مع كل حضور لرمضان يستيقظ في قلبي شيء.. ففي حياة كل منا محطات، يشعر فيها أن دوامة الحياة أخذته، وأذهلته عن ذاته الحقيقية.

لذلك مع كل حضور لهذا الشهر الفضيل، أتأمل بنوع من الهيبة والدهشة هذه الأحاسيس التي تولد داخلي.. أحاسيس رائعة وحلوة هي أقرب إلى مذاق السكر في أفواه الأطفال.. ونفحات روحية ما زلت أستغرب كيف يتسع قلب في حجم قبضة اليد لأحاسيس في رحابة الأفق..

رمضان يمنحنا لحظات خاصة جدا نتذوق فيها معاني روحية خالصة، نتوقف أمامها طويلا، قد نأخذ منها نبراسا لسلوكنا فى طريق الله، وقد نسعد بها في وقتها ثم ننساها بعد ذلك، ونعود إلى سيرتنا الأولى!

تأمل معي قارئي العزيز مشهد المساجد وهي تمتلئ فجأة، والصفوف تتزاحم والمصلون يحتلون الشوارع وآيات الله تتلى آناء الليل وأطراف النهار..

نفس المشهد يتكرر عبر الفضائيات وفي كل مدن العالم.. أناس مختلفون، بثياب مختلفة وألوان مختلفة وألسنة مختلفة وجنسيات مختلفة لكنهم كلهم متجهون نحو قبلة واحدة، يتمتمون بنفس الآيات. يركعون ويسجدون..

تتسرب إلى روحي سكينة علوية حين أتخيل أن هذا البناء الشامخ بناه رجل واحد منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام! رجل واحد فقط، ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد، نظر إلى السماء فوجدها كبيرة، وإلى الأرض فوجدها شاسعة، وإلى الناس فوجدهم أخلاطا متنافرين، نزل عليه الروح الأمين طلب منه أن يدعو كل هؤلاء إلى عبادة الله، كيف تحقق هذا الشىء المذهل؟ كيف تحول مسلم واحد إلى مليارات المسلمين؟ وتمكن من دعوة العالم أجمع، وأنشأ هذا الصرح الهائل العظيم؟

اتهموه بأنه كاهن‏، واتهموه بالجنون واتهموه بالسحر،‏ وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا‏، وطلبوا منه معجزات من نوع معين‏..‏ أعلنوا أنهم لن يؤمنوا له حتى يفجر لهم من الأرض ينبوعا أو تكون له جنة من نخيل وعنب‏،‏ فيفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو يسقط السماء كما زعم عليهم قطعا من العذاب‏، أو يأتي بالله والملائكة يضمنون لهم صحة ما يدعوه إليه‏، أو يكون له بيت من ذهب‏، أو يصعد في السماء ولن يؤمنوا لصعود إلا إذا صعد أمام أعينهم وعاد وأحضر لهم كتابا يقرأونه من السماء‏.‏

فتأمل أنت قارئي العزيز، حجم العناد وتأمل كيف صرنا، أنت وأنا، بعد أزيد من ألف وأربعمائة سنة نشهد أنه رسول الله وأنه شمس الأنبياء وأنه سيد أبناء آدم، وأنه رحمة الله المهداة إلى البشر..

حين هل اليوم الأول من رمضان، دخلت المسجد وفتحت القرآن، صافحتني رائحة الورق العتيقة ودخل صدري اطمئنان طالما افتقدته بدأت أقلب الصفحات كي أستزيد من تلك الرائحة اللذيذة إلى أن سقط بصري على الآية التالية: ن والقلم وما يسطرون.

تصور معي قارئي العزيز، يقسم الله بحرف.. وقلم.. وسطر من الكلمات..

هل تتصور أن حرفا واحدا يمكن أن يقود الإنسان إلى الله!! حرف واحد!! لو فكر الإنسان في قدرة الله المتمثلة في خلق الحروف وخلق الكلمات وجعلها رموزا وإشارات وجعلها خطوطا تحتوي داخلها على الكون الأكبر، وتملك القدرة وهي تمشي على الأوراق أن تعبر عن ملايين الصور والأحلام والدهشة والاكتشاف.. لو فكر الإنسان في ذلك لعرف قدرة الله ولأحبه..

فالحب سر من أسرار هذا الكون بل من العارفين بالله من ينظر إلى الحب كسبب للخلق، ويتوقفون كثيرا عند قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه.. فالله تعالى لا يخوفهم بنار أو عذاب وإنما بأرق شيء في الوجود: الحب.

هكذا ينظر العارفون بالله إلى الوجود، إنهم يرون الحب حاكما في الوجود، وسببا في ميلاد الكون، خلقنا الله ليتفضل علينا بحبه، ويتفضل علينا بأن يسمح لنا بحبه لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: “اللهم إني أسألك حبك.. وحب من يحبك.. وعملا يقربني إلى حبك”. وحب الله الخالق المنعم مغروزٌ في الفِطَرِ الكريمةِ المَعْدِنِ، تَطْمِرُه الطّوامر وتُبرزه من مكامنه صحبة من ينهض بك حاله، ويدلك على الله مقاله).. والمؤمنون في حبهم لله مراتب، فالعامة يحبونه لما يغذوهم به من نعم ومِنَن، وخاصة أهل الله يحبونه عبودية وإخلاصا وشوقا.

قريبا إذن سيتنهي هذا الشهر الفضيل وهذه الأيام المعدودات، فتصور معي قارئي العزيز، أن هذا الصيام هو العبادة الأرقى والله أعلم، لأنك حين تخرج الزكاة فترى الفرحة في عيون المحتاج قد تحس بالنشوة، وحين تصلي سيشهد لك الجميع بأنك شخص محترم يخاف الله، وحين تحج ستظل بقية حياتك تحظى بلقب يميزك عن الجميع ويمنحك هيبة ما، كل العبادات تجني ثمارها، لكن الصيام لن ترى ثماره بين يديك اليوم لأنه صلة داخلية بين العبد وربه.. إنه سر من أسرار الحب، يموت لو أعلنا عنه..

وأخيرا ها أنا أحاول أن أجد كلمات تعبر عن شكر الله والثناء عليه أن بلغنا رمضان فلم أجد. ولولا سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم ما عرفت كيف أثني على الله أو أشكره..

قال صلى الله عليه وسلم وهو يثني على ربه: “ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت سبحانك كما أثنيت على نفسك”..