إجمالا يمكن الجزم بأن مستقبل الربيع العربي يتلخص في الإجابة على هذه الأسئلة الثلاث:

كيف يتم تدبير تركة الاستعمار وتركة الديكتاتورية معا؟

في القرن السابع للميلاد، حاصر مشركو قريش دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، قاتلوه وأخرجوه هو و أتباعه من ديارهم بغير حق، بل قتلوا بعضا من أقاربه صلى الله عليه وسلم. ثم دارت الدائرة على قريش وحلفائها من قبائل العرب ففتح الله لنبيه صلى الله عليه وسلم مكة فتحا مبينا؛حينها تملك الكفار خوف شديد من انتقام محمد وأصحابه منهم جريا على عادة القبائل العربية حين تنتصر بعد هزيمة وحين تكر بعد أن تفر.

لكن الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء!

في مناسبة أخرى قال لزعماء من قريش أسلموا -كانوا من قبل أشدة على المسلمين-: أن الإسلام يجب ما قبله، وفي رواية: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن التوبة تهدم ما كان قبلها.

وقال أيضا: إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف.

لذلك فالربيع العربي يجب أن يفتح صفحة المستقبل بالعفو الشامل والرحمة واللين اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبتعاليم الإسلام التي تحث على الرفق والرحمة والسماحة والصلح خير.

وبديهي أن العفو الشامل لا يتنافى مع رد المظالم ومحاكمة الذين تورطوا في دماء الناس وأموال الشعب بالجملة.

كيف تحدد الثورة مشروعها المجتمعي بناء على ثوابت الأمة مستفيدة من تجارب الحكمة الإنسانية؟

قبل كل شيء يجب التمييز بين المشروع المجتمعي التغييري الذي يعنى بالقضايا المصيرية الكبرى الذي تجتمع له كل مكونات الأمة وبين المشروع الانتخابي الذي يميز حزبا عن حزب.

لذلك فالمشروع المجتمعي التغييري يتركز على تعريف الإنسان الذي نريد وطبيعة المجتمع الذي نروم. وبشكل أكثر دقة يتمحور حول هذه النقط التالية:

أ‌. تغيير الانسان – الفرد

تغيير عقله وروحه وحركته وموقفه اتجاه نفسه واتجاه المال والسلطة واتجاه الآخرين. مشروع التغيير يركز على الإنسان كيفما كانت هويته وثقافته وديانته: حريته وكرامته قبل كل شيء.

كيف تغير الانسان العربي من موقف السلبية واللامبالاة إلى موقف الإيجابية والمشاركة الفاعلة والمهتمة والصادقة؟

والمدخل الصحيح للتغيير عندئذ هو الأخلاق والقيم، الأخلاق التي يزكيها الاسلام ويدعو إلى مكارمها نبي الإسلام.الأخلاق أصبحت مطلبا إنسانيا عالميا في ظل انحصار القيم المادية وتهاويها.

ب‌. الاستقرار على الشورى (الديموقراطية)

الديموقراطية من أكثر المواضيع إثارة للجدل الايديولوجي بين الإسلاميين واللائيكيين؛ ففي حين يراها اللائيكيون غير منفصلةعن “القديسة لائيكية” كما يسميها فرنسوا بورغا. لا يمكن بأي حال من الأحوال القبول بالديموقراطية مجردة من سياقها الفلسفي والثقافي والتاريخي والاجتماعي (اللائيكية، العقلانية، الحداثة، اقتصاد السوق….) وفي حالات متطرفة لاتقبل دون رديفتها الليبرالية الجديدة. بينما للإسلاميين تحفظاتهم حول السياق التاريخي والثقافي للديموقراطية كما شكلت ضمن تناقضات المجتمعات الغربية، في الوقت نفسه يقبلون بها ويحتكمون إليها كآلية للحكم والتداول السلمي على السلطة في مجتمع مدني سلمي.

طالع أيضا  الربيع العربي: من "الثورة" إلى "الدولة"بين يدي الثورة (1)

الاستقرار على الديموقراطية ينبغي أن يأخذ ثلاثة اتجاهات أساسية:

الأول ينصب على سياق الديموقراطية حيث ينبغي أن تلعب الأخلاق دورا أساسيا في تصحيح المسار السياسي، من ناحية أخرى يجب إنقاذ الديموقراطية من مخالب رأس المال ثم التحدي الثالث هو جعل الديموقراطية أكثر تشاركية.الثاني يراجع آلية الديموقراطية، حيث ينبغي أن نتجاوز الديموقراطية التقليدية (الحكومة/المعارضة) إلى الحركة الفاعلة المشاركة البنائية التي يطلع بها المجتمع المدني، مع تمكين الأمة من وسائل أكثر نجاعة وفاعلية في مراقبة عمل المؤسسات. الثالث هو بناء ميثاق وطني جامع مبني على أسس التعددية والحرية يلخص جميع التوافقات/الاختلافات السوسيو- ثقافية ويضمن حقوق الإنسان.

