ما معنى الاستبداد؟ من المستبد؟ أين؟ متى؟ ولماذا يمارس الاستبداد؟ تلكم أهم الأسئلة التي باتت تشغل أفواه الشعوب التواقة إلى غد الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، بشتى فئاتها وطبقاتها، فحق لهم ذلك لأنه الغول الأكبر الذي مازال يشكل الصخرة العثراء أمام الحياة الكريمة التي يرمي لها المواطن في بلاد الاستبداد والفساد، عنوانها الأبرز: حرية وكرامة وخير عميم.

مهما تعددت الوسائل، واختلفت الآليات من مكان إلى آخر، ومن حقبة إلى أخرى والتي ترتكز عليها خطط المستبدين إلا أنها تبقى موحدة الأهداف وأحادية المرامي، بحيث لا تعدو أن تكون محاربة الحق بتجلياته المتعددة وفي مجالات مختلفة ومحاولة طمس الحقائق وحجبها إن أمكن لهم ذلك.

إن محاولة الوقوف على دلالات كلمة “الاستبداد” ليبدو منذ الوهلة الأولى أمرا بسيطا ومعتادا في أوساط المستضعفين وغير غريب على آذان الشعب المفقر، لكن إذا تفحصنا الكلمة ووقفنا عندها وقفة متفحص ومحلل سنجدها في الحقيقة غير ذلك، فالاستبداد قبل أن نعتبره ذلك الفعل السافر على حقوق المواطنين من حيث سلبها و التهجم عليها، فهي طريقة تفكير وسلوك يومي وادعاء للحقيقة، فلا أحد يدري المعرفة الحقيقية سوى أنا، فالعالم كله بحاجة إلي، أنا ربكم الأعلى، أنا أميركم، إنكم بحاجة إلى بركاتي، فكلامي كله خير وبركة، لا ترفض وتقل ما يتنافى مع كلامي وأنا موجود، فتفكيرك بدوني حكم بعدم وجودك، لا تنكر علي صفات وإن كانت في الحقيقة زيفا وادعاء… بهذه الكلمات تتفوه قلوب المستبدين، وبهذه العبارات نحدد معالم تفكيرهم، ومن هنا نستخلص أن الاستبداد جبل أمام شعب لا يملك إلا الفؤوس التي وإن رغبت في تعبيد طريق العدل والحياة من جديد، أضحت عاجزة عن ذلك لأن التدجين والرضى بأنصاف الحلول، والعزيمة المبتورة والإرادة المنخورة أصبحت هي عناوين حياة إنسان يريد السفر وسط أمواج هائجة لا رحمة عليها ولا شفقة تلقي بكل من ركبها في أعالي البحار لتأكله الحيتان، ومن ثم تنتهي القصة لتبدأ حكاية أخرى من جديد.

على شفا جرف هار…

وإن كان الاستبداد من سمات الملوك والجبابرة، وهو نهجهم وديدنهم في كل الحقب والعصور، إلا أنها سرعان ما تنهار وتنمحي أمام كلمة اسمها الحقيقة التي تنافي كل دلالات الأوهام والمعتقدات الباطلة. أليس التاريخ بواقعيته الصامدة هو الشاهد الأكبر على خاتمة المستبدين؟ ألم نستخلص منه الدروس والعبر على أن الكمال لله وحده سبحانه؟ ألم نعتبر منه كثيرا لنفهم من زاوية قد تكون غريبة على أن المستبد ما هو إلا امتحان يقدره البارئ جلت قدرته على داعية أو صاحب رسالة سماوية مختبرا إياه ووازنا إيمانه وقوة تشبثه بما يدعو إليه وما يصبو اليه؟ ماذا عسانا نفعل إذا سوى أن نقوي من ارتباطنا بالخيط الرفيع، بالمنهل الرباني وبالمعين الفياض، الخير الذي لا ينضب، لنفهم أن تباشير الإسلام آتية آتية وإن طال الزمان؟ فالاستبداد وإن يتراء للإنسان الضعيف جبلا يستحيل اختراقه، ولا يمكن تجاوزه في حال من الأحوال، فقد وتد له بحبال لا تنقطع، خططا كانت وسياسات مدبرة ترمي إلى تقعيد المواطنين لعدم البوح بحقوقهم ولتدجين أفكارهم لكي لا تنور بعزيمة القومة ضد المستبدين الفاسدين… فمهما كثر القيل عن هذا وذاك إلا أنه على شفا جرف هار، دواخله منخورة وإرادته منحورة، فما ينتاب فكر المستبد، وإن تعددت الوسائل سوى البحث عن تمديد زمن استبداده وحكمه بهواه، لكن أنى لهم ذلك فكل ما في جعبتهم إلى زوال وكل ما يخططون له في كواليسهم إلى فضح ونطح على جدران لا تفقه شيئا من المعمول بهم.

فهل من معتبر…

أن يشكل حول كامل منحنى سياسيا آخر في تاريخ البشرية جمعاء وفي أوساط الأمة الإسلامية بالخصوص، إنها سنة 2011/2012، فيها اقتلعت بعض جذور الاستبداد في الوطن العربي، زين العابدين بتونس، ومبارك بمصر، وصالح باليمن والقذافي بليبيا، وما زالت الثورات تعصف بعروش أخرى بفضل من الله وقوته، ليعتبر أعداء الصحوة الاسلامية، ويأخذوا الدروس بأن البشرى الموعودة في طريقها إلى يوم ستتفتق فيها حويصله المنكرين الجاحدين بأمر الله. فمن كان يتبادر إلى ذهنه أن أمرا كهذا سيقع؟ ومن كان يتحدث عن ركام من الفساد وتركة من الاستبداد سيكشف عن حالها، بعزيمة شعب لا يملك إلا الحنجرة الناطقة بالحقيقة؟ ألم نكن نعرف أنفسنا فيما قبل بأننا أمة إسلامية ينتظرها الكثير؟ فالبدار البدار، فأسباب النصر والتوفيق بأيدي المستضعفين، فالتغيير بين يديك أيها الانسان، اعرف نفسك بنفسك، تحرر من عقلية البعير واجعل لنفسك عنوانا لعلك تساهم في تعبيد الطريق إلى خلافة ثانية موعودة.

مقياس في غير محله…

تقاس السوائل باللترات، ويقاس غيرها بما يناسبها من مقياس ومعيار، هذا ما اعتدناه في الفيزياء والرياضيات، لكن في عالم الاستبداد غالبا ما تقلب الأمور رأسا على عقب، فتنسب الصفات لمن لا يستحقها، ويفشى الزيف والكذب بغية التمادي في الفساد والكساد، تنهب ثروات الفقراء والمساكين وتصرف في المهرجانات الماجنة والليالي الحمراء، وندعي أننا في طريق الفلاح والرشاد. كفاكم نفاقا وكذبا وافتراء، فلا يدوم لكم لا الدرهم ولا الدينار، فتوبوا وأنيبوا إلى العلي القدير توبة عمرية نصوحة لا خيانة بعدها ولا خذلان، فالعروش والأرائك لا دوام لها وإن طال الزمان، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا فمقياسكم ما هو بمقياس.

كلا، فاعتبر أيها المغرور بمن سبقوك، وبادر إلى الخير والصلاح قبل أن يفوت الأوان، فالزمان لا يتوانى عن المسير فلا عودة ولا رجوع.