إن المبايعة عقد مشروط بين الأمة والإمام تجعل أي طرف في حل من عهده إن نقض أحد الطرفين شروط العقد. لكن المبايعة الشرعية تركت مكانها تاريخيا لبيعة تلزم طرفا بالطاعة المطلقة، وتحل آخرا من كل التزام، بل له الحق أن يفعل ما يشاء بتفويض من الفقهاء شراح النص الشرعي، أو الموقعين عن رب العالمين بتعبير ابن قيم الجوزية، الذين ألزموا الأمة بعدم جواز الخروج على الإمام حتى وإن نقض شروطا هم وضعوها بأنفسهم. ويكفي أن ننتبه كيف أن الفقه السني تمايز نظريا عن الفقه الشيعي في أن الإمامة تكون بالاختيار لا بالنص، وهذا يوحي أن الفقهاء ينتصرون لاختيار الأمة لأئمتها، لكنهم ما لبثوا أن جعلوا اختيار الأمة اختيار أهل الحل والعقد فيها، ثم اكتفوا بأهل الحل والعقد في بلدة الإمام، ثم تجادلوا في عددهم فذهب كثير منهم أن الواحد والاثنين منهم كاف، ثم أثبتوا شرعية استخلاف الإمام ابنه أو أخاه، ثم قاسوا عمل الإمام الذي يرتب الإمامة في اثنين أو ثلاثة من آل بيته من بعده على عمل الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أمّر على جيش مؤتة زيد بن حارثة، ويخلفه جعفر بن أبي طالب عند إصابته، ثم عبد الله بن رواحة، ثم انتهى الأمر بالفقهاء إلى الإفتاء أن الإمامة تنعقد بغير بيعة بعد أن جوزوا الاستيلاء على منصب الخلافة بالعنف والقهر… لقد ظل الفقه يتدحرج في تبرير الواقع حتى صار من قواعده في الإمامة: من اشتدت وطأته، وجبت طاعته)، ونحن مع من غلب)!

لعل المقصد الكلي الذي تحكم في موقف الفقهاء من مسألة البيعة، حتى دعاهم إلى القول بأنها تمنح لكل بر وفاجر، وكيفما كان شكل توليه على الرقاب، هو مقولة الحفاظ على وحدة الأمة وبيضة المسلمين من أن يعصف بها الاقتتال الداخلي. وهي مسألة لها مشروعيتها من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم 1 ، كما أن التجارب التاريخية المريرة التي عاشها العلماء وهم يشهدون تتالي الحروب الداخلية دون أن يخدش لاستبداد السلطان وجه، عززت من مقولة أن الناهض لمقاومة الظلمة إنما يوقظ الفتن، ويهدد جماعة المسلمين بالشتات. فضمر عندهم أن الخلافة هي المطلوبة شرعا، وأن الملك يقبل به اضطرارا لأن محاولة التغيير تتسبب في غالب الأحوال في فتن كبرى.

طالع أيضا  تمييز البيعة الشرعية عن البيعة العرفية 4/4الأسس الثلاثة في البيعة الشرعية للخلفاء الراشدين

ثم لا يمكن تناسي الظروف التاريخية التي كانت فيها بلاد المسلمين مهددة من الغزو الخارجي، سواء من طرف الصليبيين أو التتار أو… ولا يعقل عند التهديد الخارجي أن يثير العلماء والفقهاء مدى شرعية السلطة الحاكمة، بل يكون المعول عليهم حينها تعبئة الصف الداخلي لجعله متراصا في مواجهة عدو واحد. ورغم أنها ظروف كانت في جل الأحوال تخدم السلطات الحاكمة، لكن لم يكن هناك من بديل آخر في زمانهم..

لقد عاش علماؤنا معركة في النفس والعقل لعدم مطابقة واقع الحكم لما علموه في شرع ربهم وسنة نبيهم عليه أفضل الصلاة والتسليم وسنة من بعده من الخلفاء الراشدين، لذا اختلفت اجتهاداتهم، فمنهم من رأوا أن مصالحة الحكام لا تجوز كيفما كان الحال؛ ولو كان بذل النفس أسطع برهان. ومنهم من آثروا الصمت بعد أن أيقنوا أن موازين القوى في زمانهم في غير صالحهم؛ فآثروا اعتزال السلطة ومقاطعتها، ولكن هيهات للسلطان أن يقنع منهم بذلك، بل كان يسعى جهده إلى أن يدخلهم في سلكه، ويمنحهم وظائف ليحسبوا من رجالاته رغما عنهم، ومن رفض منهم كان كمن يوقع على حتفه. ويكفي أن تقرأ سيرة الإمام أبي حنيفة الذي رفض وظائف السلطة، فحبسه المنصور حتى مات الفقيه الكبير في السجن كما تذهب بعض الروايات 2 . ثم كان المخرج أن اجتهد جمهور العلماء على امتداد القرون المتأخرة عن جيل الصحابة والتابعين، بضرورة السكوت على مسألة شرعية الحاكمين، مع السعي إلى مشاركة السلطة بعض مواقعها نفعا للإسلام والمسلمين، ودفعا لمكر بطانة السوء والماكرين.

ما كان السادة العلماء الأجلاء في غفلة عما يراد منهم وبهم ولهم، وما كانوا من البلاهة بأن يعترفوا بشرعية الحاكم دون أن يحققوا للإسلام مكاسب عظمى حسب اجتهادهم، لذلك كان هناك شبه اتفاق -غير مكتوبة بنوده- في أن يعترف كل طرف بشرعية الآخر. يصمت العلماء عن أس شرعية الحاكم، على أن يعترف هو لهم بحقهم في الوجود ومخالطة الناس وإفتاء العامة فيما لا يمس أس السلطة. وكانت مكاسب الحكم أن يستقر ملكه، ومكاسب المسلمين أن تحقن دماءهم وتحفظ أموالهم ويحكم دينهم، وأن يكون الفقهاء والعلماء هم حراس العقيدة وما بقي من عرى الإسلام، لأنهم إن لم ينازعوا السلطان أصل سلطته لعدم الإمكان، نازعوه في باقي الأصول والفروع لأنهم أهل الاختصاص بالعلم، ومحنة الإمام ابن حنبل خير مثال في هذا المضمار.

طالع أيضا  تمييز البيعة الشرعية عن البيعة العرفية 4/2التأسيس النظري للبيعة العرفية

نوجز القول فنقول: إن اعتراف العلماء المجاهدين بشرعية الحاكم، إنما كان خطة ليعترف بشرعيتهم ويبقي على حياتهم، وإلزاما له بتبني مرجعية الشريعة في حكمه، مع صمتهم عن أصل سلطته ومدى مطابقتها لأصول الشرع.

استعملنا مصطلح “خطة” للدلالة على أن فقههم كان نابعا من استقراء لواقعهم السياسي أكثر من ارتباطه بالوحي الرباني، إذ رسخ في الأذهان أن الواقع يستحيل تغييره إلا بما هو أسوأ منه، فجنحوا إلى الرضى بأنصاف الحلول اضطرارا، وحاولوا تجاوز مأزق الثنائية التقابلية التي يمثل أحد وجهيها فقهاء السلطان القائلون بشرعية السلطة بشكل مطلق، بينما يمثل وجهها الآخر رجال القومة القائلون بعدم شرعية السلطة المنابذين إياها بالسيف، فأبدعوا اختيارا ثالثا يرتكز على التعامل معها في منطقة رمادية أقل ما توصف فيها السلطة بأنها تعاني من عجز في الشرعية، وهو مفهوم نستعمله بنفس الحمولة الدلالية التي يتداول بها في الفقه الدستوري المعاصر 3 ، وقد علم العلماء أن الإسلام لا يتوقف مصيره وتحقيقه فقط في عالم السياسة والحكم، بل الدين شامل لكل جوانب الحياة، ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام مسلم، أن “الإيمان بضع وسبعون – عند البخاري: بضع وستون – شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان” 4 ، لذا انصرفت همم العلماء إلى الاشتغال بمختلف العلوم، ومجالسة العامة وتعليمها الدين، وإفتاء الناس في نوازلهم، كما انصرف أهل التربية والتزكية إلى تطبيب القلوب، وتذكير الناس أن الدين مراتب تطلب: من أعلى المراتب مقام الإحسان، حيث تعبد الله كأنك تراه، فتنال رضاه، ولا تحرم يوم القيامة رؤياه، جل الله الأحد الصمد في علاه.

نعم، استقلت كل طائفة من العلماء مع امتداد التاريخ بصنف من العلوم، وأقيل الفقهاء عن تدبير شؤون السلطة، لكنهم –مع ذلك- حفظوا في مجموع نتاجاتهم وجهادهم معالم كل الدين، وإنما تقع على أجيالنا مهمة جمع شتات العلم، وشتات الدعوة والدولة، أو ما يمكن تسميته بإعادة فتل الفقه الجامع النافض عن نفسه أتربة قرون القهر والاستبداد، وذهنية التقليد والانقياد.

طالع أيضا  تمييز البيعة الشرعية عن البيعة العرفية 4/1

[1] يلاحظ كيف أن هارون عليه السلام قدم الحفاظ على وحدة جماعة بني إسرائيل على إعلان كفر من اتبع السامري، وما يستتبع ذلك من استقلال جماعة المؤمنين برسالة موسى عن العابدين للعجل، وبعد أن أغلظ موسى عليه السلام له القول بعدم الحفاظ على صفاء العقيدة، كانت حجة هارون لأخيه أن “قال: يا ابن أم لا تاخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي” [طه:94]، أما الأحاديث الحاضة على الصبر على الحاكم، وحفظ جماعة المسلمين فمن الكثرة بمكان.\
[2] شمس الدين الذهبي: “سير أعلام النبلاء” 6/402.\
[3] العجز في الشرعية: “هي الحالة التي تنجم عن عدم قدرة السلطة على تبرير القواعد التي اختارتها لعملية تجديد السلطة أو الاستمرار فيها. أي عندما تكون هذه القواعد غير متوافقة مع المرجعية” د. امحند برقوق”الشرعية السياسية من منظور علم السياسة المعاصر” عن كتاب “الشرعية السياسية في الإسلام مصادرها وضوابطها” إعداد وتحرير عزام التميمي. طبع في بريطانيا، مارس 1997. ص:96.\
[4] صحيح البخاري -كتاب الإيمان- باب أمور الإيمان. وصحيح مسلم- كتاب الإيمان- باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها.\