وقل رب زدني علما

الصيف مناسبة لاستدراك الخصاص الفكري، والزيادة في الرصيد العقلي، والعكوف على العلم النافع المنشئ للعمل الصالح، وتوسيع مجالات التكوين المعرفي، خاصة عند الشباب من التلاميذ والطلبة ورجال التعليم. لأن الإجازة التعليمية عندهم طويلة.

أما مجالات التكوين فمنها:

– المعلوم من الدين بالضرورة: من كتاب في الفقه مثلا. ككتاب إتمام المنة شرح منهاج الجنة في فقه السنة للعلامة المحدث سيدي عبد الله التليدي أطال الله عمره. أو تفسير القرآن كحد أدنى مثلا تفسير الصابوني رحمه الله. أو الاضطلاع على مدخل في العقيدة ككبرى اليقينيات الكونية للبوطي حفظه الله. أو كتاب في التجويد وقواعده كالكافي في التجويد للدكتور عبد العلي المسؤل حفظه الله .

– ولابد من الفقه الجامع. واقترح العكوف على المنهاج النبوي للأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله تعالى. والكتاب يجمع بين الاهتمام الفردي والاهتمام الجماعي والكمال الدنيوي والأخروي معا. ويوضح مجلات اهتمامات الفرد الواسعة من تطلع للكمال القلبي والعقلي وسبل القوة الاقتحامية كما يفتح للجماعة الداعية آفاق العمل الإسلامي، ومسؤولياتها الدعوية، وانتظاراتها المستقبلية، والعقبات التي تحول دون بناء دولة القرآن…. أو أي كتاب من أمهات كتب الأستاذ المرشد حفظه الله تعالى خاصة الكتب الأمهات.

– وإن أمكن كتاب في اللغة العربية فبها ونعمت.

– ثم مجال تخصص المؤمن. فالطالب في اختصاصه ورجل التعليم في فنه والمهندس في مجاله… وهكذا حتى ينمي كل واحد منا قدراته الخاصة وإمكاناته الشخصية.

والقصد أن يكون في القراءة والمدارسة- سواء كانت فردية والجماعية أفضل- قصد. وأعني أن تقتصر على مجال محدد حتى يكون البرنامج الدراسي واقعيا، وتستطيع إنجازه. وليس المقصود كثرة البرامج والكتب لأن هذا لا يفي بالمقصود.

ورياضة الأبدان ومنها السباحة تساعد على رياضة الأديان

الرياضة بشتى أنواعها وألوانها تكسب الجسم النشاط والحيوية والقوة، كما ترفع الضغط النفسي والتوتر العصبي. وتدفع عن المسلم الكسل والترهل والأمراض الناشئة عن قلة الحركة.

إذا تقدم بالإنسان العمر، وكثرت أعماله ومشاغله، بدأ جسمه يثقل، خاصة من كان عمله يقتضي الجلوس في مكتب أو البقاء في مكان معين، وقد لا يخرج من منزله أو يعود إليه إلا على وسيلة نقل لا مجهود لجسمه في قيادتها – سواء كان راكبا أو سائقا – كالسيارة….

فيترتب على ذلك حدوث أمراض وأوجاع، قد تحول بين الإنسان والنشاط المفيد له في معاشه ومعاده… وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم محافظا على بدنه ونشيط الحركة ويسابق بعض نسائه. عن عائشة رضي الله عنها، قالت: “سابقني النبي صلى الله عليه وسلم فسبقته، فلبثنا حتى إذا أرهقني اللحم، سابقني فسبقني، فقال: (هذه بتلك)” 1 .

عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: “بينما نحن نسير وكان رجل من الأنصار لا يسبق أبداً، فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فقلت: أما تكرم كريماً وتهاب شريفاً؟ قال: لا، إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ذرني أسابق الرجل، فقال: “إن شئت”، فسبقته” 2 .

ودربهم صلى الله عليه وسلم على المصارعة، كما صارع صلى الله عليه وسلم ركانة بن عبد يزيد 3 .

وقد أوصى المصطفى صلى الله عليه وسلم بالسباحة- بشروطها ومن شروطها أمن الفتنة واللباس المناسب الساتر للعورة- والصيف مناسبة طيبة لذلك – عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَجَابِرَ بْنَ عُمَيْرٍ الأَنْصَارِيَيِّنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَرْتَمِيَانِ فَمَلَّ أَحَدُهُمَا فَجَلَسَ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ أَجَلَسْتَ؟ أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: “كُلُّ شيء لَيْسَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ سَهْوٌ وَلَهْوٌ إِلاَّ أَرْبَعًا مَشْىَ الرَّجُلِ بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ وَتَأْدِيبَهُ فَرَسُهُ وَتَعَلُّمَهُ السِّبَاحَةَ وَمُلاَعَبَتَهُ أَهْلَهُ” 4 .

