مجالس الذكر

كان الصحابة رضي الله عنهم وهم من عاشروا وجالسوا الرحمة المهداة يلتمس بعضهم بعضا لحضور مجالس الذكر والإيمان، فغدت كلمة معاذ بن جبل رضي الله عنه مادة في دستور الطليعة المؤمنة المجاهدة: اجلس بنا نؤمن ساعة) وأصبحت ديدن حياتهم حيث أخذها عنه ابن رواحة فقال لأبي الدرداء رضي عنهما وهو آخذ بيده: تعال نؤمن ساعة، إن القلب أسرع تقلبا من القدر إذا استجمع غليانا).

هذه الجلسة المباركة المرحومة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله تعالى، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة و غشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده”، هذا الاجتماع المترابط في سلسلة نورانية بين من حضر و من سبق منذ أبينا آدم عليه السلام إلى أن ينتقل المؤمنون من رياض الجنة في الدنيا إلى فردوس الجنة في الآخرة، هو اجتماع على الله عز وجل حيث يتجدد الإيمان بحضور كلمة لا إله إلا الله بين المؤمنين الطاهرين الذاكرين، فيستعد قلب المؤمن الذاكر الذي وفقه الله عز وجل للحضور بين يديه لاستمطار رحمة الله، واستنزال سكينة الله، ومجالسة ملائكة الله والحظوة بذكر الله عز وجل.

صحبة ساعة

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: “مَا مِنْ صَاحِبٍ يَصْحَبُ صَاحِبًا وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، إِلا سُئِلَ عَنْ صُحْبَتِهِ: هَلْ أَقَامَ مِنْهَا حَقَّ اللَّهِ، أَمْ أَضَاعَهُ”.

وقال صلى الله عليه وسلم: “الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ”. وقال الله تعالى في سورة الزخرف الآية (67) الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ.

مفتاح الطريق وضمانُ تربية وسلوك المؤمن وجود صحبة صالحة رفيقة محبة تدل على الله وتساعد على تزكية النفس و تأديبها، قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: اصحبوا شيخا عالما بحكم الله عز وجل وعلمه، يدلكم عليه. من لا يَرَى المفلحَ لا يُفلح. من لا يَصْحَبُ العلماءَ العُمَّالَ فهو من نَبْضِ التراب. لا دليلَ له! لا أُمَّ له! اصحبوا من له صحبة مع الحق عز وجل).

صحبة الذاكرين النجباء تحي القلوب، وصحبة الغافلين تميت القلوب.

التهيؤ لنصر الله

تربية إيمانية قرآنية مسجدية جماعية تزيل الران و الوهن من قلوب من أصبحت الدنيا أكبر همه، وتبني مجتمع الإخاء بين المسلمين بحب الله وحب رسوله والمؤمنين، تزرع شُعب الإيمان في النفوس من أولها “لا إله إلا الله” إلى “إماطة الأذى عن الطريق”، وهناك تتنزل معاني الإيمان المبتورة من مجتمعنا هذا ويعود للمسجد دوره وللأسرة دورها وللمدرسة دورها وللمجتمع دوره في بناء رجال مؤمنين ونساء مؤمنات، فعندئذ يتنزل الفيض الإلهي على جماعة المؤمنين، ومعه يتنزل النصر من الله عز وجل، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين”: يقتضي توزين العامل الذاتي وترجيح جانبه أن نعطي الأهمية القصوى لفحص ذاتنا للنظر في عيوبنا، لتمحيص صفنا، لتربية نفوسنا وصقل قلوبنا وتهيئ المحل الذي يتنزل فيه نصر الله. لا نهضم هذا الجانب مثلما يهضمه الغافلون عن الله، كل شأنهم التخرصات والاستراتيجيات والترسانات. ما تغني التخرصات والاستراتيجيات والترسانات إن كان جانب فقه العباد بدين الله مخروما وكان التآخي في الله معدوما، وحب الله ورسوله والمؤمنين منقوصا، والآخرة مسكوتا عنها، وذكر الله أمرا نكرا، والطاعات مطففة، والأخلاق مجففة، والإيمان في القلوب باليا، والران عليها غاشيا).

فسؤال “متى نصر الله؟” في زمننا هذا مقرون بمدى استعدادنا لهذا النصر، ذاك الاستعداد والتهيؤ القلبي الذي عاشه الصحابة رضوان الله عليهم في دار الأرقم بن أبي الأرقم بمعية المصحوب الأعظم سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم وعبروا عنها بقولهم: أوتينا الإيمان قبل القرءان، وأنتم أوتيتم القرءان قبل الإيمان..) تلك التربية الإيمانية الكاملة الشاملة التي تسعى لتحويل مجتمع التفكك والغثائية إلى مجتمع المحبة والأخوة، وإزالة عيوب الجاهلية من النفوس، بالتربية وصقل القلوب المتعطشة للنظر إلى وجه الله عز وجل.