وقفنا في الصفحات السالفة عند البيعة العرفية التي توارثها المسلمون، فطال عليها الأمد حتى صارت أصل الأصول، يعضدها ما تناقلته الأجيال من النقول، ونقف فيما تبقى من صفحات على تجربة الخلفاء الراشدين لتبين مضامين المبايعة الشرعية التي قامت في عهدهم، والتي هي الأولى بالاتباع والنسج على المنوال، لا تكرارا للشكل، ولكن حفاظا على الروح. ونوجز القول فنقول إن بيعتهم قامت على أسس ثلاثة وجب تجديدها.

أ- البيعة مؤسسة لشرعية الحكم:

وبيان هذا الأساس أنه خلافا للبيعة العرفية التي ليست سوى إعلانا رسميا عن الحاكم للأمة والمعروف مسبقا، فقد كانت البيعة الشرعية للخلفاء الراشدين بيعة مؤسسة لخلافتهم. إن ذلك يعني أن تاريخ المسلمين كان مفتوحا على اختيارات عديدة عند اختيار الأمة لخليفتها، وجلاء الأمر أنه من المعروف تاريخيا أن الأنصار والمهاجرين اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة واختاروا أبا بكر الصديق بعد لأي، وكان بالإمكان أن يكون خليفة المسلمين عندها غير أبي بكر لو تشبث الأنصار برأيهم في أن يكون الأمير منهم، أو لو اجتمع الهاشميون بالصحابة في السقيفة، أو لو أن استقالة الصديق من منصبه قد قبلت منه. لقد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يعلم أحد من سيخلفه إماما للمسلمين، لذلك كانت البيعة محددة ومؤسسة ومنشئة لسلطة الخليفة.

وما قلناه عن الصديق يصدق على خلافة الفاروق وذي النورين وأبي تراب، رضي الله عنهم أجمعين. فلو أن أبا بكر رشح غير عمر، أو لو أن ابن الخطاب وجد معارضة من الصحابة، لكان بالإمكان أن يكون غيره خليفة المسلمين، ثم إن المرشحين بعد وفاته لخلافته كانوا ستة ، ولا أحد كان يعلم إلى من سيؤول الأمر حتى صار إلى عثمان، وبعد حادث اغتيال ابن عفان لا أحد كان يرجم بالغيب ليعلم أن الأمر سيؤول إلى علي بن أبي طالب في تلك الأحداث الهائجة المائجة السافكة لدماء المسلمين الزكية في ذاك الزمن الرهيب. ما وددنا أن نفتح بـ”لو” هنا بابا للشيطان، وإنما أردنا أن نبين أن الخليفة المرتقب للمسلمين كان يظل نكرة، حتى تجري مبايعته من أهل الصحبة والسابقة، ثم تعقد له البيعة العامة من المسلمين.

بعد تولي معاوية بن أبي سفيان الحكم، وقع تحول فظيع في الموضوع، إذ سعى إلى أخذ البيعة لابنه يزيد كرها، حتى كان الناس بعدها يبايعون الصبيان في الخرق، وغدا السلطان المرتقب معلوما مسبقا ولو قبل عشرات السنين من توليه الحكم، بل إن من السلاطين من كان يرتب “الخلافة” في أبنائه وإخوانه، فيوصي أن إذا مات فلان خلفه فلان، وهكذا دواليك.

إن عادة التولية هذه ما زالت قائمة في عالمنا الإسلامي، حتى إذا ما مات حاكم ورث ابنه أو أخوه السلطة ومعها مليون رأس آدمية أو مليونان أو عشرة أو عشرون أو خمسون أو ستون أو زد على هذا الرقم أو انقص قليلا، فلن يغير ذلك في الأمر فتيلا. فإن استقر في الأفهام الفرق بين البيعة العرفية والبيعة الشرعية، وأن الأولى من إرث التاريخ، والثانية من نصوص الوحي وتجربة الخلفاء الراشدين، فعندها يتخذ التغيير مقصدا واتجاها وموضوعا، ويبقى المعول بعدها على المومنين القائمين لتجديد الدين، والمنتصرين لقيمه على أعراف التاريخ، وما أصل التاريخ، ليَثبتوا في الميدان ويُثبتوا أن البيعة ليست مجرد مراسيم معلنة عن الحاكم ولكنها مواثيق منشئة لشرعية الإمام ومشروعيته.