ت. بناء وتقوية النسيج الاجتماعي

تركت الديكتاتورية عواقب اجتماعية وخيمة على مستوى العلاقات الاجتماعية بين الطوائف والجماعات والطبقات. الاستبداد استطاع أن يشرذم المجتمع عبر الصراعات الطائفية والقبلية والعرقية والدينية والثقافية والجهوية وأحدث شرخا كبيرا في الهوية الواحدة المشتركة. سياسة التفقير سببت اختناقا اجتماعيا أصبح يهدد النسيج الاجتماعي بأكمله. مما يستوجب أن يقوم النظام الجديد بتدابير سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تقوي التماسك الاجتماعي وترممه.

وهذه التدابير تشمل:

– تعزيز المصالحة الوطنية بين جميع الفاعلين الاجتماعيين من أجل تقوية الجبهة الداخلية.

– تحقيق العدالة الاجتماعية والسلم الاجتماعي بين الطبقات الاجتماعية وبين الجهات أيضا.

– اعتماد التعددية الثقافية والدينية في إطار الوحدة بدل سياسة التقسيم والكراهية.

– اعتماد سياسة تنموية تقوم على أساس الإنسان قبل كل شيء.

ث. الوحدة العربية والإسلامية

لم يشهد التاريخ العربي والإسلامي الحديث فرصة ذهبية للوحدة مثل ما نشهده اليوم. هذه الوحدة التي ظلت مطلبا شعبيا منذ أمد وشعورا حيا في الوعي التاريخي عبرت عنه مرارا خلال مسيراتها التضامنية وخرجاتها الاحتجاجية من أجل قضاياها المشتركة (فلسطين،العراق،لبنان،أفغانستان،الصومال…).الآن أصبحت هذه الوحدة بعد الربيع العربي واقعا سياسيا ومؤسساتيا بإمكانه أن يؤدي إلى شعور مشترك وسياسة مشتركة واقتصاد مشترك وفعل دولي مشترك.

جرت محاولات كثيرة للوحدة من قبل الأنظمة الاستبدادية، غير أنها باءت بالفشل لأنها كانت شعارات زائفة وكاذبة وكانت تتخذ بعيدة عن الأمة وفي غيابها.

ما تبقى من هذه المحاولات: الجامعة العربية، والاتحاد المغاربي، ومجلس التعاون الخليجي؛ غير أن هذه المؤسسات بقيت غير ذات جدوى في ظل صراع الأنظمة الديكتاتوية فيما بينها.

طالع أيضا  الانتخابات الرئاسية التونسية.. الكل خاسر

بعد الربيع العربي أصبح بإمكان الشعوب تجديد هذه الهياكل وإعطائها نفسا جديدا يرتكز على التعاون الرسمي والشعبي معا من خلال حكومات منتخبة وصادقة ومجتمع مدني نشيط وفاعل.

ج‌. التحديات الدولية

الربيع العربي يواجه ثلاث تحديات أساسية في علاقته بالعالم:

i. الغربنة أو التغريب

هناك مقاربة واسعة الانتشار –خاصة لدى المفكرين الغربيين- بأن الغربنة هي سبب الأزمة الشاملة التي يعيشها العالم اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وبيولوجيا، الغربنة تعيش أزمة كبرى كما يقول إدغار موران: الحضارة الغربية التي أنتجت الأزمة العالمية هي نفسها في أزمة) 1 أو كما عبر آرون دافيد ميلير حين قال: الربيع العربي والشتاء الأمريكي) 2 .

من الضفة الأخرى هناك يقظة إسلامية عبرت عنها صناديق الاقتراع بعد الربيع العربي (حزب النهضة الإسلامي في تونس، حزب الحرية والعدالة في مصر، العدالة والتنمية في المغرب وأكيد أن للإسلاميين حضورا في ليبيا وسوريا والأردن).

ماهي التوقعات للعلاقة مع الغرب؟ هل هي المواجهة وسياسة الشيطان الأكبر كما هو حال التجربة الإيرانية، أم التفاهم وسياسة المصالح المشتركة؟ ما هي المراجعات التي ينبغي أن يقوم بها كل طرف من أجل تفاهم وتعايش أفضل؟

أعتقد أن الغرب أصبح مقتنعا اقتناعا كاملا بأن التغيير أصبح واقعا لا رجعة فيه وأن صفحة الأنظمة الديكتاتورية قد طويت وأصبح إلى حد ما جاهزا للتعامل مع صعود الإسلاميين للحكم 3 .في حين أن الإسلاميين يدركون جيدا المصالح الغربية في المنطقة. هذا التقاطع بين الطرفين هو الكفيل بإحداث علاقات جيدة مبنية على الحوار والوضوح والصراحة والندية.

من هذه الزاوية بإمكاننا أن نرى تجديد مجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات والمشاريع التي وقعت مع الأنظمة البائدة وظلت حبرا على ورق 4 ، أو مشاريع واتفاقيات جديدة قائمة على المصالح المشتركة.

