تقف الأمة الآن على أبواب مرحلة جديدة مختلفة عن سابقتها… مرحلة تطبعها شروط جديدة استوعبها من استوعبها وتجاهلها من تجاهلها… تنزاح عن كاهل الشعوب يوما بعد آخر آصار الاستبداد وتتكسر قيوده، وتتجه الشعوب إلى بناء مؤسسات تقطع مع ماضي الاستبداد.

ويوشك تخريب البناء الأسري وإضعافه أن يشكل الهدف الأول للطامعين في وقف انبعاث الأمة وإفشال قومتها. بل لا نبالغ إذا قلنا إن استهداف تماسك الأسرة وسلامتها هو المقتل الذي إن أتيت منه الأمة هلكت. ولا يتهمنّنا أحد بالانسياق الواهم خلف نظرية المؤامرة) إذا قلنا إنها حرب يومية يحركها عداء لا مماراة فيه وحقد لا ينطفئ ولا يخبو. بل هي حقيقة نبهنا إليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصدقتها آيات الله في الآفاق والأنفس الواضحة البينة. يخبرنا سيد الوجود صلى الله عليه وآله وسلم – في الحديث التالي – بجهد ومكر يوميين يشكل فيهما هدم البناء الأسري وتفكيكه أغلى الأهداف وأنفسها. ففي صحيح سيدنا الإمام مسلم رضي الله عنه عَنْ سيدنا جَابِرٍ رضي الله عنه قال: “قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ مَا صَنَعْتَ شَيْئًا قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ قَالَ فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ نِعْمَ أَنْتَ”.

في الحديث إخبار عن عرش يوضع على الماء وهو منازعة من الملعون إلى يوم الدين – وقانا الله من مكره – لرداء الله عز وجل الذي شاء سبحانه وهو المتعالي أن يكون عرشه على الماء: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (سورة هود الآية 7). وعن رداء الله عز وجل جاء في سنن الإمام أبي داوود رحمه الله “عَنْ سيدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن سيدنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قال اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ”.

ثم إن هناك سرايا تبعث. ولا تبعث السرايا إلا للحرب… يصف لنا الذي لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام حربا لا قتال فيها لكنها أشد من القتال وأكبر “فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَة”وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (سورة البقرة الآية 217).

طالع أيضا  في البناء الأسري: حتى لا تتسطح الرؤية (2)

ولا تحسبنها – يقول معنى الحديث – حربا عفوية فطرية لا تخطيط لها ولا تدبير. بل تتم موافاة القيادة أولا بأول بأخبار السرية وبما أنجز “يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ مَا صَنَعْتَ شَيْئًا”، لا بل الأشياء فيها محسوبة والإنجازات والمكافآت قابلة للقياس بدقة حتى أنه على قدر ما تحقق من الفتنة يكون التنويه والإشادة: “فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَة”.

“مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِه”

تفرق الزوجان – تفرق قلباهما سواء طلقا أم بقيا تحت سقف واحد – ففقد الأبناء دفء الأسرة ولما يشتد عود نفسياتهم، وألقيت بذور الشقاق والعداوة بين أسرتين كانتا متصاهرتين وتصدعت أسوار حصن كان يقي الزوجين ويلات الفواحش وحبال الشيطان، وفقد كل من المفترقين سكنه الذي معه كان يبدد اضطرابه ويستعيد استقرار نفسه وتوازن مشاعره… فهل فتنة في الدين والدنيا أعظم من هذه؟

“فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ نِعْمَ أَنْتَ”

وإذا كان ما ذكرنا حربا شعواء هدامة أشد فتكا من القتال فالتصدي لها ونصرة النفس والأمة فيها – هي دون شك – من أعظم أبواب الجهاد وأرقاها.

وما أجمل وأدق ما كتب الأستاذ المربي عبد السلام ياسين حفظه الله ونفع به في بداية كلامه عن الشعبة الخامسة في تصنيف شعب الإيمان من كتاب المنهاج النبوي: الاستقرار في البيت، وحسن التعامل فيه، من أهم ما ينبغي أن يميز المؤمنين. وإنه لجهاد يقتضي رحمة وحكمة، لا سيما في فترة الانتقال من مجتمع الفتنة إلى المجتمع الإسلامي. للناس عادات ومشارب، والبيت مغزو بأدوات الإعلام الفتنوية. ولأهل كل بيت فتن. فعلى المؤمنة والمؤمن ألا يعنفا على أهل بيتهما بما ينفر. الجهاد في البيت جهاد دعوة وصبر ومصابرة).

ولا يستغربن القارئ الكريم لفظ الجهاد في البيت فهو معنى أصيل في هدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لقد بلغ الأمر بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحيانا أن يجعل الجهاد في الأسرة أولى من قتال العدو في الميدان… لنقرأ مثلا الحديث الآتي الذي رواه سيدنا الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: “جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ أَحَيٌّ وَالِدَاكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ”.

هو الجهاد الأسري إذن…

طالع أيضا  في البناء الأسري: حتى لا تتسطح الرؤية (5)

1- تنبيه آخر

مقصود هذه السورة ذكر أحكام العفاف والستر. وكتب عمر رضي الله عنه إلى أهل الكوفة: (علموا نساءكم سورة النور)) هكذا بدأ الإمام القرطبي رحمه الله تفسير سورة النور.

من كمال القرآن الكريم ووسطيته نزول آياته بإذن من الله عز وجل مواكبة لأحداث معيشة مشاهدة حضرها معاصرو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صحابة وأعرابا ومنافقين وأهل كتاب وغيرهم… حتى تكاد لا تجد تفسيرا لآية من الآيات لا يتحدث فيه صاحبه عن أسباب النزول. ذلك لنعلم أن كنوز القرآن الكريم ليست مجرد درر روحية وفكرية ولغوية نفيسة تتداول في مجالس القعود الدسم، بل هي طاقات وأنوار صالحة للواقع الدنيوي المعيش ومنطلقة منه ونزلت بسببه تصحب المستمسك بها في رحلة التحاقه بالدار الآخرة بكل مشاقها وأهوالها فتحيلها سيرا قلبيا إلى الله عز وجل يتذوق به العابر إلى البرزخ لذة الصبر على البلاء وحلاوة الاعتراف بفضل الله عز وجل ونعمته وحقيقة موافقة الحق سبحانه في معاملة الخلق والإحسان إليهم.

فما سبب نزول سورة النور يا ترى؟ وما دلالات ذلك؟ وماذا نستفيد؟

هي سورة البناء الأسري بامتياز

أما أهم حدث واكبته هذه السورة ووصفته وعالجته في قلوب الناس ثم على الأرض فهو دون منازع ما عرف بحادثة الإفك. أحب المخلوقات إلى قلب سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، من كانت تشاركه الطعام والفراش والمشاعر والأنفاس تتهم في عرضها الشريف وتتداول الألسنة الإشاعة الخبيثة ويكثر الكلام حتى يظهر أثر ذلك على أكمل من مشى على الأرض صلى الله عليه وآله وسلم، أيام عصيبة – شهر كامل – أوذيت فيه الأسرة الشريفة لمن سيلتجئ إليه الخلق جميعا يوم القيامة، يوم يقول كل الناس نفسي نفسي ويقول هو عليه الصلاة والسلام أمتي أمتي.

وليس عبثا على الإطلاق أن يكون سبب نزول الهدي الرباني الموجه للأسرة إلى قيام الساعة زلزلة شديدة عاشتها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ثلاثة أيام وعاشها سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام شهرا كاملا…

· عندما أراد رأس النفاق النيل من سراج الدعوة إلى الله عز وجل صلى الله عليه وآله وسلم اختار أن يوجه الضربة إلى الأسرة، ولا أدل من هذا على محوريتها في عمران الصحابة الأخوي إذ تجتمع في رأس النفاق وأذنابه خصلتان: الخبرة العميقة بمجتمع المسلمين والرغبة الجامحة في تدميره وشل مفاصله الأخلاقية والروحية. ولا أدل من هذا الاستهداف على مركزية الأسرة في نجاح عمل الداعية إلى الله عز وجل. وليس عبثا أن يقرن عباد الرحمن طلب إمامة الأمة بطلب الاستقرار الأسري: والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما·

طالع أيضا  في البناء الأسري: حتى لا تتسطح الرؤية (4)

· كأن سبب النزول يقول لكل رب أسرة: أول ما يجب أن تتعلمه عن بنائك الأسري هو أنه مستهدف بأخبث ما يمكن أن تتصور، بعد هذا تعلم من كتاب الله تعالى باقي الدروس وتزود منه بباقي الأنوار واللبنات.

· ما كان للإشاعة الخبيثة أن تنتشر لو بقيت متداولة فقط بين ألسنة المنافقين، لكن استجابة بعض المؤمنين وانسياقهم وراء ما راج كان المصيبة الأعظم، نتعلم من هذا أن المجتمعات المستجيبة لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرية يسري عليها ما يسري على البشر، تحتاج إلى التنبيه المتواصل والنصيحة الدائمة الخبيرة بحال المجتمع المواكبة لما استجد فيه وأن كيد النفاق ضعيف إلا أن يجد من بطانتنا الحليف.

· كان اللسان المعول الذي سعى رأس النفاق لعنه الله إلى تدمير الأسرة النبوية الشريفة بواسطته: ولا إشارة أوضح من هذه على خطورة ما نلفظ من القول على البيوت والأسر. ولكل زمن ألسنه: وسائل الإعلام، مواقع التواصل الاجتماعي، الصحف، المواقع الفضائية وغيرها ألسن جديدة أذن الله تعالى بظهورها في زمن الناس هذا اختبارا منه وابتلاء. وتبقى آيات الكتاب عالية شامخة نفيسة عزيزة لا غنى لهذه الألسن الجديدة عنها إن أرادت البشرية الرقي إلى المستوى الذي خلقت من أجله، وإلا فهو التخبط والدماء المسفوكة والمعيشة الضنك.

· كان الفرج بعد هذا الزلزال الشديد في شيئين: القرآن الكريم وتصديق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغ القرآن ومفسره الأول وكذلك الفرج لكل أسرة مهما كان ما مرت به من مكاره وخطوب في التمسك بحبلي القرآن والنبوة.

الآن وقد نبهنا الحديث الشريف وسبب النزول إلى اتفاق رأس الكفر ورأس النفاق وجنودهم على استهداف المؤمن الفرد والمؤمن المجتمع في بنائه الأسري، حق لأنفسنا العابثة اللاهية – ونفسي أعني – إلا ما رحم ربي أن تجلس مثقلة بأسئلتها وحاجاتها تحت منبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طالبة ما به ينصلح أمرها وتقر عينها بعد أن توقد مصباح الفهم من نور القلب المتعرض لمشكاة النبوة وضيائها.