طالع أيضا  تمييز البيعة الشرعية عن البيعة العرفية 3/4سياق تأصيل البيعة العرفية

ب- البيعة عن رضى وقبول من الأمة:

كانت البيعة في عهد الخلافة الراشدة عن رضى وقبول من الأمة، وهذا هو أساسها ومرتكزها الثاني، وبيان ذلك أن الخليفة كان من المؤمنين وليس عليهم، حيث كان يتولى الأمر باختيارهم، فكل مصادر الحديث النبوي والتاريخ تثبت أن استخلاف أبي بكر كان برضا من الناس، وأنه بويع بيعتين: بيعة خاصة من أهل الصحبة والسابقة في سقيفة بني ساعدة، وبيعة عامة على المنبر. فقد جاء في صحيح البخاري عن أنس بن مالك أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر، وذلك الغد من يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم، فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلم. قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبرنا – يريد بذلك أن يكون آخرهم – فإن يك محمد صلى الله عليه وسلم قد مات، فإن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به بما هدى الله محمدا صلى الله عليه وسلم، وإن أبا بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثاني اثنين، فإنه أولى المسلمين بأموركم. فقوموا فبايعوه. وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامة على المنبر. قال الزهري عن أنس بن مالك: سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذ، اصعد المنبر. فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة) 1 ، وانظر إلى مفردات هذا النص لتنجلي معاني البيعة الشورية الرضية الإيمانية. رجل من خيرة الصحابة يخطب على الناس فيشجعهم على مبايعة أبي بكر، مذكرا إياهم بمقامه في سلم الدعوة لا العصبية أو ما شابه؛ فهو صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ والمعول عليه في حفظ نور الهدي النبوي، ثم انظر إلى حياء الإمام أبي بكر وتلكئه في صعود المنبر أمام إلحاح ابن الخطاب، ثم انظر كيف أقبل الناس يبايعونه بيعة عامة بعد أن علموا أن قادة الأمر من أهل الصحبة والسابقة قد رضوه لهم إماما وخليفة.

صحيح أن بيعة الناس لأبي بكر لم تكن إجماعا، فعلي بن أبي طالب لم يبايع حتى توفيت الشريفة الطاهرة فاطمة الزهراء، كما أن الصحابي الجليل سعد بن عبادة زعيم الخزرج ظل إلى وفاته لا يبايع أحدا، وقد عاش مرحلتي حكم أبي بكر وعمر فلم يبايع أحدا منهما، وكان الصديق قد بعث إليه أن أقبل فبايع، فقد بايع الناس. فقال: لا والله لا أبايعكم حتى أقاتلكم بمن معي. فقال بشير بن سعد: يا خليفة رسول الله إنه قد أبى ولج فليس يبايعكم حتى يقتل؛ ولن يقتل حتى يقتل معه ولده وعشيرته؛ فلا تحركوه ما استقام لكم الأمر، وإنما هو رجل وحده ما تُرك. فتركه أبو بكر، فلما ولي عمر لقيه؛ فقال: إيه يا سعد! فقال: إيه يا عمر! فقال عمر: أنت صاحب ما أنت صاحبه! قال: نعم، وقد أفضى إليك هذا الأمر؛ وكان صاحبك والله أحب إلينا منك؛ وقد أصبحتُ كارها لجوارك. قال: من كره ذلك تحول عنه. فلم يلبث إلا قليلا حتى انتقل إلى الشام فمات بحوران) 2 .

إن مثل هذا النص يعطينا إضاءة لما يمكن أن يكون عليه مستقبل البيعة في غد الدولة الإسلامية، فسعد بن عبادة عاش حياته غير مبايع للخليفتين الراشدين، دون أن يطاله حد أو عقوبة منهما، فالدرس المستفاد لغد دولة الإسلام أنه لا يلزم أن تعقد المشانق للرافضين لبيعة الحكام، بل يترك لهم الاختيار في أن يعارضوا الحُكم من داخل نسقه أو حتى من خارجه، ويكفي المؤمن الوعيد الشديد بالميتة الجاهلية التي تلحقه إن مات وليس في عنقه بيعة كما جاء في الحديث الشريف. فإذا اتفق أكثر الناس على ميثاق يكون الضابط للحياة السياسية في واقعهم، لكنه لم يرض طموحات أطراف أخرى، فيجب أن يترك لهم المجال والحرية في أن يعارضوه، بل ولهم الحق حتى في محاولة نقضه من خارجه، يشترط فقط أن تكون وسائلهم مشروعة: فلا يتبنون العنف منهجا وسلوكا، ولا يتحولون إلى طابور خامس يخدم أطماع قوة أجنبية.

