كان من الطبيعي أن يتصدر الإسلاميون الواجهة الانتخابية بعد سقوط الأنظمة الاستبدادية في كل من تونس ومصر، وهو ما أهلهم لتولي مسؤولية الحكم وتدبير الشأن العام بعد أن صوتت الشعوب لصالحهم، نظرا لماضيهم المشرف في مناهضة الظلم، وباعتبارهم يمثلون الهوية الأصيلة لشعوبهم من خلال مرجعياتهم الإسلامية وخطهم السياسي الواضح. فبعد أن عانت الحركات الإسلامية لعقود من الزمن من الاضطهاد والاعتقالات ومحاصرة أنشطتها في ظل وجود أنظمة استبدادية لا تؤمن بوجود أصوات تعبر عن مطالب الشعب الحقيقية وهويته الأصيلة، قفز الإسلاميون إلى الواجهة السياسية مع الربيع العربي بعد انهيار الأنظمة الاستبدادية التي حرمتهم من النشاط السياسي.

لكن تولي مهمة الحكم وتدبير الشأن العام في هذه اللحظة التاريخية من مسار الأمة العربية الإسلامية تحفه الكثير من العقبات والعراقيل، التي تتطلب من الإسلاميين خلق شراكة مع القوى الداخلية في تدبير المرحلة، وتقوية الموقع الخارجي خصوصا أمام التكالب الأجنبي على إفشال تجربتهم في الحكم أو على الأقل محاولة ترويضها والسيطرة على تحولاتها. لكن أهم عقبة تقف أمام نجاح تجربتهم في الحكم والتدبير تكمن في القدرة على التخلص من التركة الثقيلة من الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي التي رزحت تحته شعوبها والاستجابة للمطالب الشعبية العريضة.

فقد تمكنت الأنظمة الاستبدادية التي زلزلها الربيع العربي من أن تعيش لعقود خلت في الحكم بعدما استفادت من إقصاء معارضيها وسنها لسياسة فرق تسد بين قوى المجتمع فسنحت لها الفرصة بعد توافقها مع مصالح الغرب في المنطقة من نهب خيرات شعوبها وتفقيرها، بل أسست للفساد ولاقتصاد الريع، فأغنت الغني وأفقرت الفقير، وصادرت مختلف الحريات، كل ذلك نتج عنه اقتصاد مترد ووضع اجتماعي متدهور وتعليم فاشل فرزحت الطبقة العامة من الشعب في الفقر المدقع بينما استفادت فئة قليلة من قربها من دوائر الحكم من تكديس الثروات وسيطرتها على مفاصل الدولة فأصبحت هذه الدول ضيعا للأسر الحاكمة والمقربين منها بينما ظلت شعوبها تمتح من قاموس البؤس والحرمان والجهل في ظل مديونية داخلية وخارجية متصاعدة.

في حين شاءت الأقدار الإلهية أن يتولى الإسلاميون – في تونس ومصر – مهمة الحكم وتدبير الشأن العام في هذا الظرف العصيب من تاريخ الأمة وهي لا تزال، أي الحركة الاسلامية، فتية في تجربتها السياسية ومثخنة بأعراض الحكم الاستبدادي الذي شوه صورتها وأساء إلى أفكارها. وأمام هذه التركة الثقيلة من مخلفات الأنظمة البائدة ترتفع أصوات المطالب الشعبية بتوفير الرخاء الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي من خلال توفير فرص الشغل وتحسين الظروف المعيشية للمواطن العادي الذي ينتظر بعد أن صوت للإسلاميين أن تحل مشاكله في ظرف وجيز بينما يترقب البعض الحل السحري الذي سيقدمونه لإنماء المجتمع، فيما يصر فريق آخر على تتبع عوراتهم وأخطائهم في التدبير من أجل إثارة الفتنة والقلائل، بل يتعداها البعض نتيجة تفكيره الضيق ليطالب بإقامة الدولة الإسلامية وتحكيم الشريعة وتنفيذ القصاص. من كل هذه التحديات التي تقف أمام تجربة الاسلاميين في الحكم وتدبير الشأن العام بعد الربيع العربي الذي زحف على الأنظمة المستبدة بتونس ومصر ستبقى الفرصة سانحة لهم لتقديم نموذج أفضل للحكم من خلال إشراك الجميع في مسؤولية تدبير المرحلة وفق رؤية استراتيجية تضمن مساهمة الجميع في معالجة التركة الثقيلة من الفساد الاقتصادي والاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي الذي خلفته الأنظمة المنهارة، إلى جانب ذلك تعزيز الموقع الخارجي بما يضمن عدم السقوط من جديد في التبعية الخارجية وفي أجندات القوى العالمية التي تنظر بعين الريبة إلى تجربتهم بل تطمح إلى ترويضها وإخضاعها.

لن تتبدد أجواء الشك إذن في حكم الإسلاميين ونواياهم – بعد سقوط الاستبداد – إلا بطمأنة شعوبها أن الحكم ليست غاية الإسلاميين بل هو وسيلة لإثبات جدوى المشروع الإسلامي وهدفه الأسمى التمكين لدين الله في الأرض بالتمسك بالهوية الأصيلة لشعوب المسلمة وبالاستجابة لمطالبها المتمثلة في تحقيق الكرامة والحرية والعدل.