وإذ قد عرفت الجهاد، من حيث أمره الشرعي، داعية 1 ومقصدا 2 وحكمة 3 ؛ وجاءك في كيفه العملي، من الوعد القرآني 4 ، ما يبعث على الانتصار للدين والأمة، إن بغى عليهما باغ من قريب أوبعيد؛ ومن فضائل ذلك المؤمن المرشح للانتصار، ورذائل هذا المخلف الذي أصابه القُعاد فقعد عن الجهاد 5 . فهلم نختم الكلام في الجهاد منصتين إلى القرآن يهدينا إلى طريق النصر ويحذرنا قواطعه.

أسباب النصر

ولما كان مقصد الجهاد حماية مقاصد الدين عبادة وأخوة عمرانا؛ فلا يستعان إلا بما منها، إذ هي الحق الذي يدمغ الباطل فإذا هو زاهق؛ أما ما خالف عن أمرها، فهو مانع من النصر وذريعة إلى الهزيمة والخذلان.

التربية وجهاد العبادة

واستمع إلى القرآن، يحدثك عما يستعان به في الجهاد من العبادة الربانية من التقوى، والتوكل على الله، والتصديق بالوعد، والدعاء، والذكر والصلاة، واتباع رضوان الله.

1. التقوى:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ.

قال تعالى:بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ125سورة آل عمران.

2. التوكل على الله:

وعامّة الفقهاء، على أنّ التوكل على الله هو الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه ماض، وٱتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في السعي فيما لا بدّ منه من الأسباب من مَطعم ومَشرب وتحرّزٍ من عدوّ وإعدادِ الأسلحة وٱستعمالِ ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة. وإلى هذا ذهب محققو الصوفية 6 .

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.

قال تعالى:فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ159إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ160 سورة آل عمران.

وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ.

قال تعالى:قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ23 سورة المائدة.

فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ.

قال تعالى: وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ84 فَقَالُواْ عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ85 وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ86 سورة يونس.

3. التصديق بالوعد:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.

قال تعالى: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا22سورة الأحزاب.

خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ذكرت فقال: “أخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها ـ يعني على قصور الحِيرة ومدائن كِسرى ـ فأبشروا بالنصر”فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله، موعد صادق؛ إذ وُعدنا بالنصر بعد الحصر. فطلعت الأحزاب (يوم الخندق) فقال المؤمنون:هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ذكره الماوردي فيما رواه كُثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده 7 .

4. الدعاء والاستغفار:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.

قال تعالى: وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ250فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ251 سورة البقرة.

رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ.

قال تعالى: قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ125وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ126 سورة االأعراف.

عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.

قال تعالى: وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ84 فَقَالُواْ عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ85 وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ86 سورة يونس.

رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ.

قال تعالى: وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ88 قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ89 سورة يونس.

ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.

قال تعالى: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ147فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ148 سورة آل عمران.

حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

قال تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ173فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ174سورة آل عمران.

وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ.

قال تعالى: فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ 44فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ45 سورة غافر.

قال علماؤنا: لما فَوّضوا أمورَهم إليه، وٱعتمدوا بقلوبهم عليه، أعطاهم من الجزاء أربعَة معانٍ: النعمة، والفضل، وصرف السوء، وٱتباع الرضا. فرضَّاهم عنه، ورضِي عنهم 8 .

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ.

قال تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ9 سورة الأنفال.

فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ.

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ9 فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ 10فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ11وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ12وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ13تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ14وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ13سورة القمر.

5. الصلاة والذكر:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ.

قال تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ87 سورة يونس.

إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا.

قال تعالى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذ ْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَك ُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا102فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا103 سورة النساء.

وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ45 سورة الأنفال.

قوله تعالىٰ: وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ للعلماء في هذا الذكر ثلاثة أقوال: الأول ـ ٱذكروا الله عند جزع قلوبكم؛ فإن ذكره يُعين على الثبات في الشدائد. الثاني ـ اثبتوا بقلوبكم، واذكروه بألسنتكم؛ فإن القلب لا يسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان؛ فأمر بالذكر حتى يثبت القلب على اليقين، ويثبت اللسان على الذكر، ويقول ما قاله أصحاب طالوت: رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ. وهذه الحالة لا تكون إلا عن قوة المعرفة، واتقاد البصيرة، وهي الشجاعة المحمودة في الناس. الثالث ـ ٱذكروا ما عندكم من وعد الله لكم في ٱبتياعه أنفسكم ومُثامنته لكم 9 .

