الأنظمة: حكم أو قتل

مرة أخرى يعيد النظام الحاكم في سوريا التأكيد والبرهنة على إحدى خلاصات الربيع العربي، بأن الحكام العرب المستبدين لا يتقنون غير أحد الاتجاهين وليس لهم ما يقدمونه للشعوب غير نهجين اثنين لا ثالث لهما “إما أن أحكمكم أو أقتلكم”.

فبعد أن اغتنوا من أقوات الشعوب وكدسوا الثروات وجعلوا من هؤلاء المستضعفين مصدرا مدرا للمال والجاه والسلطان وبعدما صيروا الأمة عبيدا وخدما، واسترهبوا الشعوب لعقود وقرون، وساموهم سوء العذاب بكل ألوانه وشتى أشكاله وأنواعه، يقلبون النظر في كل اتجاه باحثين عن كل وسيلة تكبل إرادة الأمة، أو طريقة تسترق رقاب العباد. تارة يتوسلون بالدين ليبرروا أفعالهم ويؤشروا على مخططات تصفية كرامة وعزة الأمة، حتى إذا لم يسعفهم الأمر قلبوا في صفحات التاريخ علهم يجدون ما يثبت شرعية الاستبداد الذي لا شرعية له لا في دين ولا تاريخ ولا منطق أو عقل سوي ولا في شرائع الأرض. حتى إذا لم يستوعبهم كل ذلك فتشوا في أوراق الديمقراطية بما يخدم مصالحهم… كلما بارت سلعة روجوا أخرى، يتلونون بألوان الحرباء في مغالطة الشعوب والاستخفاف بها. حتى إذا ما بلغ كل ذلك مبلغا لا مزيد عليه وضاقت الأرض على الشعوب بما رحبت انتفضت على حكام الجبر المتسلطين، وصدحت الحناجر بما كبتت لسنين لما بلغ السيل الزبى، انبرت الأنظمة في مواجهة الشعوب ولعب كل الأوراق يتسربلون بلبوس كل اتجاه و يرمون شعوبهم المسكينة بكل النعوت ويفصحون عن حقيقة ما تكنه صدورهم فلا يتوانون في وصف الشعوب بالجرذان والإرهابيين والعصابات والمهلوسين والمتآمرين، يرغون ويزبدون ويتفجر حقدهم الدفين ويكشرون أنيابهم في وجه من يعتبرونه أن لا حق له في أن يرفع رأسه ولا حتى أن يصدر أنين الألم، في نظرهم هم عبيد لا ينبغي إلا أن يركعوا ويسجدواـ ولهم في ذلك تبريرات 1 . بهائم تساق ومن لم يمش يندثر). ومن رفض الركوع والخنوع والخضوع فالسجن والرفس والحصار، وإن بقي فيه بقية حرك الطائرات والدبابات والجنود ليقتلوهم للمرة الثانية ولأنها حقيقة متأصلة متوارثة فيهم فلا يتمعر لهم وجه. فالشعوب المقهورة لا تستحق أدنى نصيب من حرية أو كرامة، فأولى أن تقوم في وجه الظالم وتشهر في وجهه ورقة حمراء.

كل ذلك على امتداد ربوع الأمة، في تونس ومصر وليبيا وسوريا و… إن اختلف الزمان والمكان فالثابت حقيقة أنظمة مستبدة لا تتوانى في استعراض عضلاتها على الشعوب المسالمة ودكها بكل أنواع الأسلحة، بعدما خنعت -الأنظمة- وانبطحت أمام قوى الاستكبار العالمي التي انتهكت عرض الأمة، ودنست المقدسات، واحتلت الأرض.

تخيروا طريقة القتل

تصاعدت في الآونة الأخيرة أصوات الدول الكبرى المهددة والمتوعدة النظام السوري إذا ما هو أقدم على استعمال أسلحة كيماوية أو جرثومية في حرب الإبادة التي يشنها ضد الشعب منذ ما يقارب السنة والنصف. فآلة القتل لا تتوقف، والموت في كل أرجاء البلاد، وعداد الموتى يسابق عقارب الساعة، ومشاهد المجازر والإعدامات الميدانية تبثها وسائل الإعلام على مدار الساعة والقاتل لا يفرق بين صغير وكبير، قصف للقرى والمدن والأحراش والمساكن على رؤوس أصحابها، وتهجير ونزوح وتشريد وقطع للماء والكهرباء والاتصالات والمواصلات وما يستتبع ذلك من الآفات والكوارث الاجتماعية والإنسانية… إنها حرب إبادة فعلا.

لكن في المقابل نجد صمتا رهيبا في المنتظم الدولي الذي صار عاجزا عن فعل أي شيء ولا يرفع صوته إلا في التهديد والتحذير من استعمال السلاح الكيماوي، شاهدنا كيف يتلكأ الجميع في مجلس الأمن والأمم المتحدة، وإشهار الفيتو، ويتردد الكثيرون في طرد السفراء رغم مشاهد المجازر اليومية. إن المجتمع الدولي بذلك يختار للشعب السوري المستضعف طريقة قتله ولسان الحال يقول: اقتلوهم ذبحا وخنقا وشنقا وحرقا وقصفا، لكن لا تقتلوهم بالأسلحة الكيمائية اقتلوهم سلخا وسحلا وخسفا لكن لا تقتلوهم بالأسلحة الجرثومية. إنها حقا شهادة موت الضمير الإنساني العالمي وتبلد للمشاعر الإنسانية، وإفلاس من كل القيم المثلى التي ينبغي أن تبقى فوق كل الاعتبارات كيفما كانت فالقتل قتل، والظلم ظلم بأي لون كان وبأي اسم كان. لكن العجيب أن تتجاهل المنظومة الدولية مسلسل القتل المتصاعد ليتم الهروب بعيدا والحديث عن سيناريوهات الأسلحة الكيمائية. فالأولى وقف هذا القتل الممنهج والبحث في الحلول التي توقف حمامات الدم التي سالت على أرض الشام مغزارا.

إن ضمير الإنسانية اليوم أمام امتحان حياة أو موت، إما أن ينتصر لشعب أعزل يباد لا يريد إلا أن تتحقق فيه ما لا تكون الإنسانية إلا به: عزة وكرامة وحرية، أو أن تستخرج لهذا الضمير شهادة وفاة تُخط بدماء الآلاف ممن قضوا تحت سمع وبصر العالم أجمع دون أن يحرك ساكنا.


[1] ذكر أحد موظفي أجهزة المخابرات المغربية كيف كانوا يلقنونهم أن الإمام مالك أجاز ضرب المتهم حتى يعترف بجريمته، وقتل ثلثي المجتمع لإصلاح الثلث. انظر الحوار في موقع “لكم” الأربعاء، 30 تشرين2/ نوفمبر 2011 نقلا عن أسبوعية “الأيام”.\