وعن مكحول رحمه الله: “أن عمر بن الخطاب كتب إلى أهل الشام أن علموا أولادكم السباحة والرمي والفروسية” 5 .

وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “علموا أبناءكم السباحة والرمي والمرأة المغزل” 6 .

ساعة وساعة

عن حنظلة بن الربيع الأسيدي رضي الله عنه وكان من كُتَّاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لَقيَنِي أبو بكر، فقال: كيف أنتَ يا حنظَلَةُ؟ قال: قُلتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ قالَ: سبحان الله! ما تَقُولُ؟ قال: قُلْتُ: نكونُ عند رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، يُذكِّرُنا بالنَّار والجنَّةِ حتَّى كأنَّا رأيَ عَيْنٍ، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، عافَسْنا الأزْواج والأولاد، والضَّيْعات، ونسينا كثيرًا، قال أبو بكر رضي الله عنه: فو الله إنَّا لَنَلْقَي مثل هذا، فانطَلَقْتُ أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت: نَافَقَ حنظلَةُ يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وما ذاك؟” قلتُ: يا رسول الله نكون عندك تُذكِّرُنا بالنار والجنة حتى كأنَّا رأيَ عَيْنٍ، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضَّيْعاتِ، ونَسينا كثيرًا. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده، لو تَدومُونَ على ما تكونون عندي، وفي الذِّكرِ، لصافَحَتْكم الملائكة على فُرُشِكُم، وفي طُرُقِكم، ولكن يا حنظلةُ ساعَةً وساعَةً – ثلاث مِرار-“.

وفي رواية قال: كُنَّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرَ النَّارَ، ثمَّ جِئتُ إلى البيتِ، فضاحَكْتُ الصِّبْيان، ولاعَبتُ المرأةَ، فخرجتُ، فلقيتُ أبا بكر، فذكرتُ ذلك له. فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكُرُ، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله نافق حنظلةُ، فقال: “مه؟” فحدثته بالحديث. وقال أبو بكر: وأنا فعلت مِثْلَ ما فَعلَ. فقال: “يا حنظلة، ساعةً وساعةً، لو كانت تكون قلوبُكم كما تكونُ عند الذكر لصافحتكم الملائكةُ، حتى تُسلِّمَ عليكم في الطريق” 7 .

إذا غلبت على المسلم أعمال الجد والاجتهاد والبناء والذكر والدعاء ومجالس الخير والإيمان والعلم والصلاح والدعوة… وكانت هي الأصل والعادة الدائمة، ثم انتقل المسلم للحظة أو سويعة للهو أو لعب أو تضاحك مع الأبناء والأهل والزوجة فلا حرج ولا بأس. بل عليها يؤجر ويعطى إن جعلها لله. وهذا هو معنى ساعة وساعة.

طالع أيضا  صيف المؤمن 3/2

أعمال الجد وهي الأساس والطابع الغالب في حياة المؤمن. وبين الفينة والفينة لهو ولعب وترفيه. وإنما الحرج أن تكون أعمال اللهو هي الأصل. وفي الحديث الشريف: “كُلُّ شيء لَيْسَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ سَهْوٌ وَلَهْوٌ إِلاَّ أَرْبَعًا مَشْىَ الرَّجُلِ بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسُه،ُ وَتَعَلُّمَهُ السِّبَاحَةَ، وَمُلاَعَبَتَهُ أَهْلَهُ” 8 .

مجالسة الإخوان ينتقون أطايب الكلام

مجالس العلم والإيمان وحلق الذكر والمذاكرة بها يقضي الله الحاجات، وتتنزل فيها الرحمات، وتغشاها السكينة وتحفها الملائكة. فيها يذكر الصالحون وبذكر الصالحين تتنزل الرحمات. وفيها نجالس الصالحين ومجالسة الأولياء انجماع على الله واجتماع على الله وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا. وإِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.

مجالس الصالحين تزكية وتربية وتعليم فعليها يحرص المؤمن المجاهد. وكلما ازدادت الفتنة كالصيف مثلا يعتصم المؤمن بمجالس الخير جنةِ الدنيا. وكنا إذا حمي الوطيس نحتمي برسول الله صلى الله عيه وسلم كما يقول سيدنا الإمام علي كرم الله وجهه.

