تذكير

في مقالات عدة بدايات القرن الواحد والعشرين أكدنا على أن زمن الثورة بمعناها التقليدي المرتبط بالعنف وسيلة والمادية جوهرا قد ولى بلا رجعة نظرا للتحولات الجوهرية التي حصلت وتحصل في نظام العلاقات الفردية والدولية وفي مستوى زحف القيم السامية في احتلال العقول والنفوس.

وفي مقال تحت عنوان الرحيل من زمن الثورة إلى زمن الأمة) المكتوب إبان اشتعال انتفاضة الشعب المصري القائمة حتى اليوم أكدنا أنه قد حل زمن الأمة بكل قيمها ورسالتها؛ إذ بدأ رحيلها من فترات العنف السياسي والاستبداد والفساد والانقلاب العسكري إلى مواطن القوة والعزة والقيام بواجبها التاريخي الإنساني. ولاشك أن لهذا الرحيل مسافات ومساحات وآلام ومخاضات ومعاناة ترتبط درجات استيعابها وتجاوزها تماما بمستوى قيادة المرحلة تربويا وأخلاقيا وفكريا وحركيا، وهو ما سميناه بضرورة القيادة المجتمعية المؤهلة دوما لتدبير مراحل الزحف والرحيل بنجاح، بما في ذلك القدرة على الاستيعاب وفتح آفاق الحركة في كل أبعادها.

إننا حين نؤكد على هذا فليقيننا أننا نتحدث عن ضرورة مشروع مجتمعي كبير كاشف عن مستواه العلمي والمعرفي في توازن وانسجام تام بما يحققه من إنجازات على أرض الواقع، ولذلك كان من ضمن ما أكدنا عليه أن المعارضة في المغرب لن تستطيع أن تنجز أي نوع من التغيير والإصلاح واقعيا ما لم تملك فكرا وفقها سياسيين متخلصين تماما من قبضة قواعد التفكير واللعبة السياسيين المهيمنين على نظام التفكير الذي أسسه الاستبداد القائم وقعد له على مدى قرون من الزمن واستطاع أن ينجز اختراقا هائلا لبنيات التفكير لدى النخبة نظرا لتعقد اللعبة السياسية في المغرب بدرجة شديدة وكبيرة، بل صار مدرسة تصنع رجالها وقواعدها ومؤسساتها حتى أصبحت استثناء في مجالها.

إن انعكاس تعقد العملية السياسية في المغرب لم يقتصر على المستويات التفصيلية في التعاطي مع قضايا الشأن العام والمحلي، ولا على مستوى المعلومة التفصيلية من حيث صناعتها وترويجها، بل تم بشكل فظيع على مستوى العجز في بناء قواعد كلية للتفكير السياسي تستطيع أن تقدم نقدا جذريا لبنية الاستبداد القروني في كل مستوياتها ومجالاتها العلمية والمعرفية والعملية بما يفتح أفق الحرية الحقيقي للشعب المغربي.

وسأقتصر هنا لبيان مستوى اختراق القواعد النظامية القرونية لتفكير المعارضة السياسي على الإشارة إلى أمرين؛ أولهما أن جل المعارضات الجذرية في مغرب ما بعد الاستقلال الصوري تحولت إلى حركات جزئية إصلاحية، بل صار منها ما هو جزء أساسي من بنية النظام القائم. وثانيهما أنه في المنعرجات الصعبة والحادة والدقيقة لحركات التغيير لا تستطيع المعارضة أن تصمد ولو قليلا لتنظر إلى الوضع من خلال أصول تفكيرها وهي أصل وجودها، مما يضطرها إلزاما، بوعي أو بغير وعي، إلى الالتجاء إلى قواعد التفكير السياسي السائد في التحليل وبناء الموقع والموقف، وهو ما يجعلها مع مرور الزمن تصدر أحكاما ومواقف يحصل من خلالها الانتقال من موقع المعارضة الجذرية إلى موقع الدفاع عن واقع قائم بكل تجلياته بناء على منطق تبريري يستند إلى فهم مقلوب لقضية الترجيح بين المفاسد والمصالح، لأنه ينطلق من تحت قبضة الواقع السائد لا من أفق الحرية الحقيقية، لأن التفكير من موقع هذه القبضة يحرف تماما معنى المصلحة والمفسدة حتى يرى البعض المفسدة العظمى مفسدة قليلة أو يراها حتى مصلحة مطلقة ممتدة في التاريخ البشري مثل مفسدة الحكم الوراثي والاستبدادي.

