كنا قد تحدثنا في الحلقة السابقة عن مكانة ومحورية الوقت في الإسلام، باعتباره واحدا من أصول النعم بالإضافة إلى ارتباط كل العبادات المفروضة والنافلة به، فالإنسان محاسب على كل دقيقة من حياته، لذلك تعامل السلف الصالح بشكل جدي مع قيمة الوقت. نظرا لوعيهم بواجباتهم نحوه.

واجبات المسلم نحو الوقت:

أهم واجبات المسلم نحو الوقت تتمثل في:

أولاً / الحرص على الاستفادة من الوقت: إن الحفاظ على الوقت من أوجب الواجبات وأهمها في حياة المؤمن الذي ينبغي له تسخير الوقت واستثماره في كل ما يعود عليه بالفائدة في دينه ودنياه، متأسياً في ذلك بسلفنا الصالح الذين كانوا يعرفون للوقت حقه، مما خولهم في أقل من قرن من الزمان أن يحدثوا انقلاباً جذرياً في كثير من المجتمعات التي حملوا الإسلام إليها. قال أحد الحكماء: من أمضى يوماً من عمره في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عق يومه، وظلم نفسه..)

ثانياً / اغتنام أوقات الفراغ: إن فراغ القلب من الهموم والأكدار، وفراغ الجسم من الأسقام نعمة عظيمة من نعم الله عز وجل على عباده، إلا أن الناس فيها مغبونون كما جاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم: “الصحة والفراغ: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس” 1 ، هي إشارة واضحة للمسلم للحرص على استثمار الأوقات حال القدرة والاستطاعة من الشباب والصحة والغنى والفراغ، قبل أن تدهمه المعوقات من الهرم والسقم والفقر والانشغال. فقد أثر عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إني لأكره أن أرى أحدكم فارغاً مُتَهْلَلاً (أي عاطلا) لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة) 2 . وقال الشيخ يوسف القرضاوي: الفراغ لا يبقى فراغاً أبداً، فلا بدّ له أن يُملأ بخير أو شرّ، ومن لم يشغل نفسه بالحق، شغلته نفسه بالباطل، فطوبى لمن ملأه بالخير والصلاح، وويل لمن ملأه بالشر والفساد) 3 .

ثالثا / المسارعة في الخيرات: فهذه الدنيا دار العمل؛ وهي تشبه مضمار السباق الذي علا فيه الغبار، فمن الناس من يسارع في مضمار الشهوات والملذات، ومنهم من جمع بين الحسنيين فهو يسابق في أعمال البر ولا ينسى نصيبه من الدنيا، وعند انجلاء الغبار يعض الظالم على يديه من الندم. يقول الله تعالى في سورة البقرة: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)، وفي سورة آل عمران: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133). وليحذر المسلم أعظم المثبطات عن المسارعة في الخيرات وهما العجز والكسل اللذان يثمران التأجيل والتسويف وقد حذر منهما النبي صلى الله عليه وسلم، وعلّم المؤمنين أن يعوذوا بالله منهما تأسياً به إذ كان من دعائه: “اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل” 4 .

رابعاً / تحري الأوقات الفاضلة: لا تفاضل بين الناس في نصيب كل أحد منهم من الوقت، ولكنهم يتفاضلون في إدارته، وكيفية استثماره. كذلك فإن الله عز وجل الذي قدر الوقت وقسمه بين عباده، خص بعض أجزاء هذا الوقت بمزية يفضل بها غيره من الأجزاء.

فعلى صعيد الأعمال التعبدية جعل الله لعباده مواسم تضاعف فيها أجور الأعمال كرمضان وأيام العشر من ذي الحجة، وأخرى تكون إجابة الدعوة فيها أرجى من غيرها كثلث الليل الأخير من كل يوم، وعند الفطر بالنسبة للصائم، وليلة القدر في رمضان. يقول حسن البنا رحمه الله: أمامك كل يوم لحظة بالغداة، ولحظة بالعشي، ولحظة في السّحر، تستطيع أن تسمو بروحك الطهور إلى الملأ فتظفر بخير الدنيا والآخرة، وأمامك مواسم الطاعات، وأيام العبادات، وليالي القربات، التي وجَّهك إليها كتابك الكريم، ورسـولك العظيـم، فاحرص أن تكون فيها من الذاكرين لا من الغافلين، ومن العاملين لا من الخاملين، واغتنم الوقت، فالوقت كالسيف، ودع التسويف فلا أضر منه) 5 .

أما على الصعيد الدنيوي، وسعي الإنسان فيها لإصلاح معاشِه، فقد جعل الله التبكير في أداء الأعمال من أسباب النجاح والفلاح فجاء عن النبي قوله: “اللهم بارك لأمتي في بكورها” 6 .

خامساً / تخطيط الوقت وتنظيمه: تخطيط الوقت وترتيب الأولويات من الأمور التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم، وذلك لأهميتها في القدرة على استثمار الوقت بشكل سليم، وقد عرف سلفنا حكمة ذلك، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة استدعى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأوصاه بكلمات منها: إن لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل، ولله في الليل حقٌ لا يقبـله بالنهـار، وأنها لا تُقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة) 7 . هذه كلمات همس بها الصدِّيق في أذن الفاروق الذي سيحمل الأمانة من بعده فلا بد أن يكون على بصيرة بتخطيط وقته وتنظيمه، وأن يرتب أولويّاته ويحدد أهدافه حسب أهميتها، وأن يقوم بكل عمل منوط به في وقته المخصص له، فالفريضة قبل النافلة وهكذا في سائر الأمور الأخرى.

سادساً/ الالتزام بالموعد: حث الإسلام المسلم على الالتزام بالموعد وإنجاز الوعد فامتدح الله سبحانه وتعالى المؤمنين في سورة المؤمنين بقوله: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8)، وفي قول الله عز وجل في سورة طه: ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) إشارة إلى أهمية فعل الأمر في موعده المناسب إذ المعنى: جئت للوقت الذي أردنا إرسالك فيه إلى فرعون رسولاً. كما حذّر النبي من التفريط في الوعد وعدّ ذلك من علامات النفاق فقال: “آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان” 8 ، لما في إخلاف الوعد وعدم إنجازه من إلحاق الضرر بالآخرين وإضاعة أوقاتهم في الانتظار.


[1] رواه البخاري في صحيحه.\
[2] الزمخشري، أبو القاسم جار الله، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل.\
[3] القرضاوي، يوسف، الوقت في حياة المسلم.\
[4] رواه الشيخان في صحيحيهما.\
[5] عبد العال، شعبان جبريل، الوقت أغلى من كنوز الأرض.\
[6] رواه أبو داوود في سننه وابن حبان في صحيحه.\
[7] ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد، مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.\
[8] رواه الشيخان في صحيحيهما.\