مع توالي الأيام يثبت للقاصي والداني مدى مصداقية فكرة التغيير، في دور التغيرات التي عرفتها المنطقة العربية بعد ما سمي بالربيع العربي، وهو الأمر الذي يستوقفنا من أجل البحث عن جذور النظريات التغييرية التي عرفها التاريخ البشري على مر الزمن، من أجل صياغة نظرية متكاملة تلبي حاجات الإنسان وتحاول سد الثغرات التي قد تأتي على الأخضر واليابس بعد جهود مضنية “للثوار”.

مفهوم النظرية

بداية ولضرورة منهجية نتوقف عند مفهوم النظرية، نبدأ هذا بالنظر إلى الجدر اللغوي للكلمة فالنظرية من نَظَرَ وفي لسان العرب نجد نظر النَّظَر: حِسُّ العين، نَظَره يَنْظُره نَظَراً ومَنْظَراً ومَنْظَرة ونَظَر إِليه).

والمَنْظَر مصدر نَظَر، يقول الليث: العرب تقول نَظَرَ يَنْظُر نَظَراً، قال: ويجوز تخفيف المصدر تحمله على لفظ العامة من المصادر، وتقول نَظَرت إِلى كذا وكذا مِنْ نَظَر العين ونَظَر القلب، ويقول القائل للمؤمَّل يرجوه: إِنما نَنْظُر إِلى الله ثم إِليك أَي إِنما أَتَوَقَّع فضل الله ثم فَضْلك. الجوهري: النَّظَر تأَمُّل الشيء بالعين، وكذلك النَّظَرانُ، بالتحريك، وقد نَظَرت إِلى الشيء.

وفي حديث عِمران بن حُصَين قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “النَّظَر إِلى وجه عليّ عِبادة”؛ قال ابن الأَثير: قيل معناه أَن عليًّا، كرم الله وجهه، كان إِذا بَرَزَ قال الناس: لا إِله إِلا الله ما أَشرفَ هذا الفتى لا إِله إِلا الله ما أَعلمَ هذا الفتى لا إِله إِلا الله ما أَكرم هذا الفتى أَي ما أَتْقَى، لا إِله إِلا الله ما أَشْجَع هذا الفتى فكانت رؤيته، عليه السلام، تحملُهم على كلمة التوحيد) 1 .

وفي تعريف للعقل عند الفيروزبادي وردت كلمة النظرية والحَقُّ أنه نورٌ روحانِيٌّ، به تُدْرِكُ النفسُ العلومَ الضَّرورِيَّةَ والنَّظَرِيَّةَ) 2 . ويقول ابن تيمية: والنظر جنس تحته حق وباطل، محمود ومذموم)، ويضيف: إن النظر لا يقتصر على البصر والإبصار بالعين، وإنما هو يشترك فيه العقل والحواس جميعًا) 3 .

ولعل التعريف اليوناني للنظرية يرجع أساسا إلى طبيعة العلم الذي لم يكن مرتبطا آنذاك بأي تقنية حديثة) 4 . ويعرفها مجدي وهب بأنها جملة التصورات مؤلفة تأليفا عقليا تهدف إلى ربط النتائج بالمقدمات) 5 .

أما في معجم لالاند الفلسفي فنجد مقابلة بين مفهوم النظرية ومفهوم الممارسة ويشير إلى أنها أحيانا تستعمل بمعنى ازدرائي عامي ويعرفها بكونها إﻧﺸﺎء تنظيري للعقل، ﻳﺮﺑﻂ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﺑﻤﺒﺎدئ) 6 .

وظائف النظرية

رغم الصعوبات التي تعترض المنظر وذلك لصعوبة ما يصبو إليه وهو ما يبدو من المنظرين على مر التاريخ، فدراسة النظرية السياسية في الوقت ذاته صعبة ومفيدة، فهي صعبة لأنها تتطلب انضباطا شخصيا وتأملا واجتهادا، لكنها ضرورية… لأنها تقدم لنا الأدوات التحليلية الرئيسية المستخدمة من أجل معرفة الواقع السياسي) 7 يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: وكان لا بد من مخطط لهندسة التربية والتنظيم والزحف، فهمًا يؤُم ُّالعمل، وعلماً من العلم وفكرا من الفكر، واجتهادا من الاجتهاد. كان لا بد من رسم منارات وترسيم آفاق لانطلاقة متوكلة على الله عز وجل سارية إلى حيث موعود الله في غَلس السياسة وبين يدي بشائر التعرض لنفحات الله والاعتراض على المنكر الصاد عن سبيل الله. كان لا بد من فهم لمقتضيات مصانعة الواقع قبل ولوج سوقه وعلمٍ بما هو المعروف قبل التقحم في معاقل حِمَى المنكر واجتهادٍ لتأصيل الحركة على الأرض الشائكة البائكة تأصيلا يُمدها بهدى كتاب الله ونور سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم) 8 . نخلص إلى أن للنظرية وظيفتين رئيستين هما:

– وظيفة تفسيرية: تسعى إلى تفسير الوضع الذي تعيشه المجتمعات في فترة زمنية معينة وفق معطيات محددة، ويستفيد من الأخطاء التي وقعت سواء على مستوى الفكر أو الممارسة.

– وظيفة تنبئية: من خلالها يحاول المنظر البحث عن السبل التي تضع لبنات أساسية لبناء مجتمع متماسك وفق نظريته الجديدة، مستعينا بجهاز مفاهيمي متكامل.


[1] ابن منظور، لسان العرب.\
[2] الفيروزبادي، القاموس المحيط.\
[3] ابن تيمية، “الفتاوى الكبرى”، كتب السلوك، ج 1، ص 486.\
[4] جلال الدين سعيد، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، دار الجنوب، 2004، ص: 469.\
[5] مجدي وهب، كامل المهندس، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مكتبة لبنان، 1984، ص: 413.\
[6] أندريه لالاند، المعجم الفلسفي، ص: 1455.\
[7] Denis Monière/Jean Herman Guay, Introduction aux théories politiques,1987.\
[8] عبد السلام ياسن، المنهاج النبوي، بين يدي الطبعة الثالثة.\