إننا أمام حقيقة قائمة؛ وهي أن جل المعارضات الجذرية في المغرب انتقلت إلى طرف إصلاحي بتفكير إصلاحي جزئي يحكم على مغاربة الحاضر والمستقبل بنظام سياسي تم تجاوز كل نماذجه في العالم المعاصر ما بالك في عالم المستقبل، وهو ما يجعل السؤال مشروعا عن مستقبل الثورة في المغرب، وهل هناك مسالك أخرى للتغيير.

حتمية إنتاج فكر وفقه سياسيين جديدين للتخلص من قبضة الاستبداد القروني

استطاع النظام السياسي في المغرب، وهو أهل لذلك، أن ينجز عملية التفاف هائلة على كل آثار ارتدادات ما سمي بالربيع العربي على الواقع المغربي، ولذلك وجدت المعارضة نفسها بين خيارين أساسيين:

الأول: الانخراط في تحقيق نتائج عملية الالتفاف المؤطرة بقواعد سياسية نظامية حاكمة دستوريا وتنظيميا. وهو ما أنتج حكومة بقيادة العدالة والتنمية.

الثاني: الانخراط في مسلك الاحتجاج الذي جعل له سقف إسقاط الاستبداد، وهي عبارة حمالة أوجه مما جعلها إطارا غامضا للحركة، الأمر الذي دعاني في لحظة من لحظات حراك حركة 20 فبراير إلى كتابة مقال تحت عنوان “هل تتحول حركة 20 فبراير من حركة احتجاجية إلى حركة تغييرية جذرية”.

فالخيار الأول تشرف عليه قيادة تاريخية محنكة بتجربة نظام سياسي قائم على مدى قرون من الزمن سوقت لبضاعتها بشكل جيد جعلت العالم يقدمها نموذجا ناجحا في الاصلاح السياسي والدستوري، بل دفعت كتابا ومفكرين إلى التنويه بضرورة الانخراط في لعبتها الانتخابية فضلا عن لعبتها السياسية العامة.

والثاني أشرفت عليه قيادة غير منسجمة، ومرتبكة، ولم يكن لها أفق واضح لحركة 20 فبراير، حيث اشتغلت زمنا غير يسير بمستوى كبير من الغموض في موقفها السياسي، وهو ما كان عاملا مهما في تخلفها عن لحظة الحراك الربيعي، ولذلك لم تستطع أن تتحول هذه الحركة من الصفة الاحتجاجية إلى الصفة التغييرية الجذرية لعاملين أساسين؛ لعدم تأهل المعارضة لقيادة المرحلة بمستجداتها المتسارعة، ولقدرة النظام وحلفائه على اختراق الواقع السياسي بما يجعله تحت السيطرة على مدى واضح.

هنا كان من الضروري أن تنتبه جماعة العدل والإحسان كأكبر داعم لهذه الحركة إلى ما سيؤول إليه الأمر سياسيا إذا ما تم التمادي في تفعيل حركة 20 فبراير دون أفق سياسي واضح يحقق مطلب الشعب المغربي في الحرية الحقيقية. ولذلك كان عليها أن تتخذ الموقع المناسب للحفاظ على قوة ووضوح مطلب التغيير الجذري كمدخل أساسي للحرية، حتى وإن لم تكن قادرة على خوض معركته وحدها.

وهنا سيحصل ارتباك حاد في فهم واقع التدافع السياسي في المغرب نظرا لكون طرف محسوب على الحركة الإسلامية ترأس حكومة الالتفاف الهائل، ونظرا لكون طرف إسلامي هام اختار موقع المعارضة من خارج قواعد اللعبة السياسية الرسمية، ونظرا لتفتت اليسار وتشرذمه تنظيميا وحركيا وتصوريا؛ فكما هو عاجز عن توحيد صفوفه عاجز عن انفتاح صادق على حركة العدل والإحسان بما هي مشروع كبير يقترح تصورا متكاملا للتغيير.

ومن ثمة يجوز التساؤل: هل فعلا كانت حركة 20 فبراير فرصة سانحة لإنجاز مطلب التغيير وبأي أفق سياسي يمكن ذلك؟

فالفكر السياسي السائد والمسجون أبدا ضمن كليات النظام السياسي المغربي يتراوح بين خيارين:

الأول: الثورة كما صورها هذا الفكر منذ الستينات والسبعينات، ولا أحد ينكر أن هذا الخيار لم يغادر مناطق أضغاث الأحلام حيث استيقظ أصحابه على قبضة كلية لكليات نظام قروني متمرس وخبير في الترويض والاحتواء وحاكم لتفاصيل الحياة المغربية.