ومع المجالسة الدائمة في محاضن الصفاء والمحبة والعلم، يفتل في مقصودها زيارةُ واستزارةُ إخواننا وتفقدُ أحوالهم والسؤالُ عنهم، زيادة في المحبة وتعميقا للوصال. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: “أنّ رجلا زار أخا له في قرية، فأرصد الله على مدرجته ملكا فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمةٍ تربّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله. قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه” 9 .

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال لأصحابه: هل تجالسون؟ قالوا: لا نترك ذلك. قال: فهل تزاورون؟ قالوا: نعم يا أبا عبد الرحمن، إن الرجل منا ليفقد أخاه فيمشي على رجليه إلى آخر الكوفة حتى يلقاه. قال: إنكم لن تزالوا بخير ما فعلتم ذلك) 10 .

جمع الأسرة

والصيف مناسبة ممتازة لانجماع الأسرة فيما بينها، واستدراك ما فاتها من العلاقات الحميمية التي قد تضعف في لحظة من فترات العمل والدراسة والروتين اليومي.

يعمق الزوج الصحبة بزوجه زيادة في السكن والسكينة، وتتتبيثا لمعاني المحبة والوصال، واكتشاف جوانب جديدة في كل واحد منهم. وقد مر في الحديث أن من أصول العلاقة الزوجية تلطف الزوج لزوجه وملاعبة الزوج لزوجه 11 . فلا يمر الصيف إلا وقد ازدادت لبنات الاندماج العاطفي، وطالت أوتاد الميثاق الغليظ وتعمقت. وإذا هو لها قيس وأكثر. وإذا هي له ليلى وأكثر. ولقاء الله والفرح بالله، والإعداد لهذا اللقاء الكبير مع الله هو شأنهما.

وحريٌّ بالأب والأم أن يستغلا في الصيف فراغ أبنائِهِما ليوثّقا صلتَهُما بهم، تحببا إليهم وتودّدا إليهم، يفكرا كيف يزيلا الحواجز التي قد تفصل بينهم، برحلةٍ، أو زيارةٍ، أو نزهةٍ، أو غير ذلك…

طالع أيضا  صيف المؤمن 1/3

والأب الذي يعاني من جفوةٍ بينه وبين أبنائِهِ، من أنهم لا يستمعون إليه، ولا ينتصحون بنصحِهِ، أظن أنه لو رسم لنفسِهِ هدفًا ألا ينقضي هذا الصيف إلا وقد حسن ما بينه وبين أبنائِه، وحرص على التواصل معهم في هذا الفصل. واقترب من قلوبهم. لاشك ستزول الجفوة وتسد الفجوة. ومن الأمور المحقة لذلك أن تكون النزهة أو الفسحة عائلية جماعية، الأبوان مع الأبناء جميعا. وفيها خروج عن المألوف المعتاد.

ومن الأخطاء التي يرتكبها بعض الآباء ترك أبناءهم يسافرون ويتفسحون دون مرافقتهم فتضيع الفرصة لرتق ما انفتق وسد ما انشق. وإن حضروا معهم فشدة في غير لين وصرامة في غير رحمة. والمطلوب فسحة تناسب الشباب ومطالبَهم من حركة ورياضة وسباحة… ثم حفاظ على الصلوات في وقتها ومع الجماعة والتخلق بالآداب العامة وسلوكات مخالطة الناس.

بر الوالدين

يحرص المسلم في هذه العطلة على تخصيص وقت خاص لزيارة الوالدين، ومجالستهما، والاستماع إليهما، وقضاء حوائجهما، وإدخال السرور عليهما، وهذا نوع من أنواع الجهاد ومن أعظم القربات إلى الله تعالى. عن معاوية بن جاهمة السلمي رضي الله عنه قال: “أتيت رسول الله فقلت: يا رسول الله إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة. قال: “ويحك أحية أمك؟” قلت: نعم. قال: “ارجع فبرها”. ثم أتيته من الجانب الآخر، فقلت: يا رسول الله إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة. قال: “ويحك أحية أمك؟” قلت: نعم يا رسول الله. قال: “فارجع إليها فبرها”. ثم أتيته من أمامه فقلت: يا رسول الله إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة. قال: “ويحك أحية أمك؟” قلت: نعم يا رسول الله. قال: ويحك الزم رجلها. فثمَّ الجنة” 12 .