6. اتباع رضوان الله:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ.

قال تعالى: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ161أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ162 سورة آل عمران.

قوله تعالىٰ: أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ يُريد بتَرِك الغُلُول والصّبر على الجهاد. كَمَن بَآءَ بِسَخْطٍ مِّنَ ٱللَّهِ يُريد بكُفْرٍ أو غُلولٍ أو تَولٍّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الحرب 10 .

التنظيم وجهاد الأخوة

ثم استمع إلى هذا القرآن، يهديك إلى التي هي أقوم، فيما يتوسل به في الجهاد، من نواظم الأخوة كالصف، والألفة، والطاعة، والإنفاق، وإعداد القوة، والحذر. وهذه معان تفصل قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ71 سورة التوبة.

1. الصف:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ.

قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ4 سورة الصف.

2. التأليف بين االقلوب:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ.

قال تعالى: وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ62 وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ63 سورة الأنفال.

3. الشورى:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ.

قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ159سورة آل عمران.

4. الطاعة الجهادية:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ

قال تعالى: وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ46 سورة الأنفال.

اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ24 سورة الأنفال.

وقيل: المراد بقوله لِما يحيِيكم الجهاد؛ فإنه سبب الحياة في الظاهر 11 .

مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ.

قال تعالى: مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا80 سورة النساء.

5. بذل النفس والمال:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ.

قال تعالى: إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ111 سورة التوبة.

وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ

قال تعالى: “وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ195” سورة البقرة.

وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ.

قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ72 سورة الأنفال.

وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ10تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ11 سورة الصف.

6. إعداد القوة:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ

قال تعالى: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ60 سورة الأنفال.

7. الحذر:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ.

قال تعالى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذ ْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا102 سورة النساء.

الزحف وجهاد القوة العمرانية

هذا، واستمع إلى أحسن الحديث، يهديك صراط الزحف في جهاد الظلم والظالمين؛ فيه الوفاء بالعهد، والتحريض على القتال، والزحف، والنفير، والصبر، والثبات.

1. الوفاء بالعهد:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ.

قال تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا23لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا24 سورة الأحزاب.

وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ.

قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا10 سورة الفتح.

2. التحريض على القتال:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ

قال تعالى: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً84 سورة النساء.

3. الزحف:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

زَحْفاً.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ15 سورة الأنفال

قوله تعالى: زَحْفاً الزحف الدنوّ قليلاً قليل 12 .

4. النفير:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا71 سورة النساء.

ثُبَاتٍ معناه جماعات متفرّقات.. كناية عن السَّرايا، الواحدة ثُبَة وهي العصابة من الناس. وكانت في الأصل الثُّبَية. وقد ثَبّيت الجيشَ جعلتهم ثُبَةً ثُبَةً 13 .

قوله تعالى: أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً معناه الجيش الكثيف مع الرسول عليه السلام؛ قاله ابن عباس وغيره.

انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً.

قال تعالى: انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ41 سورة التوبة.

والصحيح في معنى قوله تعالىٰ: ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً أن الناس أُمِروا جُملةً؛ أي انفروا خفّت عليكم الحركة أو ثقلت 14 .

5. الصبر:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

وَاصْبِرُواْ.

قال تعالى: وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ46 سورة الأنفال.

وقال تعالى: قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ128 سورة يونس.

وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا.

قال تعالى: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ139إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ 140 سورة آل عمران.

وقال تعالى:وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا104 سورة النساء

إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ65الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ66 سورة الأنفال.

6. الثبات:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

فَاثْبُتُواْ.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ45 سورة الأنفال.

أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ.

قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ214سورة البقرة.

موانع النصر

وإذ قد جاءك من ذكر أسباب النصر، ما يثبت الله به فؤادك؛ فتعال نتفكر مليا في موانع النصر؛ وهي ترجع إلى الوهن الناقض للعبادة التربوية، وداء الأمم الناقض للأخوة التنظيمية، والهوان الناقض للقوة الزحفية؛ مما يفضي إلى الفشل والتولي والإدبار وذهاب الريح.