الثاني: الإصلاح مع التسليم بكليات النظام السياسي والانتقال من مواجهة النظام إلى مواجهة الفساد والاستبداد من خلال تصريحات متشابهة تجمعها كلمة: المغاربة يكونون بالنظام السياسي الحالي أو لا يكونون، ولذلك غلب على النقاش السياسي في المغرب ما بعد 20 فبراير مطارحات حول فروع سياسية دون وحدة النظر الأصولي (المرجعي)، لأن عملية الالتفاف التي أنجزها النظام وحلفاؤه فرض وثبّت أصولا معينة للعملية السياسية في المغرب من خلال دستور احتوى على مستجدات شكلية وحافظ على جوهر العملية السياسة والمجتمعية وأصولها.

والذي لا ينتبه إليه الكثير من الباحثين والمهتمين والمراقبين أن الخيارين يصدران عن مدرسة واحدة في علم السياسة وبناء الفكر السياسي وقواعده تدور على معنى أن السياسة “فن الممكن” وأنها “تبادل مصالح”، وأنه لا مجال فيها لقيم الصدق بمعناه العبادي الذي ينبغي أن يتجلى في تفاصيل الفعل السياسي والمجتمعي وفي بناء أساساته الواقعية والاستراتيجية دفاعا عن كل معاني العدل والحق التي لا ينبغي أن يزاول حولها أي مستوى من الغموض وسوء الفهم في أي مرحلة من مراحل الزحف.

هنا يبدو المطلب ملحا لاقتراح مسلك آخر في التغيير السياسي مادام العجز صاحب الخيارين السالفين، ويتعلق الأمر بضرورة بناء نظام تفكير سياسي جديد يولد فكرا وفقها سياسيين جديدين قادرين على اختراق البنية السياسية والمجتمعية الراكدة ويعيد تحريك عجلة التاريخ والتغيير في المغرب، بحيث تتم مواجهة كليات نظام سياسي تتحرك في الواقع العام والخاص لا من خلال معارضة الاحتجاج التي تذبل أمام جبروت النظام القائم، بل من خلال بناء كليات علمية وعملية مؤهلة لتقويض كل أركان الاستبداد والفساد ومحاصرتها عبر قوة مجتمعية متحركة وفق مشروع مجتمعي شامل لا ينظر إلى اللحظة المعيشة دون الانتباه المعتبر إلى المستقبل وأفقه السياسي الدائر على الحرية الحقيقية بما لا يفرض على الأجيال القادمة نمط حكم تجاوزه التاريخ أو ليس له من الواقعية شيء حيث يكون الواجب المرحلي العمل من موقع توفير شروط وظروف الحرية للأجيال القادمة التي عليها أن تختار نمط حكمها ومضمونه.

ومن ثمة لا يمكن لفكر سياسي أن يبني أفق الحرية وهو جازم بأن نظاما وراثيا مسلطا على الأمة لا يمكن تجاوزه، بل الحقيقة والعقل يؤكدان أن بناء الحرية الحقيقية في المستقبل تنطلق أولا وابتداء من أن ينطلق نظام التفكير السياسي متخلصا من أية هيمنة نفسية أو فكرية لحظية أو استراتيجية لنظام سياسي قائم مهما كانت قوته وجبروته، ولذلك كانت مزاولة نظام التفكير السياسي والفكر والفقه السياسيين انطلاقا من موقع النظر عبر معاني الخلافة من حيث هي نظام إنساني قائم على قواعد العدل والحرية والكرامة تنتج مواقف جذرية في التغيير متحررة من هيمنة قواعد اللعبة السياسية المهيمنة ومنفتحة حقيقة على معاني الحرية، معتبرة أن إرادة الأمة عبر اختيارها التاريخي والمرجعي صلب العملية السياسية وجوهرها ووسيلتها الكبرى.

إن أفق الحرية الحقيقية لا ترسمه إلا قيادة مجتمعية تاريخية وتعيشه الشعوب عبر كل نبضاتها، أما إذا حصل أن تجاوزت الشعوب جميع نخبها وانتفضت لحريتها فإما أن يحصل التدارك وإما أن نعيد الكرة مرة أخرى نحو الفشل والاستعمار، ولذلك كان لزاما قراءة التجارب الحالية بعمق وتأن؛ فأن نضحي من أجل الحرية والقوة خير من أن نحتاط ونبقى في قبضة الاستبداد والاستعمار، فالاستبداد استبداد والاستعمار استعمار مهما كان شكل الدستور الذي ينظمه. والمستقبل لحرية القوة وقوة الحرية.

