقهم للاستبداد، ولقد رأينا وسمعنا العجائب، فهناك من يدافع عن الاستبداد بدعوى “شرعية تاريخية” عمر خلالها الاستبداد قرونا، وهناك من لا يتصور عدم إمكان إزالة الاستبداد، لأنه مألوف وعادي أن يبقى الشعب تحت نيره إلى ما لا نهاية، معجزين قدرة الله، تعالى الله، ناسين آيات الله في القرى الظالم أهلها وفي مآلات الطغاة الجبابرة كيف قصمهم الله؟