أنت ممنوع:

معادلة أصبحت عند ولاة الأمر عندنا قاعدة: “أنت من العدل والإحسان.. أنت ممنوع”.

ممنوع من تأسيس الجمعيات.. ممنوع من غشيان المنتديات…

ممنوع من جواز السفر.. أو مجاوزة أنشطتك الحد المنتظر

ممنوع من ولوج بيتك، ممنوع من أنفاسك..

ممنوع من قراءة القرآن.. أو الاعتكاف في رمضان..

ممنوع من إصدار الجريدة وإنشاد القصيدة.

ممنوع من الحج، مطارد في كل فج..

ممنوع من الاستجمام أو الاستحمام.

ممنوع… مطارد… مرفوض، ما لم تستجب لأركان الخنوع المخزني التي أولها الاعتقاد التام الذي لا يخالطه ريب أن مخزننا نعمة عظمى استثنينا بها من دون خلق الله، وثانيها التوبة من التدخل فيما لا يرضاه المخزن ضمانا لحسن استسلام المرء وتبرئة لذمته من الخوض فيما لا يعنيه، وثالثها العزم على أن تظل منحني الظهر طول عمرك متفننا في الركوع والطاعة ولزوم جماعة المخزن. وبهذا تكون أكملت دين الانقياد وأتممت شروط الاستعباد، وكنت من المقربين ممن رضي عنهم السادة والسدنة.

مخزن المنع والقمع:

ما يقع لأعضاء جماعة العدل والإحسان، ولأبناء جماعة العدل والإحسان، ولجيران وأصدقاء ولمن يشم منه الأريج الفواح للعدل والإحسان ليس بالجديد على المخزن العتيد، فتاريخ المخزن مع الجماعة مليء مخزي برعونات القمع والمنع، منع المرشد الأستاذ عبد السلام ياسين من ولوج بيت الله لتبليغ دعوة الله، منع الأعضاء من الاجتماع لذكر الله وقراءة آياته، منعهم من حج بيت الله، منعهم من ولوج بيوتهم، وتابعهم في أرزاقهم، وتتبع عليهم حركاتهم وسكناتهم.

منع الجرائد واستولى على المطبعة وصادر مقتناياتها، منع أنشطة الجماعة وادعى أنها من الكثرة بحيث تخرج عن مقتضيات القانون، استولى على مستلزمات التخييم ثم منع الناس ومنع الأطفال من البحر بدعوى الطائفية وتهديد السياحة، منع المنشدين من الصدح بالمدح والتغني بحب خير العباد. ومنع ومنع……

في مقابل هذا شرع المانعون أبوابهم مترعة مستقبلين مهللين، لكل شذاذ الآفاق من مغنين وراقصين ومخنثين ومطبعين، فاستقبلوا الصهاينة المعتدين، وأقاموا مهرجانات الميوعة يستضيفون فيها كل فاسق وناعق، وأباحوا البلاد مانحين مقدراتها لكل لص وسارق، حموا دور الفسق والفساد، ومضوا يتغنون ببلاد الحرية والتسامح ويعفون عما سلف من النهوب ومضى من “الذنوب”.

ترى من يمنع القرآن في دولة “المؤمنين”؟ من يمنع الاجتماع في ظل الدستور “المسلم”؟ من يمنع الاعتكاف في بلاد “المجلس العلمي”؟ من يصدر المنع والقمع في عهد “الرئيس الأخ الحاكم”؟، من سلط زبانيته على المتوضئين ليخرجوهم من رباطاتهم في عز “الربيع المغربي” الاستثنائي؟ ترى أليس لأوزار (جمع وزير من الوزر) المخزن ومفتيه رأي فيما يقع؟ أم أنه ليس بعد رأي المخزن من رأي، ولا بعد قوله من قول، هو الفصل الفيصل الذي لا راد لمنعه ولا وازع لقمعه.

الممانعة خارج قواعد لعبة النظام:

يريد الماسكون باللعبة، المتحكمون بقواعدها ديموقراطية تكون واجهة تلمع وجوههم عند الأسياد، وديكورا يقتاتون به من موائدهم ما تجود به أيادي المستكبرين، فتراهم إن منحوا دستورا، أو سمحوا بانتخابات رسموا خطوطا لا تفلت خيوط اللعبة من تحكمهم، وأحاطوا منحهم وأعطياتهم بما يؤبد جثومهم على رقاب المستضعفين ليجعلوا من جبرهم القدر المحتوم الذي لا مفر منه، ومن هديهم هدي الرشاد، ومن رأيهم الرأي الذي ليس له إلا النفاذ.

ويريد السدنة المخزنيون من الناس كل الناس أن يدخلوا جبة الطاعة ركعا سجدا منبطحين على الأعتاب، حتى لا يتهموا بالخروج عن أوهام “الإجماع”، وأحلام “الاجتماع” ، وأرجاس “الخصوصية” وأنجاس “الاستثناء”، ويريدون منك أنت الطامح في الحرية، الطامع في العدالة، أن تتفنن كل التفنن في الدخول في جوقة المبجلين الصادحين دوما بمدح أولي النعمة الممتنين بدوام دين الانقياد وجثوم قرونية العض والجبر على البلاد.

ويريد غير هولاء أن تكون نسخة منهم ومن أمثالهم ممن دخلوا اللعبة ليُغيِروا فتغيروا، وليصلحوا فأُصِلحوا، يريدونك أن تفكر بشروط فقه موروث جل مقاصده أن يحفظ للحكام عتوهم وجبرهم، وأن تنظر بشروط الفتنة القائمة التي لا ترى أبدع مما هو كائن، يريدونك ألا تطمح في إشراقة عدل دانية أو صبح خلافة ثانية.

وتريد أنت أن تكون حرا لا يصادر أحد حريتك، مسؤولا عن اختياراتك، تؤسس لفعل دعوي تربوي سياسي راشد، لبه التربية على الإحسان، وصلبه البناء التنظيمي الشوري، وقصده الزحف المتئد إلى موعود الله وبشارة رسول الله.

إنها الممانعة من خارج قواعد لعبة التحكم والخضوع والاستنساخ التي يريد البعض جعلها المنفذ الوحيد للتغيير، إما أن تقبل بها وتلعب ضمن حدودها -وأنت متيقن أنك لن تغير إلا ذاتك ولن تبدل إلا مبادئك-، وقد مر قبلك غيرك من هنا فاسأل عنهم دروب التاريخ، أو تكون خارج دائرة “إجماعنا” على قمعك ومنعك.

وقفوهم إنهم مسؤولون:

يود الظالمون المتنفذون، والأتباع الخانعون، والموالون الراكنون أن يستفز الحكيم ويطول العهد على الحليم فيكون الكل سواء، صورة مكرورة ممسوخة يتلاعب بها الأغيلمة ممن لا يرعون في مومن إلا ولا ذمة.

ويريد الاستئصاليون ومن في قلبهم مرض أن ينهج أهل العدل والإحسان غير سبيل المدافعة والممانعة والمنافحة السلمية وأن ينكفئوا عن ميدان الوجود والشهود، فيجدون لهم الزلة -يتمنونها- ليهلكوا من استعصى لهم عن التدجين والترويض، وأبى الركوع لغير مذل الجباه وقاصم الظهور.

ويريد صوت الحكمة العاقلة أن يهمس في أذن هؤلاء وأولئك:

للظالمين من يزعمون قوة ويدعون جبرا: “وقفوهم إنهم مسؤولون، مالكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون”.

للمانعين أهل الله من بيوت الله: “ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها”.

للمدافعين عن المخزن الراجين قربه ورضاه: “ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار”.

وللمستضعفين المقهورين المكتوين بنير الظلم: “وعد الله لا يخلف الميعاد”.

وبشارة رسول الله قد لاحت أنوارها رغم حقد الحاقدين ومكر الماكرين “ثم تكون خلافة على منهاج النبوة”.