رأينا في مقال سابق كيف ألهم الله الأسوة النبوية أن تختار الفطرة توفيقا منه سبحانه وسدادا، وأن تختار الهجرة زيادة في الخير وإحسانا، وأن تختار أيسر الأمور رحمة بالأمة وإشفاقا، وأن تختار الشفاعة إتماما للنعمة وإفضالا، وأن تختار لقاء الله حبا واشتياقا.

ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يدركون ما في الاختيار النبوي من توفيق وبركة، فكانوا يسألونه أن يختار لهم في دقيق الأمر وجليله.

نورد في هذه الفقرة حديثا لأبي الهيثم بن التيهان رضي الله عنه يعرض لنا أحد مشاهد التعلق بالشخص الكريم. نورده على طوله لما تضمنه من رقيق العواطف، وجميل الآداب، ورفيع المعاملات. وما أحوجنا ألا نقنع من أحاديث النبوة بمجرد الأحكام، وأن نتشرب منها من سليم الذوق، ولطيف الحس، ما يجعل اقتداءنا بالأكابر أكثر كمالا، وأبهى جمالا. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: “خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَاعَةٍ لَا يَخْرُجُ فِيهَا وَلَا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ: خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ وَالتَّسْلِيمَ عَلَيْهِ. (سبحان الله، ما هذه المحبة، يخرج شوقا للنظر في وجه حبيبه صلى الله عليه وسلم!). فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ؟ قَالَ: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ. فَانْطَلَقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيْهَانِ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاءِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ. فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَالُوا لِامْرَأَتِهِ: أَيْنَ صَاحِبُكِ؟ فَقَالَتْ: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ. فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ بِقِرْبَةٍ يَزْعَبُهَا، فَوَضَعَهَا ثُمَّ جَاءَ يَلْتَزِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُفَدِّيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَتِهِ فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطًا، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ فَجَاءَ بِقِنْوٍ فَوَضَعَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفَلَا تَنَقَّيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُوا أَوْ قَالَ تَخَيَّرُوا مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ، فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاء.ِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنْ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ظِلٌّ بَارِدٌ وَرُطَبٌ طَيِّبٌ وَمَاءٌ بَارِدٌ. فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ لِيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَذْبَحَنَّ ذَاتَ دَرٍّ. قَالَ: فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقًا أَوْ جَدْيًا فَأَتَاهُمْ بِهَا. فَأَكَلُوا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ لَكَ خَادِمٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ فَأْتِنَا. فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْسَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ. فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اخْتَرْ مِنْهُمَا !فقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ اخْتَرْ لِي. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ، خُذْ هَذَا فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي، وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا. فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ: مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ مَا قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنْ تَعْتِقَهُ. قَالَ: فَهُوَ عَتِيقٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ” 1 .

لا ندري في الحقيقة بأيها نعجب في هذه الصورة الرائعة: بكرم أبي القاسم، أم بترحيب أبي الهيثم، أم بفطنة زوجة أبي الهيثم. لكننا نغلق على رياح حيرتنا باب الطمع إذا علمنا أن المربي هو صاحب الخلق العظيم، وأن خير القرون هم تلامذته وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين.

طالع أيضا  الاختيار النبوي

النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يختار لأحبابه من الرطب أجودها، ويختار لهم من الخَدَم أهل الصلاة.

وكذلك يفعل مع سيدنا علي وسيدنا أبي ذر رضي الله عنهما. “عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ مِنْ خَيْبَرَ وَمَعَهُ غُلَامَانِ فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْدِمْنَا! فَقَالَ: “خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ”. فَقَالَ: خِرْ لِي. قَالَ: “خُذْ هَذَا وَلَا تَضْرِبْهُ فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُهُ يُصَلِّي مَقْبَلَنَا مِنْ خَيْبَرَ، وَإِنِّي قَدْ نَهَيْتُ عَنْ ضَرْبِ أَهْلِ الصَّلَاةِ”. وَأَعْطَى أَبَا ذَرٍّ الْغُلَامَ الْآخَرَ فَقَالَ: اسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ مَا فَعَلَ الْغُلَامُ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ؟ قَالَ: أَمَرْتَنِي أَنْ أَسْتَوْصِيَ بِهِ خَيْرًا فَأَعْتَقْتُهُ” 2 .

الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخير عليا ثم لا يرضى الإمام إلا بالاختيار النبوي. ويوصي الحبيب أبا ذر بخادمه خيرا، فيفي الغفاري بالعهد، ويحفظ الوصية، ويتحرى لهدية رسول الله أحسن الإكرام.

صحابي آخر يحظى بشرف التوجيه النبوي فيما يستقبل من عهود الفتوح، وأيام التمكين. عَنْ ابْنِ حَوَالَةَ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “”سَيَصِيرُ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ تَكُونُوا جُنُودًا مُجَنَّدَةً جُنْدٌ بِالشَّامِ وَجُنْدٌ بِالْيَمَنِ وَجُنْدٌ بِالْعِرَاق”.ِ قَالَ ابْنُ حَوَالَةَ: خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِك!َ فَقَالَ: “عَلَيْكَ بِالشَّامِ فَإِنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَأَمَّا إِنْ أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ وَاسْقُوا مِنْ غُدُرِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَوَكَّلَ لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ”” 3 .

وهكذا كان القلب الرحيم يتسع لرجاء الصحابة واستعطافهم. ولم يَفُتْهُم من جانبهم. وهم صنيع النبوة على عين الله، وهم الوعاء لآداب وأخلاق رسول الله. أن يكافئوا صاحب المعروف عرفانا بالجميل. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رض الله عنهما قَالَ: “لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَحْفِرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثُوا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَكَانَ يَضْرَحُ كَضَرِيحِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَبَعَثُوا إِلَى أَبِي طَلْحَةَ وَكَانَ هُوَ الَّذِي يَحْفِرُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ يَلْحَدُ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِمَا رَسُولَيْنِ وَقَالُوا: اللَّهُمَّ خِرْ لِرَسُولِكَ. فَوَجَدُوا أَبَا طَلْحَةَ، فَجِيءَ بِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ أَبُو عُبَيْدَةَ فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ” 4 .

كأنهم وهم يستخيرون الله له في دفنه يرُدُّون بعضا من مِنَّتِه عليهم بما اختار لهم في حياته مما يُصْلِح دنياهم وأخراهم.

طالع أيضا  الاختيار النبوي

[1] رواه الإمام الترمذي رحمه الله في كتاب الزهد باب ما جاء في معيشة أصحاب النبي وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.\
[2] رواه الإمام أحمد رحمه الله في باقي مسند الأنصار.\
[3] رواه الإمام أبو داود رحمه الله في كتاب الجهاد باب في سكنى الشام/ والإمام أحمد رحمه الله في مسند الشاميين.\
[4] رواه الإمام ابن ماجه رحمه الله في كتاب ما جاء في الجنائز باب في ذكر وفاته ودفنه.\