ومع خفض الجناح والكلمة الطيبة اللينة يلهج لسان المؤمن دائما أبدا رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا. ويسأل لنفسه ولا ينسى والديه أبدا فيقول أيضا: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ، رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ، ثم يزيد في الدعاء ولا يمل رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.

والهدية المادية مطلوبة مرغوبة، والمعنوية من هدية آيات وسور فواضل هدية وأي هدية.

ومن بر الوالدين السؤال عن أحبابهما وأصحابهما وزيارتهم وتفقد أحوالهم. عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عيه وسلم قال: “إنّ أبرّ البرّ أن يصل الرّجل أهل ودّ أبيه” 13 .

مر أعرابي في سفر فكان أبو الأعرابي صديقا لعمر، فقال الأعرابي: ألست ابن فلان؟ قال: بلى. فأمر له ابن عمر بحمار كان يستعقب. ونزع عمامته عن رأسه فأعطاه، فقال بعض من معه: أما يكفيه درهمان؟ فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “احفظ ودّ أبيك لا تقطعه فيطفئ الله نورك” 14 .

زيارة ذوي القربى

الصيف فرصة مناسبة كذلك لتجديد الزيارات، وتوثيق المودّات مع الأهل والأقارب والأحباب والأصدقاء. وللرحم وصلتها ومكانها المعروف في ديننا.

صلة ذوي الأرحام تتحقق بمحبتهم أولا ثم بزياراتهم، ومواساتهم ماديا ومعنويا، وبخاصة الذين يسكنون بعيدا عن مقر عملك، من الأعمام والعمات والأخوال والخالات وأبنائهم.

ويفرح الأقارب بزيارة قريب يسأل عن أحوالهم، ويعيش معهم آمالهم، ويخفف عنهم آلامهم. وتكون الزيارة ناجحة فالحة إن تخففت من التكاليف المرهقة والعادات الجارفة، وإتعاب ربات البيوت بالطبخ والكنس. وإثقال صاحب البيت ماليا خاصة عند آخر الشهر لما تجتمع مع المصروف الشهري فاتورة الماء والكهرباء. ورحم الله -كما يقول المغاربة- من زار وخفف.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليعمر بالقوم الديار، ويثمر لهم الأموال، وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضا لهم، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: بصلتهم أرحامهم” 15 .

ومع الزيارة والسؤال عن الأحوال والهموم الدنيوية، لا ننس أبدا السؤال عن الهم المصيري والمآل الأخروي، ولقاءنا جميعا مع الله غدا وهو قريب جدا. وهذا مما يزيد صلة الرحم قوة وتماسكا، إن اجتمعنا على الله تعالى، وقمنا بمهمة النصيحة والتناصح، وكنا أوفياء لواجب الدعوة.

الوفاء لواجب الدعوة

الدعوة شرف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وسلوكهم اليومي ومهمتهم الكبرى. والمتبع للأنبياء لابد أن يسلك طريقهم ويتسنن منهاجهم ويقتفي آثارهم.

وفضل الدعوة ما بعده فضل. يكفي أن حق الدعوة قُدِّم في كتاب الله على حق العمل الصالح. قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. دعوة إلى الله تعالى منطلقها التوجه الكامل للمولى، ويتجلى في العمل الصالح. وقاعدتها صحبة دافئة تحتضنها هي نور الدعوة وسراجها. وتنتظمها جماعة هي راعيتها وموجهتها وقوتها وسندها.

طالع أيضا  صيف المؤمن 3/2

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله تعالى: وإنما يمكنهم -أي الدعاة- الوفاء لواجب الدعوة إذا هم اعتادوا الهجوم الأخوي الرفيق على الناس، ومبادَأَتَهم بالحديث، والتلطَّفَ مع كلِّ بما يناسب عقلَه وحالتَه، والاستعانة بالكلمة الطيبة، والخدمة، والبذل السخي، على تبليغ وتحبيب الدعوة. واجب جند الله الدعاة أن ينبثوا في المساجد، والمكاتب، والإدارات، والشوارع، والأسواق. فكذلك كان يفعل رسول الله صلى عليه وسلم، لا يجلس في بيته حتى يأتيه الناس مسلمين. وكلك فعل من حملوا إلينا الإسلام، قطعوا الفيافي، ومخروا عُبَابَ البحر) 16 .