طالع أيضا  تمييز البيعة الشرعية عن البيعة العرفية 4/2التأسيس النظري للبيعة العرفية

ج- البيعة عقد يحدد سلطات الخليفة وحقوق الأمة:

نختم هذا الباب بالحديث عن الأساس الثالث من أسس بيعة الخلفاء الراشدين، والمتمثل في أن البيعة عقد يحدد وظائف الخلفاء وحقوق الأمة، وهو أمر جاء مبينا في كتاب الله تعالى القائل في محكم تنزيله: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم أن تحكموا بين الناس بالعدل، إن الله نعما يعظكم به، إن الله كان سميعا بصيرا. يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا [النساء: 58-59]، علق ابن تيمية على الآية بقوله: قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإذا أمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم) 3 .

لقد دأب الخلفاء الراشدون على تذكير الأمة بواجب الطاعة لهم ما أطاعوا الله، فإن عصوه فلا طاعة تجب لهم عليهم، وقد افتتح بالتأصيل لهذا الأمر في بيان الخلافة الأول الشهير الذي تلاه أبو بكر الصديق بعد توليه أمر الناس، ثم تتالى الخلفاء الراشدون يحفظون هذا العهد، وقد روي عن الإمام علي كرم الله وجهه قوله: ألا وإنه يُهلَك فيَّ اثنان: مُحب مُطر يقرِّظني بما ليس فيَّ، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني، ألا إني لست بنبي، ولا يوحى إلي، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما استطعت، فما أمرتكم من طاعة الله فحق عليكم طاعتي فيما أحببتم وكرهتم) 4 ، فكان مدار العقد بين الإمام والمسلمين على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا يختص الإمام بحفظ شرع الله دون الناس، بل حفظ دين الله موكول إلى جميع المؤمنين، وهو ما كان مفهوما في العهد الأول قبل أن يطول الأمد فيُنسى العهد، روي عن محمد بن النعمان بن بشير أن أباه أخبره أن عمر قال يوما في مجلس وحوله المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمر، ما كنتم فاعلين؟ فسكتوا، فعاد مرتين أو ثلاثا. قال بشير بن سعد: لو فعلت قومناك تقويم القدح. قال عمر: أنتم إذا أنتم) 5 ، عمر يفترض لو أنه ترخص في أمر الشرع بعض الشيء فأهمله، فيتساءل عن موقف القوم حينها! فيعلَن في وجهه أنه يقوّم تقويما حتى يعود إلى الصراط المستقيم، فلا يثور ولا يغضب، ولكن يمتدح القوم بأنهم الرجال المعول عليهم في حفظ الأمر إن سولت للإمام نفسه أن يعتد برأيه، وينفرد بالأمر دون المؤمنين.

طالع أيضا  تمييز البيعة الشرعية عن البيعة العرفية 4/1

إن البيعة عقد مؤسس لشرعية الحكم، كما أنه عن رضى وقبول من الأمة، وفيه تحدد صلاحيات الحاكم وحقوق المحكومين، والمرجع شرع الله حتى تكون حياة المسلمين بالإسلام وعلى الإسلام وللإسلام. لا إله إلا الله محمد رسول الله.


[1] صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب الاستخلاف\
[2] شمس الدين الذهبي: سير أعلام النبلاء 1/276-277\
[3] ابن تيمية: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية – دار الكتب العلمية – بيروت. ط الأولى: 1988. ص:8.\
[4] مسند الإمام أحمد، كتاب مسند الخلفاء الراشدين، باب مسند علي بن أبي طالب، وإسناده حسن.\
[5] الإمام البخاري: التاريخ الكبير – دار الفكر. 2/98\