إن ما يثير الانتباه، أن التأسيس النظري الفقهي لمسألة البيعة تأخر إلى ما بعد القرن الثاني الهجري، حيث خيض في مسألة الإمامة في كتب علم الكلام، ثم درج الحديث عن الخلافة في كتب “الأحكام السلطانية”، ورغم انتماء هذه الأخيرة إلى ميدان الفقه السياسي، وما يعنيه من تخليص مبحث البيعة من الحمولة العقدية والتعامل معها في المنطقة الاجتهادية، إلا أن هذه الكتب كانت أقرب إلى “الفقه الإداري” منها إلى “الفقه الدستوري”. فهي لم تكن تهتم بمسألة الشرعية السياسية قدر اهتمامها بتبيان الوظائف التنظيمية والتدبيرية لسلطة “الخلافة”، وحتى مقدمات تلك المؤلفات غلب عليها التأسيس النظري لمسألة البيعة بما يتناسب والحفاظ على الأمر الواقع، وهذا ما جعل الكثير من الباحثين ينعتون فقههم بأنه فقه تبرير لمراحل وأوضاع مختلفة، وأنها كانت تنظر إلى الدليل الشرعي من خلال عوينات الواقع لا العكس.

لقد ذهب الفقهاء إلى أن الإمامة تنعقد من وجهين: أحدهما باختيار أهل العقد والحل، والثاني بعهد الإمام من قبل) 1 ، أضيف إلى هذين الوجهين اعتراف بشرعية المتغلب بالسيف، أو ما عرف بإمارة الاستيلاء. قال القلقشندي: الطريق الثالث من الطرق التي تنعقد بها الإمامة: القهر والاستيلاء. فإذا مات الخليفة فتصدى للإمامة من جمع شرائطها من غير عهد إليه من الخليفة المتقدم، ولا بيعة من أهل الحل والعقد، انعقدت إمامته لينتظم شمل الأمة، وتتفق كلمتهم. وإن لم يكن جامعا لشرائط الخلافة، بأن كان فاسقا أو جاهلا، فوجهان لأصحابنا الشافعية أصحهما انعقاد إمامته أيضا) 2 .

تجاوز الفقهاء المتأخرون – عن جيل الصحابة – مقالة القيام ضد أئمة الجور، وعدم إعطاء البيعة للناكثين لعهد الله ورسوله، وعدت المقالة مذهبا للسلف قديما، لكن استقر الأمر على ترك ذلك)، وسعى الفقهاء إلى التأسيس نظريا لما يمكن أن يسبغ الشرعية على البيعة في أشكالها الثلاثة المتباينة: اختيارا من أهل الحل والعقد، أو عهدا من الإمام السابق، أو استيلاء على الحكم قهرا وغلبة. واعتمد الفقهاء في مقاربتهم للمسألة على القياس على مرحلة الخلافة الراشدة، وعلى مقصد الحفاظ على وحدة الأمة من أن ينفرط عقدها. لذا وجب النظر إلى قياسهم لمعرفة مدى مطابقته للأصل المقيس عليه، وإلى مقاصدهم لمعرفة مدى ارتباطها بالوحي الرباني أو بواقعهم الظرفي.

طالع أيضا  تمييز البيعة الشرعية عن البيعة العرفية 3/4سياق تأصيل البيعة العرفية

لقد درج الفقهاء على القول بشرعية انعقاد الإمامة بعهد من سبق، وجواز الأمر مبني عندهم قياسا على استخلاف أبي بكر الصديق عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بعده، وهي مقولة بُنِي عليها – ولا يزال – باطل الحكم الفاسد، حيث يتم تصوير الأمر على أن أبا بكر انفرد بالأمر دون عامة المسلمين، فإن فعلها مَن بعده، فإنما اتباعا لمن هو أفضل منهم، ويتم إهمال النصوص التي تحدثت على أن أبا بكر أشرف على الناس: وهو يقول: أترضون بمن أستخلف عليكم، فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا. فقالوا: سمعنا وأطعنا) 3 . ونقف مع هذا النص نستجلي عدة أمور:

– إن أبا بكر يسأل الناس عن رضاهم بمن يقترحه ليكون خليفة عليهم، فالمبايعة رضى من كل الأطراف، والأمة لم تكن بعد قد عرفت “بيعة الإكراه”، و”إمارة الاستيلاء”… وإنما المبايعة كما علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صفقة يد وثمرة قلب، قال عليه السلام: “من بايع إماما فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر” 4 .

– إن أبا بكر استفرغ الجهد في استشارة الصحابة ذوي السابقة حول استخلافه ابن الخطاب، فقد ذُكر أنه لما أراد العقد لعمر دعا عبد الرحمن بن عوف فاستشاره في الأمر، ثم فعل ذلك مع عثمان بن عفان 5 ، ولا شك أنه استشار باقي أعلام الصحابة الكبار، وهي سنة سار عليها الصحابة بعده، فعبد الرحمن بن عوف خلع نفسه من بين الستة المرشحين لخلافة عمر بن الخطاب، وقام يطوف على الناس يسألهم عمن يرتضونه إماما لهم، وهكذا دار لياليه يلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس يشاورهم ولا يخلو برجل منهم إلا أمره بعثمان) 6 .

– إن أبا بكر لم يسند الخلافة إلى ذي قرابة، وهو أمر يصيب أنظمة الملك الوراثية في مقتل، ومعلوم أن عمر بن الخطاب، وضع ابنه عبد الله مع من سيوكل أمر المسلمين إلى أحدهم، على أن يكون من أهل الشورى لا من أهل الإمامة، وكذا استبعد ختنه سعيد بن زيد رضي الله عنه وهو من بقية العشرة فجعلها فقط في ستة. ويبدو أن ابن الخطاب ألزم نفسه هذا الأمر، كما ألزم به المرشحين إلى الخلافة حتى لا يمكنوا ذويهم من رقاب الناس، فقد أمر عبد الرحمن بن عوف أن يدعو له عليا وعثمانا والزبير وسعدا وهو على فراش الموت، وأمرهم أن انتظروا أخاكم طلحة ثلاثا، فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم. أنشدك الله يا علي إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل بني هاشم على رقاب الناس. أنشدك الله يا عثمان إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس. أنشدك الله يا سعد إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل أقاربك على رقاب الناس) 7 .

إن من أبرز الآفات التي عاناها الفقه السياسي قديما هو بناء الأصول الكلية للإمامة على وقائع وأحداث مجتزأة من سياقها العام، وهو ما لاحظنا مثاله في قراءة ذلك الفقه لمسألة استخلاف أبي بكر عمر، أما الآفة الثانية التي تحكمت فيه فهو الانشغال بالاستنان الشكلي في إثبات البيعة مع إغفال المعنى والمضمون، وهكذا مُنح الملك العضوض الشرعية الدينية لشبه شكلي بين وراثته الحكم وكيفياتٍ في انتقال الخلافة في العهد الراشدي، كما لم يهتم الفقهاء من أمر تعيين ابن الخطاب لأهل الشورى الستة إلا بالحديث عن أهل الحل والعقد والانشغال بعددهم الذي يعد عقد الإمامة صحيحا به، وما زال الفقهاء ينقصون العدد أو يزيدون دون القدرة على تجاوز المفهوم رغم أنه لم يثبت لا شرعا ولا تاريخا، فمن هم أهل الحل والعقد؟ وكيف يتم اختيارهم؟ وما شروط ترشيحهم؟ وفي أي فترة تاريخية تحقق حضورهم؟ وهل الحل والعقد يملكه الفقيه الذي لا حول له ولا قوة، أو يملكه من له القوة والشوكة في جماعة المسلمين؟ وكيف كتب له الاستمرار في تنظير الفقهاء وهو الغائب في صالونات العصبية القبلية صاحبة الكلمة الأولى في عقد الإمامة لأحد أبنائها مسترخصة في سبيل ذلك كل نفيس؟

طالع أيضا  تمييز البيعة الشرعية عن البيعة العرفية 4/4الأسس الثلاثة في البيعة الشرعية للخلفاء الراشدين

[1] أبو الحسن الماوردي “الأحكام السلطانية والولايات الدينية” دار الكتب العلمية- بيروت. ص: 7.\
[2] أحمد بن عبد الله القلقشندي “مآثر الإنافة في معالم الخلافة” مطبعة حكومة الكويت. ط:الثانية/1985. 1/58.\
[3] تاريخ الأمم والملوك. 2/352.\
[4] صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول.\
[5] تاريخ الأمم والملوك. 2/352.\
[6] ن.م: 2/582.\
[7] ن.م: 2/560.\