والدعوة في الصيف لا تنقطع أبدا. وإنما ينبغي أن نستحضر طبيعة الفصل الحار، فتكون مبنية على التخفيف والترفيه والخرجات البحرية والجبلية وإلى الوديان. مع الإكثار من اللقاءات المفتوحة وفي الطبيعة إن أمكن. وتوسيع الحفلات الغنائية والمسرحية. وحفلات القرآن تجويدا وتحبيرا. والرياضة وألعاب الجندية والتعبئة من الدعوة.

هذا على المستوى العام، أما الدعوة الفردية فيمكن القول: أن أبسط الدعوة وأعمقها أن تلق الناس وفي قلبك كل الخير لهم. وتتمنى لكلِّ من تراه أو تلقاه أن يكون وليا لله، وداعيا إلى الله على هدى مبين. ثم تتدرج معهم وتدرج بينهم، فتبتسم في وجوههم. ثم الكلمة الطيبة: “السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته”، على من تعرف ومن لا تعرف، حتى تعرف ويعرفك الجميع. والسلام سلام ونشر لمعاني الثقة والأنس والاهتمام. وبعد الإيناس كلمة حكمة تلقيها لعلها تكون بذرة خير تغرسها وتتعاهدها بالسقي والري. وأعني بالسقي: التفقد المستمر والسؤال الدائم عن أحوال المدعو المادية والمعنوية، والتوجيه اللطيف وإشراكه في أعمال الخير، والدخول معه في كل خير، والدعاء له بالثبات والاستقامة. أن يكون صديقا لك وصاحبا. حتى يكون شجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. يأتيك خراجها كل حين ولو بعد حين.

اللهم اجعلنا هاديين مهديين، صالحين مُصلحين، مبشِّرين مبشَّرين، ميَسَّرين ميسِّرين غير معسرين. سلما لأوليائك حربا على أعدائك. وأول أعدائي -يا رب يا قاهر- نفسي التي تسكنني.

برنامج مكتوب

من الوصايا الغالية والدائمة المتكررة للأستاذ عبد الكريم العلمي عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان أن تكون برامجنا مكتوبة مضبوطة، على الورق منقوشة، بعد الهم والعزم والتوكل على الله تعالى الهادي إلى الصراط المستقيم.

فعلى المؤمن أن يجلس مع نفسه ويخطط لصيفه مستحضرا إمكاناته وقدراته، ويتشاور مع الأهل والأبناء في ذلك حتى يخرج ببرنامج قد وقع عليه الجميع فتكسب مبادرتهم…

وخلاصة القول أن الصيف فترة استراحة محارب ليس إلا، والعمر قصير والموت يأتي بغتة. فلزم العكوف والثبات في المحارب. محراب الصلاة والدعاء والتوجه للمولى، ومحراب العلم النافع، ومحراب العمل والحركة، ومحراب الدعوة وجهاد التعبئة والبناء. ومحراب جمع القلوب على الله والصدقة المادية والمعنوية وفي الأقربين أولى.

الصيف استراحة محَارِب ووقوف دائم بالمَحَارِب وكفى.

وصدق الله العظيم إذ يقول: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ.

والحمد لله رب العالمين.


[1] رواه أحمد و أبو داود رحمهما الله.\
[2] رواه مسلم رحمه الله.\
[3] رواه الترمذي وأبو داود والحاكم رحمهم الله.\
[4] رواه البيهقي في السنن الكبرى و النسائي والبزار وابن عساكر والطبراني في الأوسط رحمهم الله جميعا.\
[5] أخرجه علاء الدين علي بن حسام الدين المتقي الهندي رحمه الله في “كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال”.\
[6] رواه البيهقي رحمه الله في شعب الإيمان.\
[7] أخرجه مسلم والترمذي.\
[8] رواه البيهقي في السنن الكبرى و النسائي والبزار وابن عساكر والطبراني في الأوسط رحمهم الله جميعا.\
[9] رواه مسلم رحمه الله.\
[10] رواه الطبراني رحمه الله.\
[11] قال صلى الله عيه وسلم: “كُلُّ شيء لَيْسَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ سَهْوٌ وَلَهْوٌ إِلاَّ أَرْبَعًا مَشْىَ الرَّجُلِ بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسُه،ُ وَتَعَلُّمَهُ السِّبَاحَةَ، وَمُلاَعَبَتَهُ أَهْلَهُ”.\
[12] رواه ابن ماجه رحمه الله.\
[13] رواه مسلم رحمه الله.\
[14] رواه مسلم رحمه الله في الأدب المفرد.\
[15] رواه الطبراني رحمه الله بإسناد حسن.\
[16] كتاب إمامة الأمة: ص: 27.\