النقطة السوداء في هذه العلاقة هي إسرائيل، حيث يجب على الدول الغربية أن تراجع مواقفها من اسرائيل باعتبارها ديكتاتورية تقليدية في عباءة ديمقراطية 5 . أيضا الإسلاميون عليهم أن يراجعوا استراتيجية المقاومة، استراتيجية جديدة مبنية على النموذج الديموقراطي والعدالة الاجتماعية والتنمية العادلة والمتوازنة على المستوى الوطني، ثم على التعاون السياسي والاقتصادي بين الدول العربية والإسلامية بل وبناء علاقات جيدة وفاعلة في المنطقة الأورومتوسطية من أجل محاصرة “إسرائيل”.

ii. العولمة

تجاوز الغربنة هو في حد ذاته تجاوز لجزء كبير من مساوئ العولمة ممثلا في الاستكبار العالمي الذي يحاول السيطرة على العالم ثقافيا وسياسيا واقتصاديا.

من جهة أخرى المزاج العالمي يتجه صوب تكوين تحالف عالمي جديد، يقوده المهمشون والفقراء والشعوب والغاضبون بصفة عامة.تحالف عالمي سلمي يقوده الضمير الانتقادي والمنظمات غير الحكومية، قاعدته الأساسية هي الأخلاق والمبادئ الإنسانية والعدالة الاجتماعية والكفر بمعتقدات “دين السوق” التي أوصلت العالم إلى الطريق المسدود وفتحت كل شر على الأرض والكون بأكمله. 6

طالع أيضا  الربيع العربي: من "الثورة" إلى "الدولة"بين يدي الثورة (1)

الربيع العربي والثورة العربية يجب أن تركب قاطرة هذا التحالف الجديد في انتظار سن قوانين وشروط جديدة في العلاقات الدولية مبنية على الكرامة الآدمية والعدالة الإنسانية.

iii. عمران أخوي من أجل عالم بديل أفضل تعايشا وأكثر عدلا وتوازنا

عندما نتكلم عن التحالف الجديد، لا يعني أن العالم ينبغي عليه أن يعود إلى مرحلة الحرب الباردة وسباق التسلح أو صدام الحضارات كما يحلو للبعض. لكن نعني أولا تحالف الجميع وتعاونهم كما نعني أن يتواضع الأقوياء وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية ويقوموا بنقد ذاتي لأفعالهم الوخيمة العاقبة وأن يظهروا حسن نواياهم في حماية هذا الكوكب وإنقاذه.

إنقاذ سيكون للإسلام فيه دور مصيري وحاسم في تغيير الأنفس والآفاق والعادات والعقليات والفردانية الأنانية والمواقف.

كيف نحصن الثورة من العودة مجددا إلى الديكتاتورية؟

أولا يجب توضيح أن مصطلح “الثورة” ينبغي أن يكون مؤقتا حتى لا تتكون لدينا اوليغارشية جديدة تتحكم باسم الثورة وندخل مرة أخرى في شمولية قديمة – جديدة. يجب تعويضه بمصطلح “الأمة” حيث يفصح عن الوعي التاريخي للشعوب وعن الطموح والأمل وعن المشاركة الواسعة. هذا التمييز في المصطلح ينبغي أن يجَسّد واقعا ملموسا في عالم السياسة.

في السلوك الديموقراطي التقليدي ، تقوم المعارضة البرلمانية بمراقبة عمل الحكومة وهي تتربص بها الدوائر عند أول غلطة تكون جاهزة لتعويضها أو إجراء انتخابات مسبقة. المعارضة جزء من ماهية النظام السياسي.

بينما السلوك الديموقراطي التشاركي يذهب إلى أبعد من هذه الثنائية التقليدية: الحكومة/المعارضة. إنه يحصن الوحدة والنسيج الوطني من الدكتاتورية المباشرة وغير المباشرة.الأمة في هذه الحالة هي الضمان الوحيد ضد عودة الطغيان والاستبداد؛ وذلك من خلال حضورها القوي ويقظتها المستمرة ومشاركتها الفعالة من خلال مجتمع مدني قوي ونافذ.

ثانيا بالتوازي مع عملية الاصلاح السياسي يجب فتح أوراش كبرى لا تقل أهمية ودائما ضمن التنوع والتعددية: إصلاح الفكر وإصلاح التعليم.


[1] Edgar Morín, la vía : para el futuro de la humanidad P22\
[2] Aaron David Miller , Los Angeles Times: http://articles.latimes.com/2011/nov/13/opinion/la-oe-miller-arabs-america-20111113\
[3] حسب تصريحات لزعماء غربيين: لباراك اوباما، هيلاري كلنتون، ساركوزي، دافيد كامرون إلخ.\
[4] إعلان برشلونة 1995 لازال لم يدخل حيز التنفيذ إلا ما خلا من الجانب الأمني.\
[5] الغرب لا يريد الاعتراف بأن اسرائيل دولة عنصرية صهيونية عسكرية مغلقة.\
[6] الثورة العربية والمزاج العالمي. سليمان بن الريشة / موقع فجر الحرية 25 ينايرhttp://www.25yanayer.net/?p=10689\