وبناء عليه لا نستطيع الجزم بأن حركة 20 فبراير كانت فرصة تاريخية مهمة، لأن الفرصة التاريخية لها شروطها ولا تأتي من فراغ إذ لا بد أن تكون القيادة المجتمعية والتاريخية صانعة لكثير من أسسها وأسبابها ومتحكمة في مآلاتها وأفقها بما هي قيادة صادرة عن مشروع مجتمعي وليس عن موقف فكري أو نفسي انفعالي أو سياسي لحظي، ومتموقعة تموقعا صحيحا ضمن سياق الحراك المجتمعي وتفاصيله.

ولذلك إذا انتهى زمن الثورة وتم استنفاذ واستفراغ منطق الإصلاح من كل محتوى عملي جدي، فلم تبق إلا نهضة الأمة العامة والشاملة التي ينبغي أن تقودها قيادة مجتمعية متخرجة من صلب حركة هذه الأمة ومستعدة لاستيعاب التضحيات الجسام، وساعتها سمها قومة أو ثورة فلا مشاحة في الألفاظ ما دامت ريادة القيم السامية والمطالب العالية هي حداء حركة الأمة وبوصلتها.

إن أخطر ما يهدد التفكير السياسي العامل على التغيير الجذري هو اغتراره وانجراره وراء لحظة إصلاح جزئية لا توفر إلا إمكانية الالتفاف الهائلة للقواعد النظامية المهيمنة على مدى قرون وتجعل التفكير من تحت قبضتها لا من موقع الحرية ومطلبها.

لذلك لم تفلح حركة 20 فبراير في أن تنتقل من كونها ردة فعل على ما سمي بالربيع العربي إلى فعل مجتمعي وسياسي، لأنها لم توفر رصيدا حراكيا ونضاليا يجعل منها قوة مجتمعية جامعة مهددة لأركان الاستبداد والفساد وأصوله، وهو ما يجعل توقيف مشاركة جماعة العدل والإحسان في حراك 20 فبراير موقفا منسجما مع مطلب التغيير الحقيقي الذي من دونه تبقى الحرية مطلبا عزيزا وشعارا فارغا أمام قدرة النظام على إنجاز عمليات التفاف قاتلة.

إن مفهوم القومة كما عرضه مشروع العدل والإحسان في بناء مراحل الزحف والتغيير مستوعب لكل فعل فردي أو جماعي يخدم عملية التغيير الذي يجعل الأمة قطبه وموضوعه ووسيلته الكبرى في نهضتها وكرامتها، ولذلك لا حرية تحقق كل هذا مع الدعوة إلى الهروب من مواجهة أنظمة فاسدة مفسدة قائمة شكلا ومضمونا على الظلم والحيف واحتكار الثروة ومصادرها والسلطة ووسائلها والدولة ومؤسساتها.

فمفهوم القومة ورث فقها سياسيا متجددا مكن من توفير قدرة علمية على تفكيك بنية النظام السياسي الوراثي القروني وفتح أفقا عمليا لتقويض كل مفاعيل الاستبداد في العاطفة والنفس والفكر والإرادة والحركة سواء عند الأفراد أو المجتمعات. ومن ثمة فالقومة ليست صورة هيجان عام، بقدر ما هي قيام جماعي واع ومسؤول ضد الظلم حتى زواله، وذلك عمق استراتيجي ومصيري تبنى لبناته واحدة واحدة وكل في مكانها حتى تحقيق الحرية كاملة غير منقوصة. ولاشك أنه إذا كانت الانتخابات وسيلة في ذلك فلا مناص منها، ومعناه أن مفهوم القومة منفتح على كل سناريوهات التغيير بضابط رفض العنف والغموض وأنصاف الحلول وإقصاء الأمة وتهميش قواها الحية والصادقة، ولا يقبل أبدا تأبيد الاستبداد والحكم الوراثي القروني.

ولنا إن شاء الله عودة لكثير من قضايا التفكير السياسي في مدرسة المنهاج النبوي وما ينبني عليها من فقه سياسي متجدد وخالص ومتخلص من براثن علم السياسة كما صاغته التجربة الغربية وكما روجت له النخبة في كتبها ومكاتباتها وجامعاتها ومعاهدها حتى صار هذا العلم وكأنه وحي مقدس مفروض على الإنسانية أن تفكر من خلاله وبه وإلا فهي جاهلة وغير متعلمة وغير متحضرة ومتخلفة ومتجاوزة ولا تفقه في السياسة شيئا ولا في العلاقات الدولية أمرا.