الوهن وأمراض الجهاد التربوية

واستمع إلى القرآن، يحدثك عما يصيب قلب الجهاد، من أمراض تربوية وخبائث نفسية، تنقض بنيان العبادة الربانية؛ وهي: حب الدنيا، وكراهية الموت، وسوء الظن بالله وبرسوله، وحب الرئاسة، والمعصية.

1. حب الدنيا:

مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا.

قال تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَن ْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ152سورة آل عمران.

تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا.

قال تعالى: “مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ67” سورة الأنفال.

“تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا”.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا94 سورة النساء.

2. خشية الناس والفرار من الموت:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ.

قال تعالى: قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا16قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا17 سورة الأحزاب

يَخْشَوْنَ النَّاسَ.

قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ ك َتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً77 سورة النساء.

3. “سوء الظن بالله وبرسوله”.

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ.

قال تعالى: ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ154 سورة آل عمران.

إذ طائفة يَظُنُّون أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم باطل، وأنه لا يُنصر. ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ أي ظنّ أهْلِ الْجَاهِلِيَّة، فحذف 15 .

وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ.

قال تعالى: بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا12 سورة الفتح.

وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ.

قال تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـؤُلاء ال ْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا78 سورة النساء.

مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا.

قال تعالى: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا12 سورة الأحزاب.

4. حب الرئاسة:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ.. لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ.

قال تعالى: ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِ يَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ154 سورة آل عمران.

يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ لفظه استفهام ومعناه الجحد، أي ما لنا شيء من الأمر، أي من أمر الخروج، وإنما خرجنا كرها؛ يدّل عليه قوله تعالى أخبارا عنهم: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا 16 .

5. الذنب والمعصية:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ.

قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ155 سورة آل عمران.

ومعنى ٱسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ استدعى زللهم بأن ذكّرهم خطايا سلفت منهم. فكرهوا الثبوت لئلا يُقتلوا. وهو معنى ببعض ما كسبوا وقيل: ٱستْزَلَّهُمْ حملهم على الزلل، وهو استفعل من الزلّة وهي الخطيئة. وقيل: زَلّ وأزلَ بمعنى واحد. ثم قيل: كرهوا القتال قبل إخلاص التوبة، فإنما تولَّوا لهذا، وهذا على القول الأوّل. وعلى الثاني بمعصيتهم النبي صلى الله عليه وسلم في تركهم المركز ومَيْلِهم إلى الغنيمة 17 .

قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ.

قال تعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ165 سورة آل عمران.

قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ يعني مخالفة الرُّماة (يوم أحد). وما من قوم أطاعوا نَبِيَّهم في حرب إلاَّ نُصِروا؛ لأنهم إذا أَطَاعُوا فهم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون. وقال قتادة والرّبيع بن أنس: يعني سؤالهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يخرج بعد ما أراد الإقامة بالمدينة. وتأوّلها في الرؤيا التي رآها درعاً حصينة.. فمعنى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ على القولين بذنوبكم 18 .

داء الأمم وأمراض الجهاد التنظيمية

ثم استمع إلى هذا القرآن، ينهاك عما يصيب رأس الجهاد، من داء الأمم؛ فيفت في عضد الأخوة، ويكون النزاع والفظاظة والخيانة والعصيان.

1. النزاع:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

وَلاَ تَنَازَعُواْ

قال تعالى: وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ46 سورة الأنفال.

الفظاظة:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ.

قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ159إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ160 سورة آل عمران.

3. الخيانة:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ27 سورة الأنفال.

وقيل: نزلت الآية في أنهم كانوا يسمعون الشيء من النبيّ صلى الله عليه وسلم فيُلقونه إلى المشركين ويُفشونه 19 .

وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ.

قال تعالى: وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا15 سورة الأحزاب.

4. العصيان:

– وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ.

قال تعالى: وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً81سورة النساء.

ومعنى {بَيَّتَ} زَوّر ومَوّه. وقيل: غيّر وبدّل وحَرّف؛ أي بدّلوا قول النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما عَهِده إليهم وأمرهم به 20 .

وَعَصَيْتُم.

قال تعالى: “وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَن ْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ152” سورة آل عمران.

ومعنى وَتَنَازَعْتُمْ اختلفتم؛ يعني الرماة (في أحد) حين قال بعضهم لبعض: نلحق الغنائم. وقال بعضهم: بل نثبت في مكاننا الذي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالثبوت فيه. وَعَصَيْتُمْ أي خالفتم أمر الرسول في الثبوت.

أَذَاعُواْ بِهِ.

قال تعالى: وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْط َانَ إِلاَّ قَلِيلاً83سورة النساء.

قوله تعالىٰ: وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ.. والمعنى أنهم إذا سمعوا شيئاً من الأُمور فيه أمْنٌ نحو ظفر المسلمين وقتل عدوّهم أَوِ ٱلْخَوْفِ وهو ضد هذا أَذَاعُواْ بِهِ أي أفشوه وأظهروه وتحدّثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته 21 .

الهوان وأمراض القوة الزحفية

هذا، واستمع إلى أحسن الحديث، يحذرك سبل الأمراض، التي تصيب جسد الجهاد، من الوهن والهوان والحزن والضعف والاستكانة والغلول والتولي والفرار والتبطيء والبخل.

1. الوهن والهوان والحزن والضعف والاستكانة:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

فَمَا وَهَنُواْ .. وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ.

قال تعالى: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ146 سورة آل عمران.

والوهن: انكسار الجدّ بالخوف 22 .

وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا

قال تعالى: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ139 سورة آل عمران.

وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ.

قال تعالى: وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا104 سورة النساء.

2. الغلول:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

وَمَن يَغْلُلْ.

قال تعالى: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ161أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ162 سورة آل عمران.

فالآية في معنى نَهيْ الناس عن الغلول في الغنائم، والتَّوَعُّد عليه. وكما لا يجوز أن يُخان النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يُخان غيرُه، ولكن خصّه بالذكر لأن الخيانة معه أشدُّ وقْعاً وأعظمُ وِزْراً؛ لأن المعاصي تعظم بحضرته لِتعيُّن توقيره 23 .

التولي والفرار:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

وَمَن يُوَلِّهِمْ.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ15وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ16 سورة الأنفال.

إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا.

قال تعالى: وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا 13 سورة الأحزاب.

4. التبطيء:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ.

قال تعالى: وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا72وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا73 سورة النساء.

قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ يعني المنافقين. والتّبطِئة والإبطاء التأخّر، تقول: ما أبطأك عنا؛ فهو لازم. ويجوز بطأت فلانا عن كذا أي أخرته؛ فهو متعدّ. والمعنيان مراد في الآية. فكانوا يقعدون عن الخروج ويُقعِدون غيرهم 24 .

هَلُمَّ إِلَيْنَا

قال تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا18 سورة الأحزاب.

قوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ أي المعترضين منكم لأن يصدّوا الناس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.. أي منكم من يثّبط ويعوّق. والعوق المنع والصرف؛ يقال: عاقه يعوقه عوقاً، وعوّقه واعتاقه بمعنى واحد..هلم إلينا؛ أي تعالوا إلينا وفارقوا محمداً فإنه هالك 25 .

5. البخل:

وفي هذا المعنى نزل من القرآن:

فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ.

قال تعالى: هَا أَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ38 سورة محمد.

لاإله إلا الله محمد رسول الله والحمد لله رب العالمين.


[1] انظر الجهاد1.\
[2] انظر الجهاد2.\
[3] انظر الجهاد3.\
[4] انظر الجهاد4.\
[5] انظر الجهاد5.\
[6] انظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\
[7] انظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\
[8] انظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\
[9] انظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\
[10] انظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\
[11] انظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\
[12] اًانظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\
[13] انظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\
[14] انظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\
[15] انظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\
[16] انظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\
[17] انظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\
[18] انظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\
[19] انظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\
[20] انظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\
[21] انظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\
[22] انظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\
[23] انظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\
[24] انظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\
[25] انظر تفسير القرطبي لهذه الآية.\