دعوني أنظر في خبر هذا الصحابي الجليل وأعرف به، وأثبت صلته بريفنا الحبيب. فلا والله ما شرفت أرض بشرف أجل وأفضل من دخول نبي أو صاحب له إلى ربوعها.

ترجم لهذا الصحابي ابن عبد البر في كتابه “الاستيعاب في معرفة الأصحاب (ص661)” فقال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:)“من قال رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا فأنا الزعيم له فلآخذن بيده فلأدخلنه الجنة”حديثه عند رشدين بن سعد عن حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمان الحبلي عن منيذر صاحب رسول الله (ص) كان يسكن إفريقية).

سكن إفريقية (وهي تونس الحالية) عندما دخلها في جيش حوى جمعا من الصحابة غازين فاتحين لشمال إفريقيا.

قال الناصري في الاستقصا (ج1.ص41) يذكر من دخل المغرب من الصحابة: ومنهم المنيذر الأسلمي. قال ابن يونس: له صحبة، وكان بإفريقية. وقال عبد الملك بن حبيب: لم يدخل الأندلس من الصحابة إلا المنيذر الإفريقي). وواضح أن النسبة لإفريقية عارضة فهو أسلمي عربي. صحب الفاتحين حتى بلغ الأندلس فهو أحد جنود جيش طارق بن زياد والي موسى بن نصير على طنجة وما والاها. تعبير يستعمله المؤرخون ويعني بلاد الريف التي تلي طنجة وسبتة. وما يُلفت النظر هو الهمة التي انفرد بها هذا الصحابي وحدته ليجاهد حتى آخر رقعة وصل إليها الإسلام من جهة الغرب. ونحن نعلم أن طارقا ريفي من قبيلة نفزة من قبائل الجهة الغربية للريف. حتى الذين يشكون في نسبه فهو عندهم ريفي بالنشأة والبيئة والتكوين.

جند طارق جيشه الفاتح للأندلس المنجد لأهاليها من بطش القوط الجبارين من أهالي الريف وسبتة وطنجة، وهو الجيش الذي قدره البعض بسبعة آلاف نفر من البربر وقدره آخرون باثني عشر ألفا (أنظر المغرب الأقصى ومملكة بني طريف البرغواطية للدكتور أحمد الطاهري. ص73).

في هذا الجيش الذي عبر إلى الأندلس كان المنيذر رضي الله عنه، بهذا تكون لأجدادنا الريفيين صحبة مع واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جاهدوا بصحبته. ويعني هذا أن في أسلافنا الريفيين الجم الغفير من التابعين ممن يترضى عنهم المسلمون ويعتبرونهم من جملة السلف الصالح. وربما كان مؤسس النكور تابعيا، فقد عاش بالقيروان في زمن كثر فيه صحابة ترجم لبعضهم المالكي في رياض النفوس، إن صح هذا، فالنكور إمارة تابعية قامت على أساس أرسخ في الدين وأقرب صلة بأشعة الوحي وأنواره.

لتكن لنا سلفيتنا الريفية إذن، ولن تعني أكثر من الولاء لمنهاج أجدادنا والارتباط الإيماني بهم، بطارق وأصحابه، والجيل الأول من مؤسسي نكور، واتخاذهم قدوة نتأسى بنموذجهم. يا مناضلين… يا شغوفين بتراث الريف..

كان العبور من سبتة وطنجة عبر المضيق المعروف، وقد كان المنيذر يقينا هناك. ويبقى لنا أن ننظر هل دخل هذا الصحابي أرض الريف أم لا؟ ما الطريق الذي سلكه إلى سبتة والأندلس؟

يقول الأستاذ البوعياشي: أول من نزل الريف من العرب هم الحميريون وقد جاءوا مع العرب الفاتحين للمغرب مع حملة موسى بن نصير وطارق بن زياد) (الريف بعد الفتح الإسلامي، ص15). دخل الفاتحون فأسسوا النكور قبل فتح الأندلس وهذا أمر معروف فتهيأ الطريق بذلك إلى سبتة وطنجة للعبور. وحتى لو فرضنا طريقا آخر سلكه الفاتحون إلى الأندلس، فهو لا يعدو الأطراف الجنوبية للريف ليعرجوا إلى غمارة وهي الجناح الغربي للريف حيث سالمهم صاحبها يليان الغماري. ذلك ما يزيدنا ثـقـة بدخول هذا الصحابي الجليل إلى الريف. وربما مكث به برهة من زمن تقارب السبع سنين، وهي الفترة التي تولى فيها طارق الحكم قبل فتح الأندلس بأمر من موسى بن نصير (أنظر المغرب الأقصى ومملكة بني طريف، ص73).

ريف يحق له أن يفخـر ويتحدث بنعمة الله عليه أن ميز تاريخه وسلفه الأول بالصحبة الغالية. ورحم الله عبدا انقدحت بين جوانحه مشاعر الحب والشوق إلى أصحاب رسول الله.