روى البخاري عن عروة بن الزبير، أن عائشة رضي الله عنها حدثته أنها قالت للنبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد‏؟‏ قال‏:‏ ‏“‏لقيتُ من قومكِ ما لقيتُ، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يومَ العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يالِيل بن عبد كُلاَل فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقَرْنِ الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال‏:‏ إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم‏.‏ فناداني ملك الجبال، فسلم عليّ ثم قال‏:‏ يا محمد، ذلك فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (جبلاَ مكة)؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ “بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئا”.‏

يا لرحمة نبي الرحمة، ويا لحِلمه، ويا لِسعة صدره، ويا لِبُعْدِ نظره صلى الله عليه وآله وسلم.

لقي صلى الله عليه وسلم ما لقي في الطائف إذْ نال سفهاؤها من جسده الشريف حتى دَمِيَت قدماه الشريفتان وما نالوا من عزيمته في نفسه أو صبره عليهم أو رضاه بربه أو حِلْمِه عليهم صلى الله عليه وآله وسلم. ولم ينتقم صلى الله عليه وسلم لنفسه وقد استأذنه ملَكُ الجبال في تدميرهم، بل حَقَنَ فيهم دماء الأجيال التي كانوا يحملون في أصلابهم ممن رَجَا أن يوحدوا الله تعالى من بعدهم. وهل تولد الحياة إلا من ظلمات الأرحام؟ وهل ينبثق النور ويسفر ويظهر إلا من جوف الظلام؟

ما أندى كلماته صلى الله عليه وآله وسلم وهو يناجي ربه في هذه المحنة:

“اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملَّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، لكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك. لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك”.

ما أندى هذه الكلماتِ الأنوارِ في قلب الْمُتْعَبِ الواني، وما أَبْرَدَ نسيمها على روح الظامئ العاني، وما أعظم بركتها على العمر في زمن العبد الفاني. ولو خُيِّر هذا العبدُ بين نفائس أنفاس كلمات النبوة في عمر النبوة الحي الخالد لاختار نَفَسَ هذا الدعاء عبيراً زكيا مُرْسَلاً يَنْعَشُ روحَه الحرّى، تجري رياحه بسُفن آماله في بحر آلامها إلى مرساها.

كلماتٌ نديَّةٌ، هي عزاء للمصابين، وسلوى للمهمومين، وفَرْقَدٌ للتائهين، وسلاح للْعُزْل الْمُفْرَدِين، ولطف للمبتلَيْن.

ما شكا صلى الله عليه وآله وسلم ضعفَ قوته إلى ربه وما تبرَّأ منها إلا ليكون منها في كمالها باللجوء إلى واهبها، ومن التأييد في تمامه بالإنابة إلى مَانِحِه، ومن العصمة في شمولها بالأوبة إلى رب العزة ذي الركن الشديد، ومن العبودية في أعلى درجاتها بالتذلل والتوسُّلِ إلى أرحم الراحمين.

يا لتواضعه صلى الله عليه وسلم: “يا أرحم الراحمين.. أنت رب المستضعفين وأنت ربي…”.

استرحم نبيُّ الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم ربَّه الرحيمَ باسمه الأرحم، واسترحمه بربوبيته له هو وبربوبيته للمستضعفين كأنه صلى الله عليه وسلم يتوسل إلى ربه بانتسابه إلى المستضعفين وبكينونته منهم.

مَنِ الأحقُّ بالتوسل إلى الله تعالى بالانتساب إلى الثاني؟ النبي صلى الله عليه وسلم أم المستضعفون؟

هو توسُّلٌ بذات الضعف الذي يرزح تحته المستضعفون ولا يملكون له رفعاً، ويُكَتِّمُ أنْفاسَهُم فلا يستطيعون له دفعاً إلاَّ بالله ذي القوة المتين.

فـ إلى من تكلني)؟

ما كان هذا استفهامَ عتاب أو إنكار، حاشاه صلى الله عليه وسلم؛ وما كان استفهامَ من لا يعلم إذْ هو أعلم الخلق بربه، لكنه كان استفهام لاَجِئٍ من ضيق دنيا الناس إلى سعة رحمة رب الناس حرصاً على هداية الناس، باحثٍ عن طمأنينة القلب في جنب رضاه تعالى خوفاً من بُرْهَةِ غفلةٍ تُغضبه سبحانه.

“إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي”.

لا أبالي؛ إذْ وَفَّيتني أجري على ما ألقاه في جنبك قرباً من رحمتك، وأكرمتني إذ نَسَبْتَنِي بنسب العبودية إلى ذاتك، وهديتني ووهبتني واصطفيتني وجعلتني دليلاً إليك في خلقك.

“لكن عافيتك هي أوسع لي”.

فوسِّع عَلَيَّ ما يضيق من أسباب العافية السالكة بي إلى مرادك، وادفع عني ما يؤخرني عن استحقاق رضاك مما لا أستطيعه إلا بك.

“أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات… لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك”.

هو ذا كمالُ العبودية لله تعالى بكمال التبرئ من حول النفس وقوتها إلى حول الله وقوته. هو ذا تمامُ الرضى عن الله تعالى بما يُرضيه سبحانه عن عبده سعيا مُلِحّاً لا يفتر مادام في النفْس نَفَسٌ… “حتى ترضى”.

“حتى ترضى”.

ليت لنا من أنوار هذه المناجاة قبساً نتلمَّس به غايتنا في ظلمات دروب النفس ودروب الآفاق. وعسى يكون لنا من بركاتها حظُّ مَنْ توسل نبيُّ الرحمة إلى أرحم الراحمين بالانتساب إليهم والكينونة منهم فَشُرِّفوا هُم بالانتساب إليه وبالكينونة معه ومِنْه. ولعله يَهَبُنا من أسرارها نصيبَ من صَحِبَ من صَحِب، وفضلَ من رأى من رأى، وبعْضاً من أثَرِ قَدَمِ صدقِ مَنْ وُرِّثَ النُّور كابراً عن كابر، ودفقا من دماء نَسَبِ الخير مِنْ خير نَسَب، من اسْتُخْلِفَ في الزمان والخلق بأمر مَنْ خلق الزمان وخلق الخلق…

فليتَ وعسى ولعل… والرجاء في الله عظيمٌ أن يحقق المأمولَ ببركة صحبةِ مَنْ وُرِّثَ من الخير جوامعَه، ورُزِق من النور لوامِعَه، وورَد من عينِ اليقين منابعَه، وغَشِيه من الرحمة واسعها، وبلغ من القدْر منتهى ما يبلغه وارث.

فليتَ وعسى ولعل نظرةَ رحمةٍ واحدةً تفتح الأبواب باباً فباباً فبابا… فتحاً وفتحاً وفتحاً إلى سدرة المنتهى…

نظرةٌ لا مِنْ نفس العبد المعدوم إليه -إذْ طالما عَمِيَتْ عن قبسات أنواره، وانحجَبَت عن دلائل أسراره، وتاهْت عن معالم آثاره، وافتقدها لدى ترانيم أسحاره، ووجدها -لضعفها- حيث استخفت -جاهلةً- بإنذاره، بل هي نظرة منه هو إليها ليفيضَ وعاؤها ببركة خيراته، وترقى روحها إلى سابع سماواته، فتستظلَّ بظلال آياته.

نظرةٌ إن كان الحرمان نصيبها منه في الأولى، فإنها تستجير به بحق وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى.