قبل أيام تناول وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية من خلال الدروس الرمضانية موضوع البيعة “مبشرا” المغاربة أن حفل تقديم وتجديد الولاء للملك أشبه ببيعة الرضوان، حيث بايع الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية تحت الشجرة. قال السيد الوزير: إن إمارة المؤمنين خلافة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، “وإن المَلِكَ” وهو مُمْتطٍ صهوة فرسه وفوق رأسه مظلة تشبه الشجرة التي وقعت تحتها المبايعة للرسول صلى الله عليه وسلم…)؛ بمعنى أن المغاربة يعيشون أزهى العصور الإسلامية: بيعة وهيمنة لشرع الله على مظاهر الحياة العامة للمجتمع سياسة واقتصادا واجتماعا وإعلاما وفنا… بل إن المغرب بهذا التمكين لدين الله و”الفتح” العظيم سيصبح قِبلة لمسلمي العالم فرارا بدينهم من الفتنة أو الاضطهاد: مسلمي بورما نموذجا. وبُعيد أيام، وفي تناقض صارخ تصدر التعليمات وتغلق المساجد في وجه الوافدين عليها لإحياء سُنة الاعتكاف النبوية وتقتحم من طرف رجال السلطة في انتهاك سافر لحرمة بيوت الله بدعوى عدم الترخيص. صحيح: إذا كنت في المغرب فلا تستغرب!

إن الدولة المغربية بهذا السلوك تتنكر لمسؤوليتها وتتناقض مع التزاماتها، فالفصل الثالث من الدستور يقول: الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية). فأين هي حرية ممارسة الشعائر الدينية؟ وهل ممارسة الناس لدينهم ـ الاعتكاف نموذجا ـ يقتضي رخصة؟ أليس هذا نزوعا لِـ”بَنْعَلَةِ” ـ نسبة لسياسة تجفيف المنابع التي انتهجها الرئيس التونسي الهارب بن علي ـ المشهد الديني في المغرب؟

“بيعة رضوان” و”خلافة كاملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم” تمنع الناس من ولوج المساجد إحياء للسنة النبوية والتماسا لفضل ليلة هي خير من ألف شهر، يقابلها تمكين لإتيان الفواحش التي جلبت اللعنة والعقاب الإلهيين لمن سبق من الأقوام مجتمعة: شذوذ له مؤتمراته وتجمعاته المحروسة وأبواقه وعسَسُه، ومهرجانات السياحة الجنسية تستنفر لها الدولة الأجهزة الأمنية لحمايتها، ومجاهرة لإفطار رمضان ودعوات للإباحية والتحرر الجنسي تكفَّل الإعلام بصناعة رموزها، أما الخمور زراعة وصناعة وتجارة فغدت عصب اقتصاد دولة لا يستحيي وزير تدبير الشأن الديني من اعتبارها نموذجا حيا لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته.

قد يقول قائل: إن الدعوة لإحياء الاعتكاف في المساجد ليس بريئة، والغرض منها هو إحراج الدولة جنيا لمكاسب سياسوية من طرف تنظيم خارج “الشرعية والإجماع” الشعبي؟ وقد يقول آخر: فتحُ المساجد للعموم خلال العشر الأواخر لا يخلو من محاذيرَ، إذ قد يتيح فرصة يغنمها البعض لحشو عقول بسطاء الناس بالتطرف المُفضي للإرهاب في مرحلة دقيقة وحساسة؛ وعليه فدَرْءُ المفاسد أولى ومُقدم على جلب المنافع.

إذا كانت الدعوة لإحياء الاعتكاف في المساجد ليست بريئة، فلماذا لا تبادر الوزارة الوصية من خلال مندوبياتها ومجالسها العلمية وتقطع الطريق على “الانتهازيين” وتشرف على الاعتكاف وتوفر للمغاربة أسباب اغتنام شهر رمضان وعشره الأواخر ـ خاصة ـ تعرضا لنفحات الله تعالى وأنواره وتجديدا للإيمان واحتضانا لأفواج التائبين في رمضان رفعا للمنسوب الإيماني الذي سينعكس ـ ولا شك ـ صلاحا عاما للعباد والبلاد؟ ما المانع وكل المتطلبات البشرية (وعاظا ومرشدين وقيِّمين) والمادية (موارد الوقْف كموارد الفوسفاط لا يدري أحد مبالغها ومجالات صرفها) واللوجيستيكية (قناة تلفزية ومحطة إذاعية) متوفرة من أن تُفَعِّل الدولة من خلال الوزارة الوصية على إيمان العباد الفصلين: 3 و41 من الدستور، ثم لا ضير من أن تعتبر ذلك إنجازا دينيا ينسجم ـ ولو نسبيا ـ مع ادعاءات الخلافة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟

إن من تمام واجبات دولة تعتبر الإسلام دينها والبيعة آلية شرعية تطوق أعناق المغاربة حرصا على اكتمال إسلامهم أن تهيئ للشعب فرص الارتقاء الإيماني وأسباب الفلاح بأعلى درجات الجنة، من خلال توفير مناخ عام معافى من الموبقات والفواحش، ومن خلال ضمان أسباب الكرامة، ومن خلال مشروع مجتمعي ينخرط في تنزيله ويتنافس لبلورته واقعا الجميع، فتعز الأمة ويسعد الفرد دُنيا وآخرة.

غير أن واقع الحال يفضح زيف شعارات يؤسس عليها النظام شرعيته الدينية ويكتسب بها قداسة تسمو به على المحاسبة والمساءلة، ويؤكد غياب النية للتمكين لدين الله واعتماده مشروعا مجتمعيا يرقى بالعباد والبلاد سلوكا وفهما وخبرة وإنتاجا وانخراطا إيجابيا فعالا في البناء والنماء، وبالتالي فقرار منع الاعتكاف ومحاربة أشكال التدين عموما بواسطة أدعياء الحداثة يفضح المنطق الانتقائي والبرغماتي الذي يعتمده النظام في تعامله مع دين المجتمع: الإسلام.