قبل ثلاثة عشر عاما اعتُبر الميثاق الوطني للتربية والتكوين)مشروعا متكاملا لإنقاذ المنظومة التعليمية من الإفلاس، ولم يكن هذا “الميثاق” في جوهره غير توصيات المؤسسات الدولية المالية المانحة تضمنها تقرير ما عُرف منتصف التسعينيات (1994) بالسكتة القلبية؛ فبادر النظام الى إحداث هيئة موسعة توزيعا لدم قطاع التعليم على المنخرطين في السياسة المخزنية وتهربا من تبعات فشل المشروع. هيئة مُثلت فيها سائر الأطياف المنخرطة فطارت إلى بلدان رائدة في إصلاح التعليم في كل القارات، ثم عادت للتطبيل والتهليل لمشروع شبه جاهز يستجيب لرغبات البنك الدولي أبدعت الهيئة في تبويبه و”مغربة” توصياته.

مشروع مخضرم بين “عهدين” جسد استمرارية النظام وتمسكه بذات التوجهات ودحض شعار “العهد الجديد”. مشروع كلف خزينة الدولة الكثير، وسُوِّقَ إنجازا عظيما وفتحا مبينا دشن به النظام “عهده الجديد” لم يقوَ على الصمود أكثر من سبع سنوات، ليلِج قسم الإنعاش ويُعتمد مخطط استعجالي بالملايير عساه يتدارك هفوات ميثاق كان الإفلاس مصيره لتعلن “وفاة” الميثاق الوطني للتربية والتكوين رسميا، ويعود النظام مرة أخرى ليقود مبادرة “الإصلاح” وفتح الأوراش من خلال ما تضمنه خطاب ذكرى 20 غشت.

هدرت الملايير وهدرت معها ثلاثة عشر عاما، وتُلُوعب بمصير أجيال من أبناء الشعب، وتقهقرت معها مؤشرات التنمية ليتبوأ المغرب أدنى الدرجات وراء بلدان إفريقية لا تتوفر على عُشر مؤهلاته: مالاوي وبورندي وتانزانيا وبنين وجيبوتي وإثيوبيا… كما جاء في تقرير اليونسكو الذي قدم مقارنة إحصائية للتعليم في العالم لسنة 2011.

ميثاق وطني ومخطط استعجالي ـ وما الله أعلم به من هيئات في قابل الأيام والشهورـ تعددت التسميات وتنوعت فرص نهب المال العام والإفلاس واحد لتعود قضية التعليم إلى مربعها قبل عقود حيث كانت لازمة في الخطب الرسمية وورش إصلاح ولا إصلاح؛ فالمغرب صاحب الرقم القياسي العالمي في مخططات إصلاح التعليم: مشروع لكل عشر سنوات، وما يقتضيه من إحداث لجان وهيئات وعقد مناظرات تصدر توصيات للنهوض بقطاع هو لدى الأمم قاطرة للتنمية والتحرر من الذيلية والتبعية، وهو في تقدير النظام عبء على خزينة الدولة ماليا ومزعج بما قد يبثه من وعي بين فئات الشعب.

إن أزمة التعليم في المغرب ليست قدراً ، كما أنها ليست أزمة مناهج ولا مقررات ولا مقاربات أو نظريات ديداكتيكية، فالمدرسة المغربية ظلت حقل تجارب لكل ما جد من مقاربات، لكنها أزمة اختيارات وغياب مشروع مجتمعي كفيل بتحقيق الكرامة والحرية والعدالة. مشروع مجتمعي يتطلب نية حقيقية للإصلاح وإرادة صادقة للارتقاء بالعباد والبلاد. ومتى توفرت الإرادة وصلُحت النية فالعبقرية المغربية لن تُعدم سبل تأهيل الانسان وامتلاك الخبرة وتوطين التكنولوجيا وتعبئة المجتمع لينخرط في بناء صرح وطن يقتسم فيه الجميع أعباء التنمية، مثلما يقتسمون خيراته ومقدراته، وقبل ذلك ومعه يعتزون بالانتماء إليه.

إن إفلاس المنظومة التعليمية ـ كإفلاس سائر المبادرات والأوراش لأن التربة الإدارية والمناخ العام موبوء ـ برهان قاطع وعملي على بوار التدبير الأحادي، فتُقصى المبادرات وتُجهض الاقتراحات، بل ويحارب أصحابها من ذوي الغيرة على البلد فتُضطر الأدمغة لشد الرحال إلى حيث تقدر ويعترف بكفاءتها.

إن الاستبداد هو احتكار للقرار في سائر المجالات في التعليم كما السياسة كما في الرياضة واستحواذ على مصادر الثروة، إنه معضلتنا وداؤنا